الرئيسية » الدراسات » مهددات الأمن غير التقليدي في إيران

مهددات الأمن غير التقليدي في إيران

الكاتب:

أولا: الإطار النظري والمفاهيمي للأمن غير التقليدي
ارتبط مفهوم الأمن في بداياته الكلاسيكية بفكرة حماية الدولة من التهديدات العسكرية الخارجية، وهو ما عكس طبيعة النظام الدولي، خلال مرحلة الحرب الباردة، التي سادت فيها الاعتبارات الجيوسياسية والعسكرية. غير أن التحولات البنيوية التي شهدها النظام الدولي، عقب انهيار الثنائية القطبية، أسهمت في إعادة النظر في هذا المفهوم، مع تزايد إدراك الباحثين بأن مصادر التهديد لم تعد عسكرية بالضرورة، بل قد تنبع من داخل الدولة ذاتها.
ويشكّل مفهوم الأمن غير التقليدي أحد أبرز التحولات في الدراسات الأمنية المعاصرة، إذ لم تعد الدولة تواجه فقط تهديدات عسكرية أو صراعات مسلّحة، بل أصبحت تواجه جملة واسعة من المخاطر ذات الطابع الاجتماعي والاقتصادي والبيئي والتقني المتداخل، والتي تُحدث تأثيرات مركّبة على استقرارها.
وفي هذا السياق، برز اتجاه أكاديمي يدعو إلى توسيع مفهوم الأمن ليشمل أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، باعتبارها عناصر مؤثرة في استقرار الدولة واستمراريتها. وأكد هذا الاتجاه أن تجاهل هذه الأبعاد قد يؤدي إلى تقويض الأمن القومي من الداخل، حتى في غياب تهديد عسكري مباشر.
 وفي حالة إيران، يتخذ الأمن غير التقليدي أهمية مضاعفة؛ نظرًا لخصوصية البيئة الداخلية، وتشابك التحديات المناخية والاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل دراسة هذا الإطار النظري خطوة أساسية لفهم طبيعة التهديدات التي تتعرض لها الدولة الإيرانية.
  • التطور المفاهيمي للأمن غير التقليدي:
شهدت الدراسات الأمنية خلال العقود الأخيرة تحوّلًا واضحًا من التركيز على الأمن العسكري التقليدي نحو إدماج طيف واسع من التهديدات غير العسكرية، مثل الأمن البيئي والأمن الغذائي والأمن الاقتصادي والأمن الصحي والأمن المجتمعي. ويأتي هذا التحوّل نتيجة للتعقيد المتزايد في بنية الدول والمجتمعات، وتنامي التداخل بين الأبعاد الداخلية والخارجية للأمن، وهو الأمر الذي مهّد لظهور مفهوم الأمن غير التقليدي كإطار شامل يعكس تعقيدات الواقع المعاصر.
ويُقصد بالأمن غير التقليدي ذلك النمط من الأمن الذي يركز على التهديدات غير العسكرية التي تمس استقرار الدولة والمجتمع، مثل الأزمات الاقتصادية، والاختلالات الاجتماعية، والتغيرات المناخية، وشح الموارد. ([i])  ويتعامل هذا المفهوم مع الأمن بوصفه عملية شاملة تتجاوز منطق الردع العسكري إلى منطق إدارة الأزمات البنيوية طويلة الأمد. كما يرتبط الأمن غير التقليدي ارتباطًا وثيقًا بمسألة الشرعية السياسية، حيث يؤدي فشل الدولة في إدارة هذه التحديات إلى تآكل الثقة بينها وبين المجتمع. ([ii])
  • خصائص التهديدات غير التقليدية:
من أبرز الخصائص، التي تجعل التعامل معها أكثر تعقيدًا مقارنة بالتهديدات التقليدية، ما يلي:
  • الطابع التراكمي والبنيوي: تتسم التهديدات غير التقليدية بطابعها التراكمي، حيث تتطور تدريجيًا ولا تظهر آثارها بشكل فجائي، ما يجعل رصدها واحتواءها أكثر تعقيدًا. ([iii])
  • المنشأ الداخلي: تنبع هذه التهديدات في الغالب من داخل الدولة، نتيجة اختلالات اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية في بنيتها الداخلية. ([iv])
  • صعوبة المواجهة الأمنية المباشرة: إذ تتميز هذه التهديدات بصعوبة مواجهتها عبر الأدوات الأمنية، أو العسكرية التقليدية، الأمر الذي يتطلب سياسات شاملة تتجاوز الحلول القسرية، نظرًا لعدم فاعلية الأدوات العسكرية في احتوائها. ([v])
  • الارتباط بالشرعية السياسية: حيث يؤدي الفشل في إدارتها إلى تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع.
وتُعد هذه الخصائص ذات أهمية خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على أدوات الضبط الأمني التقليدي، دون معالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية للأزمات. وهنا يمكن القول إن خطورة الأمن غير التقليدي لا تكمن فقط في طبيعته غير العسكرية، بل في قدرته على تقويض الاستقرار الداخلي بصورة تدريجية وصامتة، خاصة في الدول التي تعتمد على أدوات الضبط الأمني، دون معالجة الجذور البنيوية للأزمات. وفي الحالة الإيرانية، تتضاعف هذه الخطورة بفعل تداخل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية مع الضغوط الخارجية، وهو ما يجعل الأمن غير التقليدي أحد المحددات الرئيسية لمستقبل الاستقرار الداخلي للدولة.
  • تطور مقاربة الأمن غير التقليدي في دراسات الأمن:
  • التحول من المقاربة العسكرية إلى المقاربة الشاملة للأمن: ارتكزت المقاربات التقليدية للأمن، لفترة طويلة على البعد العسكري بوصفه الأداة الرئيسية لحماية الدولة وضمان بقائها في مواجهة التهديدات الخارجية. ([vi])غير أن التحولات التي شهدها النظام الدولي بعد الحرب الباردة أظهرت محدودية هذه المقاربة، خاصة في التعامل مع التهديدات ذات الطابع الداخلي أو البنيوي. ([vii])
وبالتالي فإن الاقتصار على البعد العسكري في فهم الأمن يؤدي إلى تجاهل مصادر تهديد أكثر عمقًا، لا سيما في الدول التي تعاني من اختلالات اجتماعية أو اقتصادية، تجعل الخطر نابعًا من داخل المجتمع ذاته، وليس من خارج الحدود السياسية للدولة.
  • بروز الأبعاد غير التقليدية في دراسات الأمن: ساهمت دراسات الأمن النقدية في إدخال أبعاد جديدة لمفهوم الأمن، من بينها: الأمن الاقتصادي والأمن المجتمعي والأمن البيئي، باعتبارها مكونات أساسية للاستقرار. ([viii]) وأكدت هذه الدراسات أن التحديات البيئية والاقتصادية يمكن أن تتحول إلى مصادر تهديد أمني إذا أدت إلى اضطرابات اجتماعية أو أزمات سياسية داخلية. ([ix])
وهنا يمكن القول إن إدخال هذه الأبعاد غير التقليدية لا يعني توسيع المفهوم على نحو فضفاض، بل يعكس تحولًا في طبيعة التهديدات ذاتها، حيث باتت الدولة تواجه ضغوطًا مركبة تتطلب أدوات تحليل وسياسات عامة تتجاوز منطق القوة الصلبة.
  • الأمن غير التقليدي كإطار تفسيري لتحليل استقرار الدول: تنظر المقاربات الحديثة إلى الأمن غير التقليدي بوصفه إطارًا تفسيريًا يساعد على فهم العلاقة بين التحديات البنيوية والاستقرار السياسي داخل الدولة. ([x])ويُستخدم هذا الإطار لتحليل كيفية تحوّل الأزمات الاقتصادية، أو البيئية إلى عوامل محفزة للاحتجاج أو عدم الاستقرار، خاصة في الدول ذات البنى الاجتماعية المعقدة. ([xi])
ولهذا تتجلى أهمية هذا الإطار التحليلي في قدرته على الربط بين الظواهر المتفرقة، ضمن سياق واحد، على نحو يسمح بفهم طبيعة التهديدات الأمنية بوصفها عملية تفاعلية ممتدة، وليس أحداثًا منفصلة، وهو ما يُعد ضروريًا لتحليل الحالة الإيرانية لاحقًا.
وبناء عليه، فإن تطور مقاربة الأمن غير التقليدي في دراسات الأمن يعكس إدراكًا متزايدًا لتعقيد هذه التهديدات التي تواجه الدول في الوقت الراهن، خاصة تلك التي تعاني من ضغوط داخلية ممتدة. وفي هذا الإطار، تمثل المقاربة غير التقليدية أداة تحليلية أكثر قدرة على تفسير التحديات التي تواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مقارنة بالمقاربات الأمنية الكلاسيكية التي تركز على البعد العسكري دون غيره.
  • خصوصية الأمن غير التقليدي في الدول ذات الطابع الأيديولوجي:
  • طبيعة الدولة الأيديولوجية وانعكاسها على مفهوم الأمن: تُعرَّف الدولة الأيديولوجية بأنها الدولة التي تستند شرعيتها السياسية إلى منظومة فكرية، أو عقائدية شاملة، تُقدَّم بوصفها إطارًا مفسرًا للسياسة الداخلية والخارجية على حد سواء. ([xii]) ومن ثم يرتبط مفهوم الأمن في هذا النوع من الدول بالحفاظ على النظام الفكري الحاكم، بقدر ارتباطه بحماية الدولة من التهديدات المادية، مما يؤدي إلى توسيع تعريف التهديد ليشمل أي عوامل قد تُضعف الالتزام الأيديولوجي، أو تُقوِّض الشرعية الرمزية للنظام. ([xiii])
ونرى أن هذا التوسع في تعريف التهديد يجعل التحديات غير التقليدية أكثر حساسية، إذ لا تُعد مجرد أزمات خدمية أو اقتصادية، بل تتحول إلى اختبارات مباشرة لشرعية النظام وقدرته على الحفاظ على تماسكه الداخلي وقدرته على مجابهة التحديات المختلفة.
  • الأمن غير التقليدي بين الأيديولوجيا وإدارة الأزمات: تميل الدول الأيديولوجية إلى معالجة التحديات الداخلية، من خلال مقاربات أمنية صارمة، انطلاقًا من تصور يعتبر الاستقرار نتاجًا للضبط والسيطرة أكثر منه نتاجًا للتوافق الاجتماعي. ([xiv]) غير أن هذه المقاربة تواجه حدودًا واضحة عند التعامل مع التحديات غير التقليدية، مثل الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية، التي تتطلب سياسات عامة مرنة وقدرة على التكيف المؤسسي. ([xv])
ومن ثم، فإن الاعتماد المفرط على أدوات الضبط الأمني في مواجهة أزمات بنيوية، قد يؤدي إلى احتواء مؤقت للأعراض، دون معالجة الأسباب الجذرية، وهو ما يزيد من هشاشة الاستقرار على المدى المتوسط والطويل.
  • خصوصية الحالة الإيرانية في إطار الأمن غير التقليدي: تتميز الجمهورية الإسلامية الإيرانية بطابع أيديولوجي، يستند إلى مرجعية دينية–ثورية تُشكّل أساس الشرعية السياسية للنظام، وهو ما ينعكس على مقاربته لمفهوم الأمن. ([xvi]) وفي هذا الإطار، لا تُنظر التحديات المناخية أو الاجتماعية أو الاقتصادية بوصفها أزمات قطاعية فحسب، بل بوصفها عوامل قد تؤثر على علاقة النظام بالمجتمع، وتُعيد طرح تساؤلات حول العدالة الاجتماعية والكفاءة الحكومية. ([xvii])
ونرى أن خصوصية الحالة الإيرانية تكمن في التداخل بين البعد الأيديولوجي والبعد الأمني، حيث يتم التعامل مع العديد من التحديات غير التقليدية بمنطق الأمن القومي الشامل، ما يؤدي أحيانًا إلى تسييس الأزمات الخدمية، أو الاقتصادية، وتحويلها إلى قضايا أمنية.
  • تداعيات الطابع الأيديولوجي على إدارة التحديات غير التقليدية في إيران: يؤدي تسييس التحديات غير التقليدية في السياق الإيراني إلى تضييق مساحة النقاش المجتمعي حول الأزمات، وهو ما يحد من فرص الوصول إلى حلول توافقية طويلة الأمد. ([xviii])كما أن تداخل الأمني بالأيديولوجي قد يُضعف قدرة المؤسسات المدنية على لعب دور فاعل في إدارة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية. ([xix])
كما أن طبيعة النظام السياسي المركزي تجعل من هذه التهديدات أكثر حساسية، نظرًا لارتباطها المباشر بشرعية الدولة واستقرار المجتمع.  كما أن هذه الخصوصية تجعل الأمن غير التقليدي في إيران أكثر تعقيدًا مقارنة بدول أخرى، إذ لا يرتبط فقط بإدارة الموارد أو السياسات الاقتصادية، بل يتصل أيضًا بطبيعة النظام السياسي ذاته وآليات إنتاج الشرعية.
والواقع أن الطابع الأيديولوجي للنظام السياسي الإيراني يُضفي خصوصية واضحة على معادلة الأمن غير التقليدي، التي تتحول فيها التحديات المناخية والاجتماعية والاقتصادية من مجرد أزمات تنموية إلى اختبارات مركبة للشرعية والاستقرار. ومن ثم، فإن فهم الأمن غير التقليدي في إيران يقتضي تحليلًا يأخذ في الاعتبار هذا التداخل بين الأيديولوجي والأمني، وهو ما سيتم تعميقه في الفصول التطبيقية اللاحقة.
ثانيا: الأمن غير التقليدي في السياق الإيراني:
من خلال تحليل التطور التاريخي للدراسات الأمنية يظهر بوضوح أن مفهوم الأمن غير التقليدي لم يعد خيارًا نظريًا، بل ضرورة عملية لفهم واقع الدول التي تواجه ضغوطًا متعددة الأبعاد. وفي السياق الإيراني، يتضح أن تهديدات مثل التغير المناخي، وتآكل الخدمات العامة، والاضطرابات الاجتماعية تتجاوز في خطورتها الكثير من التهديدات العسكرية المباشرة، لأنها تضرب البنية العميقة للمجتمع والدولة في آن واحد، فالتهديدات غير التقليدية أصبحت تمثل البنية الأساسية للأزمة الإيرانية، وأن تجاهلها أو التقليل من شأنها يقود إلى تفاقمها واستمرارها بصورة متصاعدة.
وتتميز إيران بخصوصية بنيوية تجعلها نموذجًا واضحًا لتجسيد مفهوم الأمن غير التقليدي، التي تتقاطع فيها التهديدات المناخية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية في إطار سياسي مركزي معقد؛ يُفضي إلى حالة من الهشاشة متعددة المستويات، حيث تتفاعل الأزمات الداخلية بصورة تراكمية، تُضعف قدرة الدولة على إدارة المخاطر، وتُعيد تعريف مصادر التهديد بصورة مستمرة. ومن ثم فإن تحليل الأمن غير التقليدي في إيران يُعد مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعة التحديات التي تهدد استقرارها الداخلي.
  • تعقيد البنية السياسية وتأثيره على الأمن غير التقليدي:
تقوم البنية السياسية في إيران على مركزية شديدة في اتخاذ القرار، تؤدي في كثير من الأحيان إلى بطء الاستجابة للأزمات غير التقليدية، أو التعامل معها بمنطق أمني أكثر منه تنموي. يشير مهران كامرافا إلى أن نمط الحوكمة في إيران يُفضّل معالجة التهديدات من منظور سياسي، أو أمني، حتى لو كانت ذات طبيعة بيئية، أو اقتصادية، مما يزيد من تداعياتها ويؤدي إلى تحويلها إلى أزمات اجتماعية. ([xx])
وهذا التعقيد البنيوي يجعل الدولة أقل قدرة على التكيّف مع التغييرات المتسارعة في البيئة الداخلية.
  • تفاعل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتأثيرها الأمني:
تشكل التحديات الاقتصادية، خاصة التضخم والبطالة، بؤرة أساسية لتهديد الأمن غير التقليدي. ويؤكد حسين زبيدي أن تراكم الضغوط الاقتصادية أدى إلى تآكل الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، حيث أصبحت الأزمات المعيشية أهم محرك للاحتجاجات الشعبية. ([xxi]) كما أن تصاعد الضغوط، تعمق الفجوة الاجتماعية، ويزداد التوتر بصورة تجعل الأمن الداخلي معرضًا لتقلبات سريعة وغير متوقعة.
  • هشاشة البنية التحتية كعامل مفاقم للتهديدات:
تعاني إيران من تدهور واضح في البنية التحتية الأساسية، خاصة في قطاعات الكهرباء والمياه والصرف والطرق. وقد أشار جيمس بايلي إلى أن أزمة البنية التحتية في إيران ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة عقود من ضعف الاستثمار والاعتماد على منشآت قديمة لا تتناسب مع الزيادة السكانية. ([xxii])
  • التأثير المتبادل بين الأزمات المناخية والأمن الإنساني:
تؤثر التغيرات المناخية بصورة مباشرة على الأمن الإنساني في إيران، وهو ما يظهر في أزمة المياه الممتدة ونقص الموارد الزراعية. وقد بين “فرهاد عاشوري” أن تراجع الموارد المائية في المحافظات الوسطى والجنوبية يؤدي إلى موجات نزوح داخلي، ويخلق احتكاكات اجتماعية بين المجتمعات المحلية. ([xxiii])
ويرفع هذا التأثير المتبادل بين المناخ والمجتمع من مستوى التهديد الأمني، ويحوّل الأزمة البيئية إلى أزمة اجتماعية وسياسية. وهنا يمكن القول إنه من خلال تحليل السياق الإيراني يتضح أن الأمن غير التقليدي لا يمثل مجرد إطار نظري، بل هو انعكاس مباشر لطبيعة الدولة والمجتمع. فالتداخل القوي بين البنية السياسية المركزية، والأزمات الاقتصادية العميقة، وتدهور البنية التحتية، والتأثيرات المناخية المتسارعة، يخلق بيئة مركّبة تجعل إيران أكثر عرضة للهشاشة.
ومن ثم فإننا نرى أن المهددات غير التقليدية في إيران تعمل كمنظومة مترابطة، بحيث يؤدي تفاقم أحدها إلى تسريع انهيار الأخرى، وهو ما يجعل التعامل معها يتطلب مقاربات استراتيجية شاملة لا تعتمد فقط على الإجراءات الأمنية أو السلطوية، بل على إصلاحات هيكلية طويلة الأمد. لذلك فإن مفهوم الأمن غير التقليدي لم يعد مجرد أداة نظرية لدراسة الأمن، بل أصبح ضرورة عملية لفهم طبيعة التهديدات المعقدة التي تواجه الدول، وخاصة إيران. فقد أظهر التحليل أن المهددات غير التقليدية في إيران تتسم بـ:
  • التشابك البنيوي: حيث ترتبط الأزمات المناخية بالاقتصادية والاجتماعية والبنية التحتية، لتشكل شبكة مترابطة من الضغوط المتراكمة.
  • الهشاشة المؤسسية: نتيجة المركزية في صنع القرار والتعامل الأمني مع الأزمات، مما يقلل من قدرة الدولة على الاستجابة الفعّالة للتهديدات.
  • التأثير المتعدد الأبعاد: فكل أزمة، سواء كانت بيئية أو اقتصادية أو اجتماعية، تؤثر على مستويات الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي في آن واحد.
ونرى أن الأمن غير التقليدي في إيران يمثل تحديًا مركبًا يتطلب مقاربات استراتيجية شاملة، تجمع بين الإجراءات الأمنية والإصلاحات الهيكلية والتنموية، للتعامل مع الأزمات بطريقة استباقية، قبل أن تتحول إلى أزمات عميقة تهدد استقرار الدولة والمجتمع.
ثالثا: التحديات البيئية والمناخية وأثرها على الأمن غير التقليدي في إيران:
تعتبر التحديات البيئية والمناخية في إيران من أبرز المحددات للأمن غير التقليدي، خاصة في ضوء تصاعد موجات الجفاف، تزايد التصحر، وانخفاض موارد المياه العذبة. هذه الظواهر البيئية تؤثر على القطاعات الاقتصادية الحيوية مثل الزراعة والطاقة، وتساهم في تفاقم الضغوط الاجتماعية والهجرة الداخلية. لذلك، أصبح فهم هذه التحديات وتحليل آثارها على الأمن غير التقليدي ضرورة استراتيجية، حيث ترتبط مباشرة بالاستقرار الداخلي وقدرة الدولة على إدارة الموارد بفعالية.
وتُعد إيران من أكثر الدول عرضة للتغيرات المناخية في الشرق الأوسط؛ نظرًا لتنوع تضاريسها واعتمادها على موارد مائية محدودة بشكل رئيسي على الأنهار والسدود. وتشهد إيران منذ عقدين تحديات مناخية متصاعدة، تتمثل في موجات جفاف مستمرة وانخفاض معدل هطول الأمطار وتدهور الأراضي الزراعية، مما أدى إلى زيادة الضغط على الموارد الطبيعية، خاصة المياه والأراضي الصالحة للزراعة. ولم تعد هذه الظواهر مجرد قضية بيئية، بل أصبحت أحد المحركات الرئيسية للأمن غير التقليدي، إذ تؤثر على الاستقرار الاجتماعي والنظام الاقتصادي المحلي، مما يجعل إدارتها أولوية وطنية للدولة الإيرانية.
  • التصحر:
يُعدّ التصحر من أخطر التهديدات غير التقليدية التي تواجه الأمن القومي الإيراني، نظرًا لارتباطه المباشر بالبيئة والموارد الطبيعية والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. فإيران تُصنَّف ضمن الدول ذات المناخ الجاف وشبه الجاف، حيث تشكّل المناطق القاحلة وشبه القاحلة النسبة الأكبر من مساحتها الجغرافية، ما يجعلها شديدة الهشاشة أمام ظواهر تدهور الأراضي، وانخفاض الغطاء النباتي، وزحف الرمال، وتملّح التربة. وتشير الدراسات إلى أن حوالي 40٪ من الأراضي الإيرانية تعاني من التصحر بدرجات متفاوتة، مع فقدان الخصوبة الزراعية وزيادة خطر الفيضانات الرملية والغبارية. ([xxiv])لذلك فالتصحر يُعد عامل تهديد مركب للأمن غير التقليدي لأنه يؤثر على الاقتصاد والغذاء والهجرة والاستقرار الاجتماعي في آن واحد.
  • التصحر وأزمة المياه: يؤدي التصحر إلى انخفاض قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه وزيادة التبخر، ما يفاقم ندرة المياه في المناطق المتأثرة. وقد أظهرت الدراسات أن المناطق الصحراوية والجافة في إيران فقدت أكثر من 15–20% من مخزون المياه الجوفية خلال العقدين الماضيين بسبب التدهور البيئي ([xxv])، مما يضع ضغوطًا إضافية على الأمن المائي والغذائي.
  • التصحر والأمن الغذائي: يرتبط التصحر مباشرة بتراجع الإنتاج الزراعي في إيران، إذ يؤدي إلى فقدان الأراضي الخصبة وزيادة تملح التربة، ما يحد من إنتاج المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والشعير. وقد أظهرت مؤشرات وزارة الزراعة الإيرانية انخفاض متوسط إنتاج القمح في المحافظات المتأثرة بالتصحر بنسبة 12–15% خلال السنوات الأخيرة ([xxvi])، ما يعزز الاعتماد على الواردات الغذائية ويهدد الأمن الغذائي.
  • التصحر والآثار الاجتماعية والأمنية: يسهم التصحر في زيادة التوتر الاجتماعي والاحتجاجات المحلية، خاصة في المناطق الريفية التي تعتمد على الزراعة والرعي. فقد أدى فقدان الأراضي الصالحة للزراعة والرعي إلى نزوح داخلي جزئي، وتزايد النزاعات على الموارد ([xxvii])، وهو ما يحول التصحر إلى عامل ضغط على الأمن الداخلي وإحدى أسباب الهشاشة الاجتماعية
  • استجابة الحكومة الإيرانية: اتخذت الحكومة الإيرانية عدة إجراءات للتقليل من سرعة التصحر مثل إعادة التشجير، وتحسين إدارة الأراضي، واستخدام أساليب الري الحديثة، ولكن استمرار الضغوط المناخية والجفاف وارتفاع درجات الحرارة يحد من فعالية هذه البرامج ([xxviii]) مما يجعل التصحر تهديدًا طويل الأمد غير التقليدي للأمن القومي.
ومما سبق، يتضح أن تفاقم ظاهرة التصحر في إيران يؤدي إلى تآكل القاعدة الزراعية، وانخفاض الإنتاج الغذائي، وهو ما ينعكس سلبًا على الأمن الغذائي، ويزيد من الاعتماد على الاستيراد في ظل ضغوط اقتصادية وعقوبات دولية مستمرة. كما يسهم التصحر في تعميق الفجوة التنموية بين الأقاليم، خاصة في محافظات سيستان وبلوشستان وكرمان وخراسان، الأمر الذي يُنتج أنماطًا من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية قد تتحول إلى بؤر توتر داخلي.
ومن زاوية أمنية أوسع، يرتبط التصحر بارتفاع معدلات الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن، نتيجة فقدان سبل العيش التقليدية، وهو ما يفرض أعباءً متزايدة  على البنية التحتية الحضرية، ويُفاقم مشكلات البطالة والسكن والخدمات، ويزيد من احتمالات الاحتجاجات الاجتماعية. كما أن تدهور البيئة في المناطق الحدودية يخلق فراغًا تنمويًا وأمنيًا، يمكن أن تستغله شبكات التهريب أو الجماعات غير النظامية، بما يهدد الاستقرار الداخلي للدولة.
جدول يوضح مؤشرات التصحر في المحافظات الإيرانية المتأثرة:
وتظهر المؤشرات العلمية ما يلي:
  • أن أعلى نسب التصحر تتركز في المحافظات الجافة والصحراوية (سيستان وبلوشستان وكرمان) ما يزيد الضغط على الموارد المائية ويقلل القدرة الزراعية.
  • انخفاض المخزون المائي الجوفي مرتبط مباشرة بتدهور الأراضي الزراعية، ما يؤثر على الأمن الغذائي المحلي والإقليمي.
  • الجهود الحكومية مثل إعادة التشجير، وحصاد مياه الأمطار، والري الحديث بدأت تظهر آثارًا إيجابية، لكنها لا تزال جزئية وغير متوازية على مستوى جميع المحافظات المتأثرة.
وبناء عليه، يمكن القول إن التصحر في إيران يشكل تهديدًا متصاعدًا للأمن غير التقليدي، خاصة عند تداخله مع ندرة المياه والأمن الغذائي. كما أن المؤشرات الرقمية تظهر تفاوتًا واضحًا بين المحافظات، ما يستلزم وضع سياسات متكاملة تراعي الظروف المحلية لكل محافظة، وتربط بين برامج مكافحة التصحر، إدارة الموارد المائية، وتحسين الإنتاج الزراعي. وبالتالي لا يمكن النظر إلى التصحر في الحالة الإيرانية باعتباره مجرد أزمة بيئية، بل يمثل تهديدًا غير تقليدي مركّبًا، تتداخل فيه الأبعاد البيئية مع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بما يجعل معالجته جزءًا لا يتجزأ من مقاربة شاملة للأمن القومي، تتجاوز الحلول التقنية إلى سياسات تنموية وإدارية طويلة المدى.
  • أزمة المياه:
تعاني إيران من أزمة مياه هيكلية تُصنَّف ضمن حالات الإجهاد المائي الحاد، نتيجة محدودية الموارد المائية المتجددة، وانخفاض معدلات الأمطار، وارتفاع معدلات التبخر، فضلًا عن الاعتماد المفرط على المياه الجوفية. ([i]) وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في اختلال التوازن المائي، بما جعل المياه موردًا نادرًا ذا أبعاد استراتيجية تتجاوز الاستخدامات التقليدية.
وقد تفاقمت أزمة المياه في إيران بفعل السياسات المائية غير المستدامة، وعلى رأسها التوسع المكثف في بناء السدود، والاستنزاف المفرط للمياه الجوفية، وتحويل مجاري الأنهار لأغراض زراعية وصناعية دون مراعاة التوازن البيئي. وأدى ذلك إلى جفاف عدد من البحيرات والأنهار الداخلية، مثل بحيرة أورميه، وتراجع منسوب المياه الجوفية في عدة أقاليم، ما أسهم في تدهور الأراضي الزراعية وانتشار ظواهر الهبوط الأرضي في بعض المناطق.
وتشير تقارير رسمية إلى انخفاض منسوب المياه في الأنهار والسدود الإيرانية بنسبة تتراوح بين 25–40٪ خلال العقد الماضي، ما أدى إلى توتر بين المحافظات حول تخصيص الموارد. ([ii]) وتتأثر المناطق الزراعية بشكل خاص، إذ تقلصت المساحات المزروعة بنسبة 18٪، ما انعكس على الإنتاج الغذائي المحلي. ([iii])
ونرى أن نقص المياه يمثل تهديدًا للأمن الاجتماعي الداخلي، خاصة أنه أدى إلى احتجاجات متفرقة في محافظات مثل خوزستان، ويختبر قدرة الدولة على الاحتواء وإدارة الموارد بفعالية.
  • تصاعد الإجهاد المائي: تشير المؤشرات المائية إلى دخول إيران مرحلة الإجهاد المائي الحاد، حيث انخفض نصيب الفرد من المياه المتجددة من أكثر من 7,000 متر مكعب سنويًا في ستينيات القرن الماضي إلى أقل من 1,000 متر مكعب سنويًا في السنوات الأخيرة، وهو الحد الذي تصنّفه المؤسسات الدولية كمرحلة ندرة مائية خطرة. ([iv]) ويعكس هذا التراجع اتجاهًا تصاعديًا في الضغط على الموارد المائية، مدفوعًا بالنمو السكاني، والتوسع العمراني، وسوء الإدارة المائية.
  • الارتفاع الحاد في استنزاف المياه الجوفية: تُظهر البيانات ارتفاعًا مستمرًا في معدلات استنزاف المياه الجوفية في إيران، حيث يتم استخراج كميات تفوق معدلات التغذية الطبيعية للأحواض المائية. ([v]) وقد أدى ذلك إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية في معظم الأقاليم، وظهور ظاهرة الهبوط الأرضي في مدن كبرى مثل طهران وأصفهان، بما يُعد مؤشرًا بيئيًا وأمنيًا خطيرًا يصعب عكسه على المدى المتوسط.
  • تراجع المسطحات المائية وارتفاع الجفاف: تشير المؤشرات البيئية إلى تراجع ملحوظ في المسطحات المائية الداخلية، وعلى رأسها بحيرة أورميه، التي فقدت أكثر من 70% من مساحتها خلال العقود الأخيرة. ([vi]) كما ارتفعت موجات الجفاف وشدتها، ما انعكس على الإنتاج الزراعي، وزاد من معدلات تدهور الأراضي، وأعاد إنتاج حلقة مفرغة بين الجفاف، والتصحر، وندرة المياه.
  • السياسات المائية غير المستدامة: فاقمت السياسات المائية غير المستدامة من حدة الأزمة، خاصة التوسع في بناء السدود، وتحويل مجاري الأنهار، والاستخدام غير الرشيد للمياه في القطاع الزراعي الذي يستهلك النسبة الأكبر من الموارد المائية. ([vii]) وأدى ذلك إلى جفاف عدد من الأنهار والبحيرات الداخلية، مثل بحيرة أورميه، وتراجع منسوب المياه الجوفية، ما تسبب في ظواهر بيئية خطيرة كالهُبوط الأرضي وتملّح التربة.
  • الاتجاه التصاعدي للأزمة في ظل التغير المناخي: تشير التقديرات المناخية إلى اتجاه تصاعدي في تفاقم أزمة المياه، مع توقع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات الأمطار خلال العقود المقبلة. ([viii]) ويعني ذلك زيادة معدلات التبخر، وتقلص الموارد المائية المتاحة، بما يُنذر بتحول أزمة المياه من تحدٍّ قابل للإدارة إلى أزمة أمنية هيكلية طويلة الأمد.
  • الأبعاد الاجتماعية والاحتجاجات المرتبطة بالمياه: تحولت أزمة المياه في إيران من تحدٍّ بيئي إلى قضية اجتماعية وأمنية، وتُظهر المؤشرات الاجتماعية والأمنية ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الاحتجاجات المرتبطة بنقص المياه خلال العقد الأخير، خاصة في محافظات خوزستان وأصفهان ([ix])، وقد تحولت المطالب المعيشية المرتبطة بالمياه إلى حراك اجتماعي واسع، وأسهمت هذه الاحتجاجات في تعرية الفجوة بين السياسات الحكومية واحتياجات المجتمعات المحلية، بما يعكس انتقال أزمة المياه من مستوى بيئي–خدمي إلى مهدد مباشر للاستقرار الداخلي.
  • أزمة المياه والأبعاد الإقليمية: تتجاوز أزمة المياه في إيران حدودها الوطنية، إذ ترتبط بعدد من الأنهار المشتركة مع دول الجوار، مثل نهر هلمند مع أفغانستان، ودجلة مع العراق. ([x]) وقد أسهمت السياسات المائية الإيرانية في تعقيد العلاقات مع هذه الدول، وخلقت بؤر توتر إقليمي مرتبطة بتقاسم الموارد المائية، بما يضيف بعدًا أمنيًا خارجيًا للأزمة.
وعليه، تُعد أزمة المياه في إيران تهديدًا غير تقليديًا مركّبًا، يتجاوز كونه تحديًا بيئيًا أو اقتصاديًا، ليطال ركائز الاستقرار المجتمعي والسياسي، ويكشف عن محدودية المقاربات الأمنية التقليدية في التعامل مع المخاطر البيئية المعاصرة. ولهذا فإننا نرى أن خطورة أزمة المياه في إيران لا تكمن فقط في مستوى الندرة الحالي، بل في الاتجاه التصاعدي للمؤشرات السلبية. ولذلك فإن أزمة المياه في إيران تمثل أحد أخطر مصادر عدم الاستقرار طويل المدى، لأنها تمسّ موردًا حيويًا لا يمكن تعويضه أو تأجيل التعامل معه، كما أن فشل الإدارة المائية يُحوّل الندرة الطبيعية إلى أزمة سياسية وأمنية، خاصة في الأقاليم الطرفية والمناطق ذات التنوع العرقي، بما يعزز احتمالات الاحتجاج والاضطراب الداخلي في المستقبل.
  • التغير المناخي:
يشير التغير المناخي إلى ارتفاع درجات الحرارة وتزايد تواتر الجفاف والتقلبات في أنماط الأمطار، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على الموارد الطبيعية والقطاعات الحيوية. وتُعد إيران من الدول شديدة التأثر، حيث تُشير الدراسات إلى زيادة متوسط درجة الحرارة بمعدل 1.5–2 درجة مئوية خلال العقود الثلاثة الماضية، مع انخفاض هطول الأمطار بنسبة 10–15% في بعض المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية. ([xi])
  • أثر التغير المناخي على المياه: تؤدي الزيادة في درجات الحرارة وتقلبات المطر إلى تفاقم ندرة المياه، وانخفاض المخزون الجوفي وارتفاع معدلات تبخر مياه السدود والأنهار. وقد أظهرت البيانات تراجع مستوى بعض الأحواض الجوفية بنسبة 15–20% خلال العقد الأخير، كما انخفض متوسط تدفق الأنهار بنسبة 10% ([xii]) مما يضع ضغوطًا مباشرة على الأمن المائي والغذائي.
  • أثر التغير المناخي على الزراعة والأمن الغذائي: التغير المناخي يزيد من فقدان الأراضي الزراعية الخصبة وتملح التربة وتراجع إنتاج المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والشعير. وقد أظهرت إحصائيات وزارة الزراعة الإيرانية انخفاض إنتاجية القمح بنسبة 12–14% في المناطق الأكثر تأثرًا بالجفاف خلال السنوات الخمس الماضية ([xiii]) مما يزيد الاعتماد على الاستيراد ويهدد الأمن الغذائي.
  • أثر التغير المناخي على التصحر وتدهور البيئة الطبيعية: يشكل التغير المناخي عاملًا مضاعفًا للتصحر، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة وقلة الأمطار إلى زيادة زحف الرمال وتدهور الغطاء النباتي. وقد أظهرت الدراسات انخفاض معدل تغطية الأراضي بالأشجار والشجيرات المقاومة للجفاف بنسبة 5–7% سنويًا في المحافظات الصحراوية ([xiv]) مما يضاعف الضغط على الموارد المائية ويقلل القدرة على الزراعة المستدامة.
  • الأبعاد الاجتماعية والأمنية للتغير المناخي: يتسبب التغير المناخي في تفاقم النزاعات على الموارد، ونزوح سكان الريف وارتفاع الضغوط الاجتماعية، مما يجعله تهديدًا غير تقليدي للأمن الداخلي. وتشير الدراسات إلى أن النزوح الداخلي المرتبط بالجفاف وصل إلى نحو 200,000 شخص خلال العقد الأخير ([xv]) مع زيادة الاحتجاجات على المياه والغذاء في المحافظات المتأثرة.
  • الاتجاهات المستقبلية والمؤشرات التصاعدية: تشير التقديرات المستقبلية إلى تصاعد تأثير التغير المناخي على إيران حتى 2050، مع توقعات بزيادة درجات الحرارة بمعدل 2–3 درجات مئوية إضافية، ونقص محتمل في هطول الأمطار بنسبة 15–20% في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية. ([xvi]) هذا الاتجاه يعزز من هشاشة الأمن المائي والغذائي ويضاعف المخاطر الاجتماعية والسياسية المرتبطة بالموارد الطبيعية.
جدول يوضح مؤشرات التغير المناخي في المحافظات الإيرانية المتأثرة:
تحليل المؤشرات:
  • ارتفاع درجات الحرارة مع انخفاض هطول الأمطار أدى إلى تفاقم ندرة المياه والجفاف في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية.
  • انخفاض المخزون المائي الجوفي مرتبط بشكل مباشر بتدهور الأراضي الزراعية وزيادة الضغط على الأمن الغذائي.
  • تراجع الإنتاج الزراعي في القمح والشعير يعكس هشاشة الأمن الغذائي المحلي ويزيد الاعتماد على الاستيراد.
  • تعطي الجهود الحكومية لتقليل تأثير التغير المناخي نتائج جزئية، ولكنها غير متوازنة بين المحافظات المختلفة، مما يستلزم استراتيجيات مستدامة شاملة ومتنوعة حسب المنطقة.
وهكذا يمثل التغير المناخي تهديدًا متصاعدًا للأمن غير التقليدي في إيران، حيث تتداخل أبعاده مع التصحر، ندرة المياه، والأمن الغذائي. خاصة أن مؤشرات الأداء الحالية تُظهر فعالية جزئية للسياسات الحكومية، لكنها تحتاج إلى تكامل أكبر بين إدارة الموارد، الزراعة الذكية، وحلول التكيف المناخي.
رابعاً: الأمن الغذائي كأحد مهددات الأمن غير التقليدي في إيران:
يُعدّ الأمن الغذائي أحد المكونات الجوهرية للأمن غير التقليدي، لما يرتبط به من قدرة الدولة على توفير الغذاء الكافي والمستدام للسكان. وتعاني إيران من هشاشة متزايدة في منظومة الأمن الغذائي، نتيجة محدودية الموارد الطبيعية، وارتفاع الاعتماد على الاستيراد، وتزايد الضغوط الاقتصادية ([i])، مما يجعل الغذاء عنصرًا حساسًا في معادلة الاستقرار الداخلي.
  • تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع الاعتماد على الاستيراد:
تشير المؤشرات الزراعية إلى تراجع القدرة الإنتاجية للقطاع الزراعي الإيراني، نتيجة ندرة المياه، والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة، حيث باتت إيران تعتمد بشكل متزايد على استيراد السلع الغذائية الأساسية، وعلى رأسها القمح والزيوت والحبوب. ([ii]) ويُعد هذا الاعتماد المتنامي مؤشرًا هيكليًا على هشاشة الأمن الغذائي، خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية وتقلبات الأسواق العالمية.
  • ارتفاع أسعار الغذاء والتضخم الغذائي:
شهدت إيران ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات التضخم الغذائي خلال السنوات الأخيرة، حيث تجاوزت أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية معدلات التضخم العام. ([iii]) وأسهم هذا الارتفاع في تآكل القدرة الشرائية للأسر، خاصة الفئات محدودة الدخل، ما جعل الأمن الغذائي قضية معيشية ضاغطة، قابلة للتحول إلى مصدر توتر اجتماعي واسع النطاق.
  • الأمن الغذائي والاحتجاجات الاجتماعية:
أدى تراجع الأمن الغذائي وارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى تصاعد الاحتجاجات المرتبطة بتكاليف المعيشة، حيث شكّلت المطالب الغذائية جزءًا أساسيًا من الحراك الاجتماعي في عدة مدن إيرانية. ([iv]) ويعكس هذا الارتباط انتقال الغذاء من كونه قضية اقتصادية إلى مهدد غير تقليدي للاستقرار الداخلي، خاصة عند اقترانه بأزمات المياه والبطالة.
  • الاتجاه التصاعدي لتهديد الأمن الغذائي:
تشير التقديرات المستقبلية إلى اتجاه تصاعدي في تهديد الأمن الغذائي الإيراني، بفعل تداخل التغير المناخي مع أزمة المياه والتصحر، إلى جانب استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات. ([v]) ويُرجّح أن يؤدي هذا المسار إلى زيادة فجوة الغذاء، وارتفاع مخاطر سوء التغذية، ما يعزز من الطابع الأمني للغذاء بوصفه عنصرًا استراتيجيًا في معادلة الأمن القومي.
وهكذا، فإن الأمن الغذائي في إيران لم يعد مجرد مسألة إنتاج واستهلاك، بل تحوّل إلى مهدد غير تقليدي، تتقاطع فيه الأزمات البيئية مع الضغوط الاقتصادية، بما يجعل الغذاء أحد أبرز محفزات عدم الاستقرار في المدى المتوسط والطويل، خاصة في ظل تصاعد مؤشرات الندرة وارتفاع الأسعار.
خامساً: الأمن الصحي كأحد مهددات الأمن غير التقليدي في إيران:
‎يُعدّ الأمن الصحي أحد المكونات الأساسية للأمن غير التقليدي، نظرًا لارتباطه المباشر بحماية رأس المال البشري واستمرارية عمل الدولة. وتواجه إيران تحديات متزايدة في مجال الأمن الصحي نتيجة تداخل الضغوط الاقتصادية، والعقوبات، وضعف التمويل الصحي، إلى جانب الأعباء الوبائية والبيئية ([vi])، ما جعل النظام الصحي عرضة للاهتزاز في أوقات الأزمات.
  • الضغوط الاقتصادية والعقوبات وتأثيرها على القطاع الصحي:
‎أسهمت العقوبات الاقتصادية في تقييد قدرة إيران على استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية والتقنيات الصحية المتقدمة، رغم الاستثناءات الإنسانية الرسمية. وقد انعكس ذلك في نقص بعض الأدوية الحيوية، وارتفاع تكاليف العلاج، وتراجع جودة الخدمات الصحية ([vii])، ما زاد من هشاشة الأمن الصحي، خاصة للفئات محدودة الدخل.
  • جائحة كوفيد-19 كمؤشر على الهشاشة الصحية:
‎كشفت جائحة كوفيد-19 عن قصور بنيوي في الأمن الصحي الإيراني، حيث واجه النظام الصحي ضغوطًا غير مسبوقة، تمثلت في ارتفاع معدلات الإصابة والوفيات، ونقص التجهيزات الطبية، والضغط على الكوادر الصحية. ([viii]) على نحو مثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على إدارة الأزمات الصحية بوصفها تهديد غير تقليدي له أبعاد أمنية.
  • الأمن الصحي والتفاوت الاجتماعي:
‎تعكس المؤشرات وجود تفاوتات واضحة في الحصول على الخدمات الصحية بين الأقاليم الحضرية والمناطق الطرفية والريفية. ([ix]) ويُسهم ذلك في تآكل الثقة بين المجتمع والدولة، مما يمنح للأزمات الصحية بعدًا اجتماعيًا–أمنيًا قابلًا للتحول إلى مصدر توتر داخلي.
  • الاتجاه التصاعدي لتهديد الأمن الصحي:
‎تشير الاتجاهات المستقبلية إلى تصاعد تهديد الأمن الصحي في إيران، في ظل التغير المناخي، وتلوث الهواء والمياه، وزيادة الأمراض المزمنة والمعدية، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية. ([x]) ويُرجّح أن يؤدي هذا المسار إلى تكرار الأزمات الصحية، بما يعزز من الطابع الأمني للصحة كأحد ركائز الأمن القومي الشامل.
‎إن الأمن الصحي في إيران يمثل مهددًا غير تقليدي متصاعد الخطورة، إذ تتقاطع فيه الأبعاد الصحية مع الاقتصادية والبيئية، بما يجعل أي أزمة صحية واسعة النطاق قادرة على إرباك الاستقرار الداخلي، وإضعاف قدرة الدولة على الاستجابة للأزمات، خاصة في ظل الاتجاه التصاعدي للمخاطر الصحية.
سادسا: الاستجابة الإيرانية لمواجهة التحديات غير التقليدية
تحليل SWOT للتهديدات غير التقليدية للأمن القومي الإيراني:
1- عناصر القوة (Strengths):
أ- قاعدة مؤسسية وخبرة إدارية في إدارة الأزمات: تمتلك إيران خبرة تراكمية في التعامل مع الأزمات غير التقليدية، خاصة الصحية والاقتصادية، نتيجة تعرضها المتكرر لأزمات مركبة. وقد انعكس ذلك في بناء هياكل مؤسسية متخصصة في إدارة الكوارث والطوارئ، بما يوفر قدرة نسبية على الاستجابة السريعة للأزمات.
ب- الاكتفاء النسبي في بعض القطاعات الحيوية: رغم التحديات، استطاعت إيران تحقيق درجات من الاكتفاء الذاتي في بعض المجالات، مثل الصناعات الدوائية الأساسية، وبعض المحاصيل الاستراتيجية، وهو ما يحدّ جزئيًا من آثار الأزمات الخارجية على الأمن الصحي والغذائي.
2- عناصر الضعف (Weaknesses):
أ- سوء إدارة الموارد الطبيعية: تعاني إيران من اختلالات هيكلية في إدارة المياه والأراضي الزراعية، ما فاقم أزمات ندرة المياه والتصحر، وحوّل التحديات البيئية إلى تهديدات أمنية مباشرة.
ب- هشاشة البنية الاقتصادية والاجتماعية: تُسهم الضغوط الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة، في تقليص قدرة الدولة على امتصاص الصدمات غير التقليدية، كما تزيد من قابلية المجتمع للاحتجاج وعدم الاستقرار عند تفاقم الأزمات البيئية أو الصحية.
3- الفرص (Opportunities):
أ- التحول نحو سياسات التنمية المستدامة: تتيح التهديدات غير التقليدية لإيران فرصة لإعادة صياغة سياساتها التنموية، من خلال الاستثمار في إدارة المياه، والطاقة المتجددة، والزراعة الذكية مناخيًا، بما يخفف من حدة المخاطر طويلة المدى.
ب- توسيع التعاون الإقليمي والدولي: يمكن لإيران توظيف القضايا البيئية والصحية كمدخل للتعاون مع دول الجوار والمنظمات الدولية، خاصة في مجال المياه العابرة للحدود ومكافحة التصحر والأوبئة.
4- التهديدات (Threats):
أ- تصاعد التغير المناخي والأزمات البيئية: يمثل التغير المناخي عاملًا مضاعفًا للتهديدات غير التقليدية، إذ يُفاقم أزمات المياه والتصحر، ويُقوّض الأمن الغذائي، بما يهدد الاستقرار الداخلي على المدى الطويل.
ب- تحول الأزمات المعيشية إلى اضطرابات أمنية: يُرجّح أن يؤدي استمرار الضغوط البيئية والاقتصادية إلى تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية المرتبطة بالمياه والغذاء والصحة، ما يحوّل التهديدات غير التقليدية إلى مصادر مباشرة لعدم الاستقرار السياسي والأمني.
قراءة تحليلية (ربط SWOT بالواقع الإيراني)
يُظهر تحليل SWOT أن التهديدات غير التقليدية في إيران تتسم بطابع هيكلي طويل الأمد، حيث تتفوق عناصر الضعف والتهديد على عناصر القوة والفرص. ومع ذلك، فإن توظيف الفرص المتاحة (خاصة في مجال التعاون الإقليمي والتنمية المستدامة) قد يساهم في تحويل بعض التهديدات إلى أدوات احتواء، شريطة وجود إرادة سياسية وإصلاحات مؤسسية عميقة.
ويرى الباحث أن تجاهل التهديدات غير التقليدية في الحسابات الأمنية الإيرانية سيؤدي إلى تآكل تدريجي لقدرة الدولة على التحكم في الاستقرار الداخلي، بينما يمثل إدماجها ضمن التخطيط الاستراتيجي فرصة لإعادة بناء مفهوم الأمن القومي على أسس شاملة تتجاوز المقاربات العسكرية التقليدية.
سابعا: السياسات الإيرانية في التعامل مع التهديدات غير التقليدية وربطها بتحليل SWOT:
يعكس تحليل SWOT للتهديدات غير التقليدية في إيران نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات التي تواجهها الدولة، وهو ما يتيح فهم مدى فعالية السياسات الإيرانية في مواجهتها، وتحديد الفجوات التي يجب معالجتها لضمان الأمن القومي الشامل.
1- استغلال نقاط القوة في السياسات:
  • الخبرة المؤسسية في إدارة الأزمات: استخدم النظام الإيراني هياكله المؤسسية لإدارة الأزمات البيئية والصحية، مثل تشكيل اللجان الوطنية لمكافحة التصحر وإدارة الموارد المائية، وكذلك المركز الوطني للطوارئ الصحية خلال جائحة كوفيد-19، ما ساهم في تقليل أثر الصدمات على القطاعات الحيوية. ([xi])
  • الاكتفاء النسبي في بعض القطاعات الحيوية: مثل الصناعة الدوائية والمنتجات الزراعية الأساسية، سمح بإطلاق برامج تأمين المواد الغذائية والأدوية الأساسية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد خلال فترات الأزمات. ([xii])
2- معالجة عناصر الضعف عبر السياسات:
  • سوء إدارة الموارد الطبيعية: أجرت إيران إصلاحات محدودة مثل برامج ترشيد المياه في الزراعة، وإعادة تأهيل الأحواض المائية، لكنها لا تزال غير كافية لاحتواء التصحر وندرة المياه. ([xiii])
  • الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية: اعتمدت الحكومة على برامج الدعم الاجتماعي المستهدف لبعض الفئات المتضررة من ارتفاع الأسعار والأزمات الغذائية، لكنها تواجه صعوبة في الوصول إلى كل المحافظات الطرفية بشكل فعال. ([xiv])
3- توظيف الفرص ضمن السياسات:
  • التنمية المستدامة: أطلقت إيران بعض المبادرات الزراعة الذكية مناخيًا ومشروعات الطاقة المتجددة لتخفيف الضغط على الموارد الطبيعية، مستغلة الفرص التي حددها تحليل SWOT في جانب الفرص. ([xv])
  • التعاون الإقليمي والدولي: سعت إيران إلى التعاون المائي مع أفغانستان والعراق في إطار الاتفاقيات الخاصة بالأنهار العابرة للحدود، رغم القيود الإقليمية والسياسية. ([xvi])
4- مواجهة التهديدات عبر السياسات:
  • التغير المناخي والأزمات البيئية: وضعت إيران برامج مكافحة التصحر وحصاد المياه، لكنها تواجه تحديات تنفيذية بسبب محدودية التمويل والقدرات التقنية. ([xvii])
  • الأزمات المعيشية والاحتجاجات: حاولت الحكومة احتواء الاحتجاجات الاجتماعية عبر برامج الدعم الغذائي والصحي، لكنها غالبًا ما تكون حلولًا مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة البنيوية. ([xviii])
التحليل الاستراتيجي: ربط SWOT بالسياسات الإيرانية يظهر أن الدولة تعتمد على مقاربات تقليدية ومؤسسية لإدارة التهديدات غير التقليدية، مع بعض التجارب في التنمية المستدامة والتعاون الإقليمي. ومع ذلك، فإن العناصر الهيكلية الضعيفة (إدارة الموارد، هشاشة الاقتصاد، ضعف التخطيط البيئي) لا تزال تمثل فجوات استراتيجية تجعل بعض التهديدات مستمرة ومتفاقمة على المدى الطويل.
ويرى الباحث أن فعالية السياسات الإيرانية في مواجهة التهديدات غير التقليدية تعتمد على قدرة الدولة على ربط الإدارة المؤسسية بالإصلاحات الهيكلية والتنمية المستدامة. فإذا تم استثمار الفرص الاستراتيجية بشكل متكامل، يمكن تقليل حدة المخاطر، بينما استمرار الاعتماد على حلول مؤقتة سيؤدي إلى تكرار الأزمات وزيادة الهشاشة الداخلية.
ثامنا: الخاتمة التحليلية الشاملة للتهديدات غير التقليدية والسياسات الإيرانية:
تشير نتائج التحليل إلى أن إيران تواجه مجموعة متشابكة من التهديدات غير التقليدية التي تتجاوز نطاق المخاطر العسكرية التقليدية، وتشمل أزمات بيئية ومائية وغذائية وصحية، جميعها مترابطة بشكل يعزز من تعقيد إدارة الأمن القومي. فقد أظهرت الدراسة أن:
1- التغير المناخي والتصحر يشكلان قاعدة بيئية تُضاعف الضغوط على الموارد الطبيعية، خاصة المياه والأراضي الزراعية، ما يفاقم أزمات الأمن الغذائي والصحي، ويضع ضغوطًا كبيرة على الاستقرار الاجتماعي في الأقاليم الطرفية.
2- أزمة المياه تعدّ من أبرز التحديات البنيوية، حيث تشير المؤشرات إلى انخفاض نصيب الفرد من الموارد المائية المتجددة إلى مستويات حرجة (<1000 م³/سنة)، مع استنزاف متصاعد للموارد الجوفية، وارتفاع التبخر، وما يترتب على ذلك من توترات داخلية واحتجاجات متكررة.
3- الأمن الغذائي هش نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع الاعتماد على الواردات، إلى جانب تضخم أسعار الغذاء، مما يجعل الغذاء أحد المحركات الرئيسية للتوتر الاجتماعي.
4- الأمن الصحي يواجه ضغوطًا متزايدة نتيجة العقوبات الاقتصادية، وقيود التمويل، وتفاقم الأوبئة، ما يجعل أي أزمة صحية واسعة النطاق قادرة على تحويل الموارد الصحية إلى مصدر ضغط على الاستقرار الداخلي.
ومن منظور تحليل SWOT والسياسات الإيرانية، يمكن ملاحظة أن إيران تمكنت من:
1- استغلال نقاط القوة عبر وجود خبرة مؤسسية وإمكانات نسبية في بعض القطاعات الحيوية، ما ساعد على إدارة الأزمات الجزئية بفاعلية محدودة.
2- توظيف الفرص في التنمية المستدامة والتعاون الإقليمي، خاصة في مجالات الزراعة الذكية، الطاقة المتجددة، وإدارة الموارد المائية العابرة للحدود.
– ومع ذلك، الضعف البنيوي في إدارة الموارد الطبيعية والهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تصاعد التهديدات البيئية والمناخية، يحد من فعالية السياسات ويترك فجوات استراتيجية يمكن أن تؤدي إلى أزمات مركبة.
القراءة الاستراتيجية: تخلص الدراسة إلى أن التعامل الفعّال مع التهديدات غير التقليدية يتطلب من إيران الانتقال من المقاربات المؤقتة والمعالجات الجزئية إلى إصلاحات هيكلية شاملة تشمل:
– تحسين إدارة الموارد الطبيعية، خصوصًا المياه والأراضي الزراعية.
– توسيع برامج التنمية المستدامة والزراعة الذكية مناخيًا.
– تعزيز القدرات المؤسسية لمواجهة الأزمات الصحية والغذائية على المستوى الوطني والإقليمي.
– ربط السياسات الاقتصادية والاجتماعية بالأمن البيئي والصحي لضمان استدامة الاستقرار الداخلي.
ويرى الباحث أن تهديدات الأمن غير التقليدي في إيران تتسم بالاستمرارية والتصاعد، ما يجعل تجاهلها خطرًا على المدى المتوسط والطويل. وإن نجاح السياسات الإيرانية يعتمد على قدرتها على دمج الموارد المؤسسية، التنمية المستدامة، والتعاون الإقليمي، بحيث تتحول التهديدات الحالية إلى محفزات لإعادة بناء مفهوم الأمن القومي بطريقة شاملة ومستدامة.

المراجع والمصادر بملف PDF

اترك تعليقا