5 الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي على إيران
الكاتب:
الموقف الإيراني: عكست التصريحات الإيرانية ازدواجية واضحة في الخطاب. فمن ناحية، صرح القائد العام للجيش اللواء «أمير حاتمي» يوم 10 فبراير، بأن «ميدان الدفاع وميدان الدبلوماسية يشكلان اليوم ساحة واحدة» في مقاربة استراتيجية جسدت رؤية إيران الدفاعية؛ لإبداء القوة، بالتوازي مع تحذيراتها المتكررة بشأن خطوطها الحمراء، أكد عليها «علي شمخاني» أمين مجلس الدفاع، يوم 13 فبراير بقوله: إن «منظوماتنا الصاروخية هي ضمن خطوطنا الحمراء وغير قابلة للتفاوض»
وفي ذات الوقت، حرصت إيران على إبداء مرونة تكتيكية، وسط تحركات وساطة عمانية وقطرية مكثفة؛ لنزع فتيل الأزمة، تمثلت في زيارة «علي لاريجاني» لمسقط ثم الدوحة يومي 10-11 فبراير. وصفتها مراكز الفكر الإيرانية، بأنها تأتي ضمن مساعي كسب الوقت واختبار النوايا الأمريكية، مع الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة، والتمسك برفض مناقشة برنامجها الصاروخي. وهو ما يتسق؛ وفق هذه المراكز مع مبدأ «المقاومة النشطة» الذي تبنته طهران بعد حرب الـ12 يوماً في يونيو 2025م، خاصة أن الصواريخ الباليستية باتت هي الرادع هي الوحيد الفعال لديها، أمام التفوق الجوي الأمريكي والإسرائيلي.
الموقف الأمريكي والإسرائيلي: وصفت مراكز الفكر ووكالات الأنباء الإيرانية الخطاب الأمريكي بـ «ساعة الصفر النفسية» فقد كانت تصريحات الرئيس «ترامب» المتتالية حاسمة ومركبة. خاصة التي قال فيها: «الإيرانيون يرغبون بشدة في التوصل إلى اتفاق» ثم أعقبها مباشرة بقوله: «ندرس إرسال حاملة طائرات أخرى وقوات إضافية». والتي فسرتها بعض مراكز الدراسات الأمريكية، بأنها تأتي ضمن نظرية «الردع المعزز» (Enhanced Deterrence) التي تعبر عن مضاعفة استخدام الأدوات العسكرية في فرض شروط سياسية، أو الدخول في حرب.
كما كان واضحًا لطهران أن القرار النهائي بإرسال حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد» جاء مباشرة بعد اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» مع الرئيس ترامب، مما يدل على إلى أن كان حاسمًاً في تحول الإدارة الأميركية نحو الحرب. خاصة أنها كانت تستعد لخياري إما الاتفاق، أو توجيه ضربة استباقية لإيران. وقد تأكد لطهران أيضا أن التخطيط لليوم الأول للحرب قد اكتمل منذ اللحظة الأولى لهبوط طائرات (F-15E) الهجومية وقاذفات (B-2) بالقواعد الأمريكية بالمنطقة.
وكم كان استقراء المراقبين الإيرانيين دقيقًا لهذا اللقاء، وأدركوا أن «نتنياهو» أقنع «ترامب» بأن أي اتفاق نووي مؤقت مع إيران يعد بمثابة الخطر الوجودي لإسرائيل. في إعادة تعريف لها كتهديد استثنائي للكيان الإسرائيلي وللمصالح الأمريكية بالمنطقة. خاصة أنه قدم معلومات وأدلة استخباراتية عن مراوغة إيران، ونسق أيضًا مع المفاوضين «ستيف ويتكوف» (Steven Witkoff) و«جاريد كوشنير» (Jared Kushner) حتى يتمسكا خلال المفاوضات بربط أي اتفاق مُزمع بشأن برنامج إيران النووي بإنهاء برنامجها الصاروخي بهدف تضييق هامش المناورة الاستراتيجية أمامها، ودفع طهران للانتقال من منطق الصمود إلى منطق إدارة المخاطر. وإلا ستضطر إسرائيل لتوجيه ضربة استباقية منفردة لإيران.
الموقف الروسي والصيني: ظل الموقف الروسي مراقبًا للتطورات سواء على مستوى التفاوض أو الحشود الأمريكية، استعدادًا لتدفق الإيرادات الطاقة الروسية من جراء الارتفاع المرتقب لأسعار النفط، فور اندلاع الحرب. وسبق أن أجرت مناورات بحرية مشتركة مع إيران والصين في مضيق هرمز، قبل أسابيع، في رسالة ضمنية مفادها أن موسكو لن تتخلى عن طهران، لكنها في نفس الوقت لن تقدم ضمانات أمنية مطلقة لها.
كذلك الأمر، كان الموقف الصيني حذراً؛ في ضوء حساباتها التي كانت تشير إلى القلق البالغ من نشوب حرب، قد تتسع رقعتها لتشمل دول الخليج؛ حيث استثماراتها الضخمة. ومن ثم سعت للتهدئة في صمت؛ ويبدو أن استقبال السفير السعودي لمسئولين إيرانيين، يوم 10فبراير، كان بوساطة صينية، أتت ضمن مساعيها لتثبيت المصالحة السعودية الإيرانية، في مارس 2023م، بدليل بعض الدراسات الإيرانية ألمحت إلى أن بكين مارست ضغوطاً خلف الكواليس على طهران كي تقديم تنازلات، على اعتبار أن اندلاع الحرب سوف يضر بمبادرة الحزام والطريق ويعطل تدفق النفط إليها.
وهكذا، تجمد الموقف بين إيران والولايات المتحدة، قبل ساعة الصفر، على النحو التالي:
تبنت إيران التفاوض ولكن مع استعراض قدرتها على الردع؛ لطمأنه الداخل بأن التفاوض لا يعني التنازل، وأن التهديد الأمريكي لن ينجح حيث فشلت العقوبات. بهدف منح الوفد الإيراني قوة تفاوضية ويعزز موقفه. خاصة أنها أرسلت رسالة واضحة لأمريكا وإسرائيل، مفادها أن البحر الأحمر ورقة لا تزال في يدها وجاهزة لتفعيلها؛ إذا تعرضت لضربة عسكرية؛ وأنها قادرة على وتهديد الملاحة الدولية على نحو يسبب أزمة عالمية. بمعنى أنه إذا كان برنامجها النووي أصبح أداة تفاوض لا غاية نهائية، فإن البحر الأحمر دخل في معادلة الردع.
برزت إسرائيل بوصفها طرفًا يحاول إعادة تعريف الإقليم، وفقا لمصالحه، مستفيدة من نجاحها في إزاحة العمق الاستراتيجي الإيراني من غرب آسيا، خلال الجولة الأولى من الحرب، وحاولت إخراج المفاوضات من إطارها النووي الضيق إلى إطار أوسع، بهدف عرقلة أي اتفاق أو تحويله إلى اتفاق فارغ لا يلبي الحد الأدنى من المطالب الإيرانية. على الرغم من أن ترامب كان يستمع لنتنياهو ولكنه كان لا يزال مبقيًا على خيار الاتفاق، وفق الشروط الأمريكية.
بدأت الخلافات بين إيران والولايات المتحدة تتزايد؛ حتى انتقلت من مرحلة التهديد إلى مرحلة الحرب النفسية واستعراض للقوة، في وقت كانت فيه إسرائيل تسعى لإشعال الحرب.
رأت بعض التقديرات الإيرانية أن انقسام الموقف الدولي يخدم استراتيجية إيران جزئيًا، بدليل أنه في الوقت الذي تضغط فيه إسرائيل للتصعيد، ظهر موقف سعودي وعراق يسعى لاحتوائه، على نحو قد يقلل من فرص تشكل جبهة دولية موحدة ضد إيران.
أظهرت تقديرات مراكز الفكر الإيرانية أن موقف إيران الثابت أثناء المفاوضات سوف يؤدي إلى تعزز شرعية النظام الداخلية ويزيد من الالتفاف الشعبي حوله في هذه المرحلة الحرجة، مما يعزز من قدرة الدولة على الصمود أمام أي تهديد خارجي.
أدت الرسائل المضللة التي خرجت من واشنطن، قبل اندلاع الحرب، إلى ترجيح بعض التقديرات التوصل لاتفاق مرحلي يعكس ميزان القوى الإقليمي الجديد. غير أن تقديرات إيرانية أخرى، رجحت اندلاع الحرب، بعد أن انتقدت بشده التحذيرات الأوربية بشأن تمديد حظر التحليق فوق إيران.
وبناء عليه، يمكن القول إن المفاوضات التي وصفت بـ«الناجحة» في 11 فبراير، وكذلك الجولة الثالثة التي عقدت بجنيف، في 26 فبراير، التي أُعلن أنها أحرزت «تقدمًا كبيرًا» لم تكن سوى غطاء لإكمال الترتيبات العسكرية، وأن الجانب الأمريكي كان يماطل حتى اكتمال الحشد، وإنضاج كل عوامل شن الحرب؛ وأن الولايات المتحدة وإسرائيل كانتا تعدان العدة لفرض معادلة جديدة بالقوة، مستخدمين الدبلوماسية كغطاء لإنهاء أي تهديد نووي إيراني نهائياً.
ثانيا: الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران:
في 28 فبراير 2026م، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً عسكرياً مشتركاً على إيران، في توقيت حمل دلالات تتجاوز أهدافها. خاصة أن حسابات أطرافها أخذت في اعتبارها أنه قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع، قد يعيد تشكيل التفاعلات الدولية والإقليمية، وموازين القوى، بل وتهديدات نووية محتملة، إذا خرجت الأمور عن قواعدها التقليدية
وقد تميزت طبيعة العمليات العسكرية للهجوم بعدد من المؤشرات، التي لا تخلو من هذه الدلالات:
حجم العمليات؛ فقد شنت القوات الأميركية والإسرائيلية ضربات واسعة ومنسقة ضد مواقع عسكرية إيرانية متعددة، إضافة إلى مدن استراتيجية مثل طهران وشيراز وأصفهان وتبريز وكرمان..
الأهداف المرحلية؛ وصفت الإدارة الأميركية الهجوم بـ«عمليات قتال كبرى» وأنها تهدف إلى «القضاء على تهديدات وشيكة» وهو وصف لا يتناسب مع الضربات ولا مع طبيعة هذا الهجوم الواسع النطاق.
طبيعة الرد الإيراني؛ ردًا على هذا العدوان غير القانوني ودفاعًا عن النفس؛ أطلق الحرس الثوري عملية «الوعد الصادق 4» صواريخ ومسيرات على إسرائيل ومواقع القواعد الأميركية بالمنطقة؛ لإظهار القدرة على الردع، وإرسال رسائل مفادها أن القواعد الأمريكي بالمنطقة، ليست محصنة حتى ولو كانت على أراضي دول ثالثة. وأنه قادر على الرد وتهديد مصالحها، من ناحية. ومن ناحية أخرى الضغط على خصوم إيران الإقليميين؛ لخلق رافعة سياسية للموقف. إضافة إلى رفع تكلفة أي حرب ضد إيران، وأن أي هجوم عليها سوف يؤدي إلى تصعيد مكلف، في محاولة لإيجاد موقف تفاوضي غير مباشر لصالحها.
ثالثا: الأهداف الأولية للأطراف المتحاربة:
تمثلت الأهداف الأولية للحرب، وفق تقارير معهد دراسات الحرب (Institute for the Study of War) في:
الأهداف الأمريكية والإسرائيلية:
أهداف عسكرية، شملت تدمير منصات الصواريخ الباليستية، مراكز القيادة والسيطرة، وتحييد الدفاعات الجوية الإيرانية. وقد ركزت العمليات العسكرية في الأيام الأولى على إضعاف الدفاعات الجوية الإيرانية لضمان التفوق الجوي فوق غرب إيران وطهران.
أهداف استراتيجية، العمل على تقليص النفوذ الإيراني بمنطقة الشرق الأوسط، والإجهاز على محور المقاومة الإسلامية؛ لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.
الأهداف الإيرانية:
تمثلت في الدفاع المشروع عن السيادة والكرامة الوطنية، والحفاظ على تماسك النظام السياسي، وإظهار القدرة على الردع وعدم الاستسلام، وإطالة أمد الحرب وتوسيع نطاقها تدريجيًا لتشمل جبهات متعددة. ولهذا شمل الرد الإيراني شبكة القواعد الأمريكية في المنطقة.، التي تعد أحد عناصر تفوقها الاستراتيجي في أي مواجهة، وتتيح لها القدرة على شن عمليات عسكرية متعددة الاتجاهات في عمق الأراضي الإيرانية.
رابعا: التداعيات الأولية المباشرة
قطع رأس القيادة الإيرانية: تمكنت الضربات الأميركية الإسرائيلية الأولى من تدمير ديوان المرشد الأعلى للثورة، واغتياله، ومعه العشرات من إدارته، واغتيال القيادات العسكرية العليا مثل اللواء «عبد الرحيم موسوي» الذي حذر قبل أسابيع من هجوم خاطف، والأدميرال «علي شمخاني» ناهيك عن تدمير المؤسسات الدستورية والسياسية، مثل «مجلس خبراء القيادة» إضافة إلى مراكز الحرس الثوري وقواعد؛ مما أفقده بشكل مؤقت القدرة على تنفيذ كل ضرباته.
توتر العلاقات الإيرانية الخليجية: أدى استهدف إيران للقواعد الأمريكية إلى توتر علاقاتها بدول الخليج التي تستضيف هذه القواعد على أراضيها. وزاد من مخاوفها بشأن الملاحة بمضيق هرمز، وما قد يترتب عليه من ارتفاع لأسعار الطاقة عالميًا، والتأثير على استقرار أسواق النفط.
وهكذا، دخلت إيران دائرة الخطر؛ فور إعلان «دونالد ترامب» وإسرائيل بدء عمليات قتالية كبرى ضدها، مع مشرق يوم 28 فبراير 2026م، بعد وصول المفاوضات معها إلى مرحلة الجمود، أو إن شئت قل الإفشال المتعمد. وقد جاء الهجوم، أو إن شئت قل العدوان المشترك؛ بعد ساعات من إعلان ترامب عدم رضاه عن مسار مفاوضات جنيف، على نحو دل على أن الخيار الدبلوماسي الذي كان يتمسك به ظاهرياً كأداة ضغط، قد استُنفد لصالح منطق استخدام القوة العسكرية. ولهذا كانت تصريحات واشنطن وتل أبيب، التي وصفت البرنامج النووي بأنه «تهديد وجودي» لإسرائيل، كانت تخفي هدفًا آخر، هو تغيير النظام الإيران، أو على الأقل إحداث انهيار في بنية الحكم في إيران؛ لتمهيد الطريق أمام «الشعب الإيراني الشجاع» لتقرير مصيره. وعلى الرغم من هذا أدت التطورات الميدانية المتلاحقة وتداعياتها إلى تغير الأهداف.

