الرئيسية » الدراسات » ايران بالعبري 13

ايران بالعبري 13

الكاتب:

الأولى، بعنوان: الحملة ضد إيران والاعتبارات الأمريكية: بين تعظيم الإنجاز العسكري وضرورة ضبط النفس
التي نشرها معهد دراسات الأمن القومي (INSS) في 12 مارس 2026م، للكاتب «إلداد شافيت» وتعد قراءة استخباراتية من الدرجة الأولى، إذ تقدم صورة صادمة لواضعي السياسات بإسرائيل حول محدودية نفوذهم وحلفائهم بواشنطن. وتكمن قيمتها في أنه بمثابة تحريض اصناع القرار على استغلال الوقت المتبقي بذكاء وحذر، وتجنب الإجراءات التي قد تنقلب ضدهم. ولكنها تظل محصورة في الإطار الثنائي الإسرائيلي الأمريكي، وتقلل من أهمية الديناميكيات الإقليمية والدولية الأوسع، ودور إيران كطرف فاعل، في تشكيل المحصلة النهائية لهذه المواجهة المصيرية.
وقد ركزت هذه الورقة على المرحلة الحرجة التي وصلت إليها الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، مسلطة الضوء على ذلك التوتر المتزايد داخل الإدارة الأمريكية بين تيارين: تيار يدعو لمواصلة الحملة؛ لتعظيم الإنجازات العسكرية، وآخر يدفع نحو إنهائها؛ بسبب ما أسفرت عنه من ضغوط اقتصادية وسياسية واستراتيجية. كما رسم «إلداد شافيت» في هذه الورقة ملامح الوضع الراهن في عدة نقاط رئيسة، هي:
  • التباس الموقف الأمريكي: إذ يُصدر الرئيس ترامب رسائل متناقضة، فهو من ناحية يصور الحملة على أنها نجاح متقدم ويتحدث عن قرب انتهائها. ويطالب من ناحية أخرى باستسلام إيران غير المشروط، ويتحدث عن تغيير النظام فيها. ويعد هذا غموضًا متعمدًا، يعكس فجوة بين «المأمول» و«الممكن» في واشنطن. بينما تشير تقديرات الاستخبارات الأمريكية إلى أن النظام الإيراني، بآلياته الراسخة، أكثر مرونة مما كانت تتوقع واشنطن، وأن حملة أوسع قد لا تسقطه بالضرورة.
  • فجوة الأهداف بين إسرائيل والولايات المتحدة: وهذا هو جوهر الورقة. فذكرت أن ثمة فجوة استراتيجية كبيرة:
  • ‌أ- تغيير هيكلي وجذري في الأهداف الإسرائيلية: إذ تريد توجيه ضربة عميقة ودائمة للقدرات النووية والصاروخية الإيرانية، وإضعاف شبكة وكلائها، وخلق ظروف تؤدي إلى تغيير النظام، أو على الأقل منع تعافيه.
  • ‌ب- تحول الأهداف الأمريكية نحو احتواء إيران: إذ تسعى الولايات المتحدة على الأرجح إلى هدف أكثر محدودية، يتمثل في إضعاف إيران بشكل كبير، وتعزيز الردع الأمريكي، وإنهاء القتال دون التورط في مستنقع طويل الأمد. وبعبارة أخرى، تسعى أمريكا لإيران «مرتدعة ومسيطر عليها» بينما تريدها إسرائيل «مغيّرة البنية»
  • دوافع استمرار الحملة: حددت الورقة ثلاثة عوامل دافعة لاستمرار القتال من المنظور الأمريكي:
  • ‌أ- المخاوف الأمنية: فقد يؤدي وقف مبكر للحرب إلى تمكين إيران من إعادة بناء قدراتها واعتبار بقائها في حد ذاته إنجازًا، مما يُبقي التهديد قائمًا بالنسبة لإسرائيل.
  • ‌ب- الاعتبارات السياسية: أصبح الرئيس ترامب بحاجة إلى نتيجة واضحة وحاسمة يقدمها كنصر. التوقف المبكر قد يُنظر إليه كفرصة ضائعة وليس كضبط للنفس.
  • ‌ج- البعد الجيوستراتيجي: الحملة ضد إيران هي أيضًا رسالة أمريكية للمنافسين العالميين، خاصة الصين، حول قدرتها على حماية مصالحها واستخدام القوة.
  • ضغوط إنهاء الحملة: فهناك، في المقابل، ضغوط حقيقية تدفع لإنهاء الحرب على إيران:
  • ‌أ- الاعتبارات الاقتصادية: التذبذب في أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط بسبب عدم الاستقرار في مضيق هرمز يشكل خطرًا سياسيًا مباشرًا على الإدارة الأمريكية، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي (نوفمبر 2026). كما تثير الضربات الإسرائيلية ضد منشآت نفطية إيرانية قلقًا أمريكيًا واضحًا.
  • ‌ب- الرأي العام الأمريكي: الدعم الشعبي للحرب محدود ومشروط بكونها قصيرة وتعتمد على القوة الجوية، دون تورط بري. الأمر الذي يجعل نافذة شرعية الحرب قصيرة نسبيًا. ومع ذلك، أشار الكاتب إلى أن التيار المحافظ لا يزال يدعم ترامب لمواصلة الحرب، وسينسحب منه إذا قرر إنهاؤها.
  • ‌ج- المحددات الاستراتيجية: ليس هناك يقين بأن الضربات العسكرية ستؤدي إلى انهيار النظام أو تغيير جوهري في سياساته. إذا تراكمت الإنجازات على مستوى “الإضعاف” دون “النصر الحاسم”، سيزداد الميل الأمريكي لتعريف “الإنجاز الكافي” والخروج.
الاستنتاجات والتوصيات لإسرائيل: تخلص هذه الورقة إلى أن نافذة الوقت الأمريكية ليست مفتوحة إلى أجل غير مسمى، وتوصي إسرائيل بالتحرك على مستويين:
  1. تعظيم المكاسب بسرعة: العمل على تحقيق أكبر قدر ممكن من الضرر التراكمي للقدرات النووية والصاروخية وإضعاف وكلاء إيران، مع الحفاظ على حرية العمل مستقبلًا.
  2. حوار مكثف مع واشنطن: خفض الفجوة مع واشنطن حول تعريف مفهوم «الإنجاز الكافي» الذي يمكن أن يبرر إنهاء الحملة.
وفي هذا الإطار، حذرت الورقة من أن أي خطوات إسرائيلية غير منسقة، خاصة تلك التي تؤثر على أسواق الطاقة العالمية، قد تسرع التحول الأمريكي من سياسة «تعظيم الإنجاز» إلى «سياسة ضبط النفس» مما يزيد الضغط على إسرائيل.
التعليق على الورقة: تمثل هذه الورقة نموذجًا للتحليل الاستراتيجي الإسرائيلي الذي يركز على الديناميكيات الداخلية للحليف الأعلى (الولايات المتحدة) وتأثيرها على الأمن القومي الإسرائيلي.
  1. الواقعية والبرجماتية: تتسم الورقة بواقعية شديدة في قراءة الموقف الأمريكي. لا تخلو من النبرة الأيديولوجية، لكنها تدرك أن المصالح الأمريكية قد تختلف عن المصالح الإسرائيلية، وأن واشنطن لديها حدودها واعتباراتها (الاقتصادية والسياسية) التي قد تدفعها لوقف الحملة قبل تحقيق الأهداف الإسرائيلية القصوى. هذا الاعتراف بالفجوة المحتملة هو جوهر التحليل.
  2. التركيز على العوامل الداخلية الأمريكية: تقدم الورقة فهمًا دقيقًا لكيفية تأثير السياسة الداخلية الأمريكية: الانتخابات والرأي العام والضغوط الاقتصادية على المواطن، على صنع القرار الاستراتيجي . ربطها بين تقلبات أسعار النفط والموقف السياسي للإدارة الأمريكية هو تحليل عملي ومهم.
  3. تحديد المعضلة الإسرائيلية بوضوح: توضح الورقة بشكل ممتاز المعضلة التي تواجه إسرائيل: كيف تدفع نحو تحقيق أقصى إنجاز استراتيجي في وقت قصير، دون أن تتسبب أفعالها في رد فعل أمريكي عكسي ينهي الحملة مبكرًا ويترك إيران “موضوعة” وليس “محسومة”. التوصية بالعمل على مسارين (تعظيم المكاسب والحوار) هي استراتيجية عقلانية في هذا السياق.
  4. الافتراض المسبق عن الهدف الأمريكي: بينما تحلل الورقة الغموض الأمريكي، فإنها تفترض أن الهدف الأمريكي النهائي هو الاحتواء بينما الهدف الإسرائيلي هو التغيير الجذري” قد يكون هذا تبسيطًا. فمن الممكن أن إدارة ترامب لديها أهداف أكثر طموحًا مما تتصوره الورقة، لكنها توازن بينه وبين المخاطر. الورقة تتعامل مع “الرغبة” الأمريكية في تغيير النظام كأمر غير واقعي، وهذا حكم قيمي قد يكون صحيحًا لكنه يبقى محل نقاش.
  5. تجاهل البعد الإيراني كفاعل مستقل: التحليل مركز بشكل كبير على العلاقة الثنائية الأمريكية الإسرائيلية وكأن إيران مجرد هدف سلبي. لا يوجد تحليل معمق لكيفية تفاعل إيران مع الضربات، أو كيف يمكن لصمودها أو مبادراتها الدبلوماسية أن تؤثر على الجدول الزمني الأمريكي. الإيرانيون ليسوا مجرد متفرجين، ولديهم قدرتهم على التأثير في معادلة “الإنجاز الكافي”.
  6. الافتراض بوحدة الموقف الإسرائيلي: تتحدث الورقة بصوت واحد عن “الهدف الإسرائيلي”، وكأن هناك إجماعًا في إسرائيل حول أن الهدف هو تغيير النظام. في الواقع، هناك نقاشات استراتيجية داخل إسرائيل أيضًا حول حدود القوة والفائدة من تغيير النظام مقابل إضعافه بشكل كبير.
  7. الاعتماد على نافذة زمنية قصيرة: افتراض أن نافذة العمل العسكري قصيرة جدًا يعكس تجارب سابقة (مثل حروب الخليج السابقة) لكن الحملات العسكرية الحديثة قد تختلف. التركيز على الضربات الجوية قد يسمح باستمرار الحملة لفترة أطول مما تتوقع الورقة، إذا ظلت الخسائر البشرية الأمريكية منخفضة.
الثانية، بعنوان: من الاحتواء إلى المنع: التحالف بين ترامب ونتنياهو لهزيمة الجهاد الإيراني
نشرها معهد القدس للأمن والشؤون الخارجية (JCFA) في 12 مارس 2026م، للكاتب «دان ديكر» وتقدم رؤية أيديولوجية وسياسية داعمة بقوة للتحول الاستراتيجي الذي تمثله الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران، والتي تصفها بأنها تحول جذري من سياسة «الاحتواء» إلى سياسة «المنع».
ترى الورقة أن الشراكة بين ترامب ونتنياهو أحدثت نقلة نوعية في التعاون الاستراتيجي بين البلدين. فبدلاً من الاكتفاء بمواجهة وكلاء إيران (مثل حزب الله وحماس) بشكل مجزأ، تستهدف الحملة الحالية “رأس الأخطبوط” الإيراني، أي المؤسسة الحاكمة في طهران، بهدف تفكيك بنيتها التحتية العسكرية والنووية وإضعاف قيادتها.
  • تصحيح الأخطاء الأمريكية التاريخية: يُؤطر الكاتب الحملة على أنها تصحيح جذري لمسار طويل من الإخفاقات في السياسة الأمريكية تجاه إيران، بدءًا من:
  • ‌أ- جيمي كارتر: لسوء تقديره لطبيعة الثورة الإسلامية واعتقاده بإمكانية أن يكون الخميني قوة استقرار.
  • ‌ب- رونالد ريغان: عبر فضيحة إيران-كونترا التي تعاملت مع النظام كفاعل عقلاني يمكن استرضاؤه.
  • ‌ج- باراك أوباما: عبر الاتفاق النووي (JCPOA) الذي وُصف بأنه “استرضاء” وتمويل للنظام عبر إطلاق الأموال المجمدة، مما عزز قدراته الصاروخية والإرهابية دون معالجة جذرية لسلوكه.
  • الطبيعة الأيديولوجية للنظام الإيراني: يؤكد التحليل على أن إيران ليست دولة تسعى لمصالح جيوسياسية عقلانية، بل مدفوعة بأيديولوجية «جهادية» شيعية تؤمن بضرورة الإسراع في ظهور المهدي عبر الصراع ضد الغرب وإسرائيل. وهذا الفهم، حسب الورقة، هو ما كان ينقص السياسات الأمريكية السابقة، وهو ما تبناه ترامب ونتنياهو. استهداف القيادة الدينية (مثل خامنئي) في قم هو اعتراف بهذه الطبيعة.
  • الفرصة الإيرانية الداخلية: تزعم الورقة أن الحملة العسكرية تأتي في توقيت حاسم حيث يقمع النظام انتفاضة شعبية عارمة (بعد مقتل عشرات الآلاف من المتظاهرين). وتصف العملية العسكرية بأنها استجابة لنداءات الشعب الإيراني الذي رفع أعلام إسرائيل وأمريكا، وفرصة لتحقيق “ساعة الحرية” التي تحدث عنها ترامب.
  • التحالفات الإقليمية: ترى الورقة أن نجاح الحملة سيؤدي إلى انحياز الدول العربية السنية (الخليج) بشكل علني إلى جانب التحالف الأمريكي الإسرائيلي، خاصة بعد إداناتها العلنية لإيران. هذا سيعيد تشكيل توازن القوى الإقليمي لصالح “الحصان الرابح”.
التحالف الجديد هو تصحيح للاسترضاء والوهم الذي ساد عقودًا، ويقدم أفضل أمل للأمن والاستقرار في المنطقة، ويرسل رسالة قوية لـ”محور المقاومة” وللتطرف الإسلامي بأن الغرب لديه إرادة المواجهة.
التعليق على الورقة: تمثل هذه الورقة نموذجًا للتحليل الذي يتبنى بوضوح وجهة نظر سياسية مؤدلجة؛ لذا يجب قراءتها في هذا الإطار.
  1. الاتساق الأيديولوجي: الورقة واضحة ومتسقة في رؤيتها: إيران كيان أيديولوجي لا يمكن ردعه أو احتواؤه، بل يجب تغييره. هذا الطرح يقدم إطارًا مفهوميًا متماسكًا لأنصار هذه الرؤية.
  2. التأطير التاريخي: محاولة ربط السياسات الأمريكية المتعاقبة (من كارتر لأوباما) في سردية واحدة مترابطة حول “سوء الفهم” لإيران، يعطي العمق التاريخي للدفاع عن الموقف الحالي.
  3. التركيز على البعد الشعبي: إدراج الانتفاضات الداخلية في إيران كعامل مؤثر هو أمر بالغ الأهمية. الربط بين الضغط الخارجي (العسكري) والضغط الداخلي (الشعبي) هو استراتيجية كلاسيكية لتغيير الأنظمة.
  4. الطبيعة الدعائية: اللغة المستخدمة، مثل «الأخطبوط الإيراني» و«الاسترضاء» و«الوهم» و«الجهاد المسيحاني» لغة تعبوية وعاطفية أكثر منها تحليلية محايدة. هذا يجعل الورقة أقرب إلى بيان سياسي أو مقال رأي منه إلى تحليل استخباراتي متوازن.
  5. التبسيط المفرط: اختزال دوافع وسلوك دولة بحجم إيران وبتعقيداتها في “الأيديولوجية” فقط، مع تجاهل عوامل القوة الناعمة والصلبة، والمصالح الجيوسياسية، والتكتيكات الواقعية التي تستخدمها حتى الأنظمة الأيديولوجية، هو تبسيط مخل. حتى الأنظمة الثورية تميل إلى البقاء وتتصرف أحيانًا بعقلانية لحماية نفسها.
  6. إضفاء الشرعية على التدخل: استخدام المعاناة الإنسانية للشعب الإيراني وقمعه (وهو أمر موثق) لتبرير التدخل العسكري الخارجي هو خطاب شائع لكنه إشكالي. يفتح الباب لأسئلة أخلاقية وسياسية حول حق الشعوب في تقرير مصيرها دون فرض تغيير بالقوة من الخارج.
  7. تجاهل التعقيدات الإقليمية: افتراض أن الدول العربية ستتبع “الحصان الرابح” ببساطة هو افتراض غير مضمون. مصالح هذه الدول معقدة، وقد تخشى من رد فعل إيراني أو من تداعيات إقليمية أوسع، أو قد تستخدم الموقف للتفاوض على مكاسب خاصة بها، وليس مجرد الانضمام التلقائي للتحالف.
  8. غياب التحليل النقدي الذاتي: الورقة لا تطرح أي تحديات أو مخاطر محتملة لهذه الاستراتيجية. لا تناقش احتمالية فشلها، أو تداعياتها الكارثية إذا أدت إلى حرب إقليمية شاملة، أو صعوبة بناء نظام بديل مستقر في إيران بعد سقوط النظام. هي تقدم رؤية “نصر” محتوم دون تعقيدات.
هذه الورقة هي وثيقة مهمة لفهم الخطاب السياسي والأيديولوجي الذي يدعم التحالف الحالي بين تيارات معينة في إسرائيل والولايات المتحدة. هي ليست تحليلًا موضوعيًا بقدر ما هي أداة في “الحرب السياسية” (Political Warfare) قيمتها تكمن في أنها تعرض بوضوح الأهداف المعلنة لهذا التحالف: تغيير النظام في إيران، وتفكيك بنيته الأيديولوجية، وبناء تحالف إقليمي جديد. أي محاولة لفهم مسار الأحداث القادمة يجب أن تأخذ هذه الرؤية بعين الاعتبار كأحد الدوافع الرئيسية للفاعلين، مع موازنتها بالتحليلات الأكثر واقعية (مثل تحليلات INSS السابقة) التي تركز على المحددات العملية والاقتصادية والقيود المفروضة على هذه الرؤية الطموحة. المقارنة بين هذه الورقة وأوراق INSS تقدم صورة كاملة عن التنوع في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي بين الواقعية (INSS) والإيديولوجية (JCFA).

اترك تعليقا