الرئيسية » الدراسات » العلاقات العربية الصينية تاريخ من التعاون والمواقف الثابتة

العلاقات العربية الصينية تاريخ من التعاون والمواقف الثابتة

الكاتب:

أولاً: المحطات التاريخية الرئيسية في تطور العلاقات
تعود أولى الاتصالات الرسمية بين الصين والدول العربية إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما بادرت الدول العربية المستقلة إلى الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية. فأقامت مصر وسوريا واليمن علاقات دبلوماسية مع الصين، عام 1956م، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي، أخذت العلاقات العربية الصينية تشهد تطوراً نوعياً، فقد افتتاح مكتب تمثيلي لجامعة الدول العربية في بكين في عام 1993م، ليكون أول مكتب تمثيلي إقليمي لها في الصين. وفي عام 1999، تم توقع مذكرة تفاهم لإنشاء آلية تشاور سياسي بين وزارة الخارجية الصينية والأمانة العامة للجامعة العربية، مما شكل خطا مباشرا لتنمية العلاقة بين الصين والدول العربية مبكرا.
  • انطلاق منتدى التعاون العربي الصيني (2004م) يمثل عام 2004م، نقطة محورية في تطور العلاقات العربية الصينية؛ إذ أُطلق منتدى التعاون العربي الصيني، كإطار مؤسسي لأوجه التعاون بين الجانبين. ومنذ ذلك الحين، عُقدت عشر دورات وزارية للمنتدى، كانت آخرها الدورة العاشرة التي عُقدت في بكين عام 2024م، بمشاركة عربية واسعة على أعلى المستويات.
  • الشراكة الاستراتيجية وقمة الرياض (2022م): في ديسمبر 2022م، عُقدت أول قمة عربية صينية في الرياض على مستوى القادة، صدر عنها ثلاث وثائق رئيسة: «إعلان الرياض لقمة الصين والدول العربية» و«الخطة التنفيذية للتعاون الاستراتيجي الشامل بين الصين والدول العربية» و«وثيقة الشراكة الاستراتيجية بين الصين والدول العربية». وأعلن الرئيس الصيني في هذه القمة، عن «المشاريع الثمانية الكبرى» للتعاون العملي، لتنتقل العلاقات إلى مرحلة بناء «المستقبل المشترك» بين الحضارتين
  • الاستعدادات للقمة الثانية (2026م): شهد عام 2025-2026م، استعدادات مكثفة لعقد القمة العربية الصينية الثانية في الصين، حيث تم تأكيد ذلك في قرارات القمم العربية المتعاقبة. ففي مايو 2024م، رحبت القمة العربية في دورتها الثالثة والثلاثين بعقد هذه القمة في الصين. كما أكد ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة في كلمته أمام منتدى التعاون العربي الصيني، أن بلاده تثمن الدعم الصيني للقضايا العربية العادلة، خاصة القضية الفلسطينية.
ثانياً: المواقف الصينية تجاه القضايا العربية
  • دعم القضية الفلسطينية: تُعد القضية الفلسطينية محور الثوابت العربية، وتحظى بدعم صيني ثابت على جميع المستويات. أكدت الصين مراراً على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ودعت إلى تطبيق حل الدولتين.
    في مارس 2026م، وخلال الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أدان مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف الانتهاكات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن «الوضع في الشرق الأوسط لا يزال مضطرباً ومعاناة الشعب الفلسطيني مثيرة للقلق» وأن «الأزمة الإنسانية في غزة تدهورت إلى مستوى غير مسبوق» كما شدد على ضرورة استعادة الوصول الإنساني، وتحقيق وقف دائم لإطلاق النار في غزة، وكبح جماح الأنشطة الاستيطانية، وتنفيذ حل الدولتين.
  • جهود الوساطة لوقف النزاعات: برز الدور الصيني كوسيط نزيه في المنطقة، فقد أطلقت بكين جولات مكوكية من الاتصالات لوقف التصعيد. ففي مارس 2026م، أجرى المبعوث الصيني الخاص لقضية الشرق الأوسط جولة شملت السعودية والإمارات والبحرين والكويت ومصر، التقى خلالها مع كبار المسؤولين. كما التقى الأمين العام لجامعة الدول العربية، حيث ناقشا سبل تهدئة الأوضاع.
    ومن جانبه، أعرب بدوره الأمين العام لجامعة الدول العربية عن تقديره للموقف الصيني الداعم للحوار، متطلعا لأن تواصل بكين «ممارسة تأثيرها ودورها الإيجابي، واتخاذ تدابير مبتكرة لتعزيز وقف فوري لإطلاق النار من قبل جميع الأطراف المعنية» وفي نفس الوقت، كثف وزير الخارجية الصيني يكف اتصالاته مع نظرائه بالمنطقة. بينما أكد المتحدث باسم الخارجية الصينية أن «جهود الوساطة الدبلوماسية الصينية لن تتوقف ما دام الصراع مستمراً».
  • دعم سيادة الدول العربية وأمنها: تتبنى الصين موقفاً ثابتاً يحترم سيادة الدول العربية ووحدة أراضيها، وتعارض التدخلات الخارجية. وأكدت لسفراء دول مجلس التعاون الخليجي لدى بكين، في مارس 2026م، أنها «تفهم وتدعم جهود دول مجلس التعاون لحماية سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها».
ثالثاً: التعاون الاقتصادي والتنموي
  • مبادرة الحزام والطريق: تُعد هذه المبادرة الإطار الأبرز للتعاون الصيني العربي في العصر الحديث. وكانت الجامعة العربية أول منظمة إقليمية توقع وثيقة تعاون مع الصين في إطار المبادرة. وقد أسهمت المبادرة في تنفيذ العديد من المشاريع الكبرى في العالم العربي، من ميناء خليفة في الإمارات إلى مدينة الملك عبد الله الاقتصادية في السعودية.
  • التعاون في مجالات متعددة: توسع التعاون ليشمل مجالات حيوية، تم تحديدها في «المشاريع الثمانية الكبرى» التي أعلنها الرئيس الصيني في قمة الرياض 2022م، التي تشمل: دعم التنمية، والأمن الغذائي، والصحة، والابتكار الأخضر، وأمن الطاقة، والحوار الحضاري، وتدريب الشباب، والأمن والاستقرار.
  • التعاون الصيني المصري: يعد التعاون الصيني المصري نموذجاً رائداً للعلاقات الثنائية بين دولة نامية كبرى وقوة إقليمية محورية، تجاوز الإطار التقليدي لها إلى شراكة استراتيجية شاملة. التي تقوم على مبدأ «المكاسب المشتركة» عبر التكامل الوثيق بين مبادرة الحزام والطريق الصينية ورؤية مصر 2030، والذي يظهر جلياً في مشروعات كبرى بمنطقة قناة السويس الاقتصادية ومثلث الذهب للتعدين.
    ويمتد التعاون بين مصر والصين ليشمل نقل التكنولوجيا والتصنيع المشترك، حيث أصبحت مصر قاعدة صناعية وتصديرية إقليمية لشركات صينية كبرى مثل «شينجفا» للصناعات الكيماوية و«جيوشي» لصناعة الألياف الزجاجية، مما يعزز القدرات المحلية ويخلق فرص عمل. كما يشمل هذا التعاون أبعاداً استراتيجية في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتعليم التكنولوجي، مما يعكس نقلة نوعية في الشراكة الذي يتجاوز مجرد التمويل إلى بناء القدرات ونقل الخبرات، يقدم مثالاً ناجحاً للتعاون بين بلدان الجنوب القادر على دفع عجلة التنمية ومواجهة التحديات الإقليمية.
  • التعاون الصيني السعودي: يمثل التعاون الصيني السعودي نموذجاً رائداً للعلاقات العربية الصينية. فمنذ رفع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، عام 2016م، تطور التعاون بين البلدين ليشمل الطاقة المتجددة، والبنية التحتية، والذكاء الاصطناعي، والمدن الذكية، والطاقة المتجددة. فقد أسهمت شركة «باور تشاينا» في بناء محطة سكاكا للطاقة الشمسية، إحدى أكبر المحطات في الشرق الأوسط. وفي مجال التحول الرقمي، وقعت شركتا «هواوي» و«شاينا موبايل» اتفاقيات مع السعودية لإنشاء مركز بيانات عملاق في الرياض، لدعم رؤية 2030 السعودية.
  • التعاون الصيني الإماراتي: يمثل التعاون الصيني الإماراتي نموذجاً متقدماً للشراكة الاقتصادية الشاملة والتكامل الاستراتيجي في مجال التكنولوجيا والطاقة والفضاء. يقوم هذا التعاون على ركيزتين أساسيتين هما مبادرة الحزام والطريق واستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، مما أوجد تآزراً في مشاريع عملاقة كـ”مدينة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي” ومصفاتي الرويس للبتروكيماويات. تميز هذا التعاون بالتركيز على نقل المعرفة وبناء القدرات؛ فأصبحت الإمارات مركزاً إقليمياً للتكنولوجيا المالية والصحية الصينية. ناهيك عن التعاون في مجال بعثات الفضاء واستكشاف المريخ. كما لعب دوراً محورياً في استقرار سلاسل التوريد العالمية من خلال شراكة ميناء خليفة مع شركة «كوسكو» الصينية. يبرز هذا النموذج كقصة نجاح للتعاون بين اقتصاد نام قوي واقتصاد عربي طموح قادر على قيادة التحول الرقمي والطاقي في المنطقة.
رابعاً: التعاون السياسي والدبلوماسي المشترك
  • دعم مبدأ الصين الواحدة: تؤكد الدول العربية باستمرار دعمها لمبدأ الصين الواحدة. ففي قمة الرياض 2022م، جدد القادة العرب تأكيدهم على «التزام الدول العربية بمبدأ الصين الواحدة» ومعارضة أي تدخل في الشؤون الداخلية للصين. كما صدرت عن مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة وقرارات متعاقبة تؤكد هذا الموقف.
  • التنسيق في المحافل الدولية: تنسق الصين والدول العربية مواقفها في الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان ومنظمة التجارة العالمية، لدعم حقوق الدول النامية ورفض الهيمنة والعقوبات الأحادية. وقد تجلى هذا التنسيق بوضوح في دعم الصين المتواصل للقضية الفلسطينية، وفي دعم الدول العربية للحقوق المشروعة للصين.
خامساً: التعاون الثقافي والإنساني
  • الحوار الحضاري: تؤكد الصين والدول العربية على أهمية الحوار بين الحضارات ورفض نظرية «صراع الحضارات» وقد وقعت الصين مع الجامعة العربية «بياناً مشتركاً حول الحضارة العالمية» يؤكد على التنوع الثقافي كأساس للتعايش السلمي.
  • التبادل الثقافي والتعليمي: شهدت السنوات الأخيرة ازدهاراً في التبادل الثقافي. تم افتتاح مراكز ثقافية صينية في العديد من الدول العربية، وانتشرت معاهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية. وعلى الجانب الآخر، زاد عدد الطلاب العرب الدارسين في الصين، وتُرجمت العديد من الكتب العربية الكلاسيكية إلى الصينية، والعكس.
سادساً: القمة العربية الصينية الثانية (2026م)
تُعد القمة العربية الصينية الثانية المقرر عقدها في الصين عام 2026م، حدثاً محورياً لرسم مستقبل هذه العلاقات. وسط تطلعات متبادلة لدفع العلاقات إلى آفاق أرحب، حيث تعهد الجانبان بـ«بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك» بين الحضارتين، وتعزيز التعاون في المجالات الجديدة. ومن المتوقع أن تشهد السنوات القادمة توسعاً في التعاون ليشمل مجالات جديدة مثل:
  • الطاقة النظيفة: الاستثمار في الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية وطاقة الرياح
  • الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي: نقل الخبرات الصينية وتوطين التكنولوجيا
  • الأمن الغذائي: استثمار الصين في الأراضي الزراعية العربية والمشاريع اللوجستية
  • الصحة العامة: بناء المستشفيات وإنتاج اللقاحات والأدوية

اترك تعليقا