دور باكستان ومصر وتركيا في المفاوضات الأمريكية الإيرانية (محور الوساطة الاستراتيجي الذي يعيد تشكيل الشرق الأوسط)
الكاتب:
صحيح أن القوى المتوسطة قد لا تحل النزاعات الكبرى، ولكنها تعيد تشكيل بيئة التفاعل، على نحو يمنع الانفجار ويؤسس لتوازنات مرنة. وهنا أثبتت القوى الثلاث أنها ليست مجرد أطراف ثانوية، بل هي الجسر الدبلوماسي الجوهري، بين طرفي صراع، لطالما ساد العداء بينهما أمدًا طويلا، منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979م، وانعدم بينها الحوار المباشر؛ بفعل انعدام الثقة والعقوبات والمواجهات العسكرية.
ولأول مرة، تتولى القوى المتوسطة هندسة توازن القوى بدلاً من انتظار الحلول المستوردة، كما لم تأت جهود الوساطة الناجحة هذه المرة بقيادة القوى الغربية، أو الملكيات الخليجية، بل عبر تضافر جهود ثلاث دول ذات أغلبية مسلمة تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً لدى كل من واشنطن وطهران. ولعل هذا التعاون، الذي يُشار إليه غالباً باسم «رباعية إسلام آباد» عند انضمام المملكة العربية السعودية، يبشر بقيام نظام إقليمي جديد محتمل، يهدف إلى احتواء الصراع وموازنة القوى ضد الهيمنة الإيرانية والإسرائيلية على حد سواء.
وسوف ترصد هذه الورقة تطور ودوافع وتداعيات أدوار الوساطة الثلاثية لكل من باكستان ومصر وتركيا في المفاوضات الأمريكية الإيرانية. كما تبحث في الخلفية التاريخية والدوافع الهيكلية والأطر الدبلوماسية التي تشكل هذا التعاون، مع تحليل كيفية إعادة هذا المحور تعريف ميزان القوى في الشرق الأوسط لما بعد عام 1979م.
أولا: السياق التاريخي للعلاقات الأمريكية الإيرانية:
امتد التوتر بين واشنطن وطهران لأكثر من أربعة عقود، واتسم بأبعاد أيديولوجية واستراتيجية ونووية. ومنذ توقيع الاتفاق النووي، أو بالأحرى «خطة العمل الشاملة المشتركة» (JCPOA) عام 2015م، ثم الانسحاب الأمريكي منها عام 2018م، تأرجحت العلاقات بين انخراط متقطع ومواجهة شديدة، حتى تجددت الحرب بينهما، في 28 فبراير 2026م، شملت قوى مدعومة من إيران، وأصولاً أمريكية، وضربات إسرائيلية، وإجراءات انتقامية في الخليج العربي.
عندما شنت إيران هجمات صاروخية على القواعد الأمريكية ومنشآت الطاقة بدول الخليج العربية، توسعت دائرة الصراع بسرعة لتهدد طرق إمداد النفط والاستقرار الإقليمي، ومن ثم واجهت كل من إيران والولايات المتحدة تكاليف اقتصادية وسياسية جعلت التفاوض أمراً حتمياً بينهما. ومع ذلك، لم يتمكن الاتحاد الأوروبي ولا سلطنة عُمان ولا الأمم المتحدة من الوساطة الفعالة وسط تضاؤل المصداقية المؤسسية. وفي ظل هذا الفراغ، تدخلت باكستان ومصر وتركيا، في صورة كتلة وظيفية أو تحالف لا يُنظر إليه تقليدياً كقوة مهيمنة في الدبلوماسية الإقليمية، ويمتلك القدرة على ملء الفراغ الدبلوماسي الانجم عن تآكل مصداقية المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي)
ثانيا: محور الوساطة الاستراتيجي:
صحيح أن هذا التحالف مجهز بأصول فريدة: القرب، والمصداقية، والنفوذ السياسي لدى طرفي الصراع. ولكنه يجسد أيضا الواقعية الجديدة؛ خاصة أنه لم يتحرك بدافع أيديولوجي محض أو بباعث الأخوة الإسلامية فحسب، بل بناءً على المنافع المتبادلة أيضا. وذلك كما يتضح على النحو التالي
باكستان؛ الوسيط الاستراتيجي المرن:
اضطلعت باكستان بدور الوسيط النشط عبر القنوات الخلفية، إذ نقلت الرسائل بين طهران وواشنطن، واستضافت مبادرات الحوار غير مباشر بينهما، وشاركت في تنسيق إقليمي متعدد الأطراف استنادًا إلى علاقاتها الجيدة مع الطرفين، والقرب الجغرافي من إيران، والدعم الضمني من الصين
الميزة الجيواستراتيجية والحياد التاريخي: فاجأ صعود باكستان كوسيط رئيسا في المفاوضات، معظم المراقبين. فباكستان، المتحالفة تقليدياً مع الولايات المتحدة في المجالات الأمنية والمحتفظة بعلاقات برجماتية مع إيران، تحتل منطقة وسطى نادرة. فحدودها المشتركة مع إيران البالغة 960 كيلومتراً وتركيبتها الديموغرافية تجعلها قريبة من طهران ومحل ثقة لديها، وهي ميزة تفتقر إليها الملكيات الخليجية. وبحسب تقارير إعلامية، أصبحت إسلام آباد أهم عاصمة دبلوماسية لحل المواجهة الأمريكية الإيرانية، ويرجع ذلك إلى حد كبير لتواصل رئيس الأركان «عاصم منير» مع كل من طهران وواشنطن. خاصة أنه فتح قنوات اتصال عسكرية مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني، وهي خطوة حاسمة؛ نظراً لنفوذ الحرس الثوري على السياسة الخارجية الإيرانية.
الدوافع الباكستانية: تستند وساطة باكستان إلى المصلحة الاستراتيجية الذاتية، وتحركها ثلاثة دوافع رئيسة:
تخفيف الديون والرافعة المالية: تدين باكستان بنحو 28 مليار دولار لدائنين خليجيين. ويعزز نجاح دورها في السلام من قوتها التفاوضية لإعادة هيكلة الديون بشكل مناسب.
تقليل الضغوط الاستراتيجية الأمريكية: مارست واشنطن في الاسبق ضغوطاً على باكستان بشأن برنامجها النووي وتطوير الصواريخ. وتوفر الوساطة لها رصيداً دبلوماسياً لتخفيف هذه الرقابة وتأمين امتيازات تقنية أو تصديرية.
الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة: يعزز الاستقرار في الخليج واردات الطاقة الباكستانية ويحمي تدفق تحويلات مغتربيها. كما يعزز السلام جدوى مشاريع مثل ممر الشرق الأوسط، الذي يربط باكستان بأوروبا عبر تركيا.
عامل «عاصم منير» والمخاطر: إذ يمتلك شبكة علاقاته الشخصية وبرجماتيته حاسمة، كما منحته خبرته كمدير سابق للاستخبارات روابط عملياتية مع نظرائه الأمريكيين والإيرانيين. ومع ذلك، تواجه إسلام آباد مخاطر داخلية من المعارضة السياسية، التي قد تتهم الحكومة بالتبعية للأجندات الأمريكية، ومخاطر إقليمية تتعلق بتعقيد حساباتها الأمنية مع الهند وأفغانستان.
مصر، منظم الاستقرار الإقليمي:
اضطلعت مصر بدور منظم الاستقرار الإقليمي، القادر على الحد من توسع الأزمات، بما تتمتع به من ثقل دبلوماسي وعلاقات مع الولايات المتحدة ودول الخليج مع احتفاظها بقنوات اتصال غير مباشر مع إيران؛ كما شجعت الحوار ودعمت التهدئة والتنسيق بين الأطراف العربية والدولية
الموروث الدبلوماسي والمصالح الاستراتيجية: لم يكن بروز مصر كلاعب مركزي وليد الصدفة؛ فمنذ عام 2014م، تموضعت القاهرة كلاعب برجماتي يركز على الاستقرار الإقليمي والأمن البحري. فسيطرتها على قناة السويس تمنحها مصلحة مادية مباشرة في إنهاء التهديدات التي تطال طرق الملاحة. وقد انخرط وزير الخارجية «بدر عبد العاطي» في دبلوماسية منسقة مع تركيا وباكستان للدفع باستئناف المفاوضات.
الدوافع الاستراتيجية:
الأمن الاقتصادي: حماية إيرادات قناة السويس، التي يهددها الصراع بتحويل مسار التجارة نحو رأس الرجاء الصالح، مما يفقد مصر مليارات الدولارات سنوياً.
القيادة الإقليمية: تسعى القاهرة لاستعادة دورها القيادي في الدبلوماسية العربية عبر البرجماتية الاقتصادية لا الأيديولوجيا.
الشرعية الدولية: تأمين الدعم الغربي ومساندة صندوق النقد الدولي عبر التموضع كصانع سلام مستقل.
تمارس القاهرة عملية توازن دقيقة بين التضامن العربي والحياد الجيوسياسي، حيث تتجاوز القطيعة الرسمية مع طهران عبر قنوات هادئة وهياكل «تنسيق إسلام آباد».
تركيا، الوسيط متعدد المسارات
تُعد تركيا الأكثر نشاطًا، فهي عضو بحلف شمال الأطلسي ولديها شبكة علاقات إقليمي واسعة وعلاقات اقتصادية مع إيران. ومن ثم اعتمدت دبلوماسية متعددة المسارات، إذ انخرطت في وساطة مباشرة وغير مباشرة، ودفعت نحو استئناف المفاوضات، وشاركت في ترتيبات وقف التصعيد، وقد سعت لتوظيف موقعها الاستراتيجي وعضويتها في حلف الناتو للتوسط بين الشرق والغرب. ولعب وزير الخارجية «هكان فيدان» دوراً ملموساً في هذا التنسيق.
الدوافع الاستراتيجية: ترتبط خطط التعافي الاقتصادي التركي ومشروعات الممرات التجارية بالاستقرار الإقليمي. كما تسمح هويتها المزدوجة (حليف في الناتو وقوة إسلامية) بمخاطبة واشنطن وطهران في آن واحد.
النهج المؤسسي: تتسم وساطة تركيا بأنها مؤسسية تقودها الخارجية، مما يمنحها مصداقية دولية رغم حذر طهران من علاقات أنقرة بالناتو.
ثالثا: مسار إسلام آباد، هندسة الوساطة المتكاملة:
جمعت قمة إسلام آباد، 29 مارس 2026م، وزراء خارجية باكستان وتركيا ومصر والسعودية، مما بلور كتلة إقليمية جديدة. عززت من فرص احتواء هذه الأزمة المعقدة
آلية العمل: استند وقف إطلاق النار المعلن في 8 أبريل إلى مقترح من عشر نقاط شمل إعادة فتح جزئي لمضيق هرمز وتخفيف العقوبات الأمريكية على تجارة البتروكيماويات الإيرانية.
تكامل الأدوار: حشدت تركيا تفاهم الناتو، كما ضمنت مصر القبول العربي، بينما وفرت باكستان المقر والضمانات الأمنية.
ويعمل هذا التحالف الثلاثي بفعالية، بسبب «التكامل البنيوي» بين الأدوار:
باكستان: توفر الاتصال المباشر بإيران والمصداقية لدى المؤسسة العسكرية الأمريكية.
مصر: تضمن الشرعية العربية والسيطرة على الممرات البحرية.
تركيا: تجسر الهوة بين حلف الناتو والجيوسياسية الإسلامية.
رابعا: التحديات والآفاق المستقبلية
على الرغم من النجاحات، تواجه الوساطة تحديات تتمثل في تباين الأيديولوجيات وهشاشة الالتزامات الدفاعية، كما حدث في عدم تفعيل اتفاقية الدفاع السعودي-الباكستاني لعام 2025م، خلال الصراع. ومع ذلك، تشير الجداول الزمنية إلى جولات تفاوض جديدة في أواخر أبريل 2026م، قد تؤدي إلى إعلان وقف إطلاق نار شامل بحلول أوائل مايو.

