الرئيسية » الدراسات » ايران بالعبرية 15

ايران بالعبرية 15

الكاتب:

وتكشف الدراستان أن العالم العربي الذي تتعامل معه إسرائيل اليوم لم يعد ذلك العالم الذي كان يرى فيها شريكاً بلا تحفظات. فحرب غزة، والسياسات الإسرائيلية، وتراجع الثقة بأمريكا، جعلت «الحلفاء» أكثر حذراً تشككاً، وأكثر استعداداً للبحث عن بدائل. وأن إسرائيل قد تخرج من هذه الحرب منتصرة عسكرياً، لكنها قد تخسر أوراقاً مهمة في ملف تحالفاتها الإقليمية. والسؤال الذي تتركه الورقتان مفتوحاً مفاده: هل تستطيع إسرائيل استعادة الثقة المفقودة فيها، أم أن الضرر أصبح غير قابل للإصلاح؟
الورقة الأولى، بعنوان: دول الخليج في ظل الحرب مع إيران
تحلل هذه الورقة، الصادرة في 18 مارس 2026م، موقف دول الخليج (خصوصاً السعودية والإمارات) خلال الحرب مع إيران، والتي جرّتها إلى قلب المواجهة رغماً عنها. مستعرضة استراتيجية هذه الدول الحذرة، وتداعيات ذلك على إسرائيل.  وتمثل هذه الورقة، في مجملها قراءة استخباراتية هادئة لفهم سلوك حلفاء إسرائيل في لحظة حرجة. وتقدم تحليلاً عملياً للفرص والتحديات، ضمن رؤية تعكس مركزية إسرائيل للعالم، وتفترض استمرارية الوضع القائم الذي تقوده الولايات المتحدة دون طرح بدائل أو نقد جوهري للسياسات المسببة للحرب.
وتخلص الورقة إلى أن الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تحسن الموقف الاستراتيجي لدول الخليج، بل ربما جعلته أسوأ. وعلى الرغم من الأضرار الكبيرة التي لحقت بإيران، إلا أن النظام الإيراني أظهر صموداً ملحوظاً واحتفظ بأوراق الضغط الرئيسية في يده.
وتبدأ الورقة بتذكير القارئ بحقيقة أن الضمان الأمني الأمريكي هو حجر الزاوية في النظام الإقليمي، منذ النصف الثاني من القرن العشرين، ولكن هذا الضمان تعرض، في السنوات الأخيرة، للتحدي من حيث:
  • تزايد الشكوك حول مدى جدية الالتزام الأمريكي بأمن الخليج. يتزايد معها اتجاه بعض الدول الخليجية نحو تبني استراتيجيات أكثر اعتماداً على الذات.
  • محاولات صينية دؤوبة لزيادة نفوذها في المنطقة. تتوازى معها جهود إيرانية وإسلاموية مكثفة لتوسيع النفوذ الإقليمي.
وأن هذه التحديات دفعت بعض دول الخليج إلى تنويع تحالفاتها، وتعزيز علاقاتها الأمنية مع دول مثل الصين وباكستان، وفي الوقت نفسه محاولة تهدئة علاقاتها مع إيران لتخفيف التوتر.
  • الحرب، وما كشفت عنه:
    تقر الورقة بأن الحرب لم تخلق واقعاً جديداً بقدر ما عمقت واقعاً قائماً. فإيران، رغم الخسائر الفادحة التي تكبدتها، أظهرت قدرة على الصمود أمام هجوم مشترك من أقوى دولة في العالم (أمريكا) وإسرائيل. فقد ظهرت قيادة بديلة بسرعة، بعد اغتيال القادة، وبقيت أنظمة إطلاق الصواريخ مخبأة في الأنفاق، واستمر سلاح الطائرات المسيرة فعالاً ومهدداً. والأخطر أن الحرب لم تحقق أهدافها الاستراتيجية في تحييد التهديد الإيراني، وأن إيران احتفظت بأوراق الضغط الرئيسية:
  • القدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
  • القدرة على ضرب البنية التحتية الحيوية البرية في دول الخليج.
  • القدرة على تحريك وكلائها الإقليميين.
  • فجوة بين المعلن وغير المعلن: وصفت الورقة موقف دول الخليج بأنه كان على قدر كبير من الحذر. فهي دول دخلت الحرب على مضض، بعضها عارض الضربة على إيران، ليس من باب الشك في مبرراتها، بل لأنها توقعت أن تدفع ثمناً باهظاً. كما تكشف الورقة حجم الفجوة بين الخطاب الخليجي المعلن، الذي طالما عبر عن معارضة الحرب، وبين التحريض خلف الكواليس لمواصلة الحرب حتى زعزعة استقرار النظام الإيراني، أو على الأقل حتى تدهور قدراته بشكل كبير.
  • خليج ليس متجانسًا: من بين أهم النقاط الواردة في هذه الورقة تأكيدها أن دول الخليج ليست كتلة متجانسة. فقد كشفت الحرب عن اختلافات كبيرة بين الدول الست:
عُمان: الأكثر انفتاحاً على إيران، لم تعمل ضدها، وقد تنظر إليها إيران كشريك محتمل في مراقبة الملاحة في مضيق هرمز.
الإمارات: الأكثر تضرراً، اعترضت 537 صاروخاً أرض/ أرض، 26 صاروخاً كروز، و2,256 مسيرة، واتخذت الموقف الأكثر تشدداً.
السعودية: تبنت سياسة تحوط، دعمت الهجوم الأمريكي وسمحت بشن عمليات هجومية من أراضيها، ولكنها تجنبت الانضمام المعلن للهجوم وحافظت على حوار مع إيران.
البحرين: سعت لإصدار قرار أممي تحت الفصل السابع الذي يسمح باستخدام القوة.
قطر: واصلت سياستها المتناقضة ظاهرياً، فسمحت لأمريكا بالعمل من أراضيها، وحاولت في نفس الوقت التوسط بين إيران وأمريكا.
الكويت: وقفت إلى جانب أمريكا وتعرضت لهجمات ثقيلة.
  • الحرب، وما أسفرت عنه
    تفسر الورقة سلوك دول الخليج (باستثناء الإمارات) بأنه نابع من تقييمها أن النظام الإيراني سيبقى. في نظرها، الرد العسكري العلني لم يكن ليوقف الهجمات، ولم يكن ليحقق مكاسب عسكرية ذات معنى، والأهم من ذلك، كان سيزيد من الرد الإيراني ويعرض للخطر إمكانية العودة إلى سياسة التهدئة. باختصار، كانت تراهن على البقاء بعد الحرب، وليس على النصر فيها. ربما يكون الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في هذه الورقة هو تحليلها لمشكلة البدائل، التي تواجه دول الخليج. فالسياق الاستراتيجي الجديد يفرض عليها إعادة تقييم موقعها، لكن المشكلة أنها لا تملك بدائل جيدة.  من حيث:
لا قوة عالمية بديلة: الصين وروسيا تفتقران للإرادة السياسية أو القدرة العسكرية للتأثير في المنطقة مثل أمريكا.
تحالفات إقليمية هشة: باكستان وتركيا، رغم علاقاتهما القوية مع بعض دول الخليج، لم تؤثر وعودهما الأمنية على القرار الإيراني أو استخدامه للقوة.
إسرائيل ليست الحل: رغم قدراتها العسكرية، من الصعب أن ترى دول الخليج إسرائيل ضامناً لأمنها لأسباب ثلاثة: أولاً، ليس من الواضح أنها قد تنجح حيث فشلت أمريكا. ثانياً، يُنظر إليها في الأوساط الخليجية على أنها من دفع أمريكا إلى حرب تكاليفها عالية ومكاسبها متواضعة. ثالثاً، سياستها تجاه القضية الفلسطينية تثير شكوكاً جدية حول جدوى التعاون معها.
محدودية القدرات الذاتية: على الرغم من شراء أنظمة عسكرية متطورة، تبقى قدرات دول الخليج على خوض حرب عالية الكثافة ضد إيران محدودة.
ومن ثم تتوقع الورقة أن تستمر دول الخليج في استراتيجيتها المعتادة تجهيز عسكري، خاصة في الدفاع الصاروخي والمسيرات، والاعتماد المستمر على أمريكا لعدم وجود بديل أفضل، وتنويع الشراكات، ومحاولة خفض مستوى المواجهة مع إيران التي أثبتت قدرتها على الإيذاء وعدم وجود بديل أكثر أماناً للتعامل معها.
التعليق على الورقة
  1. تتميز الورقة بواقعية التحليل، فهي لم تبحث عما يجب أن تكون عليه الأمور، بل تحلل ما هي عليه فعلاً. وهذا نادر في الأدبيات الاستراتيجية التي غالباً ما تكون مشبعة بالأيديولوجيا، أو التمني.
  2. قدمت الورقة تفسيرا مقنعا لسلوك دول الخليج، فلم تختزله في التردد أو الخيانة أو الخوف بل قدمته كاستراتيجية عقلانية نابعة من قراءة هادئة لميزان القوى. إدراكًا منها أن إسرائيل وأمريكا قد تنتصران في الحرب، لكنهما ستغادران، بينما ستبقى إيران الجارة الدائمة. 
  3. أن الإصرار على أن دول الخليج كتلة واحدة هو تسطيح مضلل. ومن ثم أظهرت الورقة كيف أن كل دولة لها سياقها وحساباتها ومواقفها. فالإمارات، التي ترى نفسها كمركز تجاري ولوجستي عالمي، كان لديها ما تخسره أكثر من غيرها، فكان موقفها الأكثر تشدداً. بينما لعبت عُمان دوراً مختلفاً. 
  4. تعترف الورقة صراحة أن الحرب كشفت ثمن العلاقات مع إسرائيل، وأن هناك أصواتاً خليجية باتت ترى أنها مصدر لزعزعة الاستقرار وليست ضامنا له. وهي صراحة نادرة في الخطاب الإسرائيلي.
  5. تعاملت الورقة مع الحرب كأمر واقع، وناقشت كيفية إدارة تداعياتها، دون مناقشة شرعيتها، أو أسباب اندلاعها، أو تداعياتها الإنسانية والقانونية. فالحرب مجرد متغير يجب التكيف معه، وليس حدثاً يستوجب مساءلة. وهذا أمر مفهوم من معهد أمني إسرائيلي، لكنه يظل قيداً كبيراً على التحليل
  6. رغم إشارتها إلى عدم اليقين تجاه الالتزام الأمريكي، تبقى الورقة أسيرة الاعتقاد بأن أمريكا هي الضامن الوحيد. إنها لا تستعرض سيناريوهات بديلة لتحالفات إقليمية لا تقودها واشنطن. وكأن التفكير غير مسموح به. وهذا يعكس ربما قصوراً في الخيال، أو ربما التزاماً أيديولوجياً بالهيمنة الأمريكية.
  7. يتم اختزال إيران في كونها تهديداً خالصاً. فلا تحاول الورقة فهم دوافع السلوك الإيراني، أو تحليل البيئة الأمنية التي شكلت هذه الدوافع، أو البحث عن إمكانيات احتواء نفوذ إيران بطرق سياسية ودبلوماسية. هذا يكرس رؤية الصراع كمعادلة صفرية (نحن ضدهم)، مما يعيق أي تفكير جاد في حلول تفاوضية أو ترتيبات إقليمية بديلة.
  8. لا تسأل الورقة نفسها السؤال الأصعب: إلى أي مدى ساهمت السياسات الإسرائيلية والأمريكية في خلق الواقع الذي تشكوا منه الآن؟ هل كان ممكناً تجنب هذه الحرب؟ هل هناك طرق أخرى للتعامل مع التحدي الإيراني غير العسكرية؟ الورقة تتعامل مع الحرب كـ”كارثة طبيعية” وليس كنتيجة لقرارات بشرية يمكن نقدها وتقييمها.
في المجمل، الورقة تمثل إضافة قيمة لفهم التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي تجاه المنطقة العربية في لحظة حرب. نقاط قوتها تكمن في واقعيتها، وفهمها الدقيق للاستراتيجية الخليجية، واعترافها النادر ببعض الحقائق الصعبة عن العلاقة مع إسرائيل. أما نقاط ضعفها فتكمن في افتراضاتها غير النقدية، ونظرتها الأحادية، وهيمنة النموذج العسكري الأمني على حساب أي اعتبارات إنسانية أو قانونية أو سياسية أوسع
الورقة الثانية، بعنوان: نافذة استراتيجية جديدة لعلاقات إسرائيل والأردن  
تنطلق الورقة من حقيقة مفادها أن الحرب مع إيران جرت في أسوأ فترة توتر تمر بها العلاقات الإسرائيلية الأردنية منذ توقيع معاهدة السلام. ورغم هذا التوتر، يرى الكاتب أن التعاون الأمني المستمر بين البلدين، إلى جانب أن التحولات الإقليمية التي أحدثتها الحرب، تخلق فرصة لتعزيز هذه العلاقات. لكن تحقيق ذلك يتوقف على استعادة الحوار الرفيع المستوى، وزيادة الاهتمام الإسرائيلي بالمخاوف الأردنية في الملف الفلسطيني، واستغلال المظلة الأمريكية الخليجية لتوسيع التعاون.
وتضع الورقة المشهد بوضوح: منذ السابع من أكتوبر 2023، لم يلتق قادة البلدين ولا تحدثوا علناً، وعاد السفراء إلى عواصمهم، وجمدت المشاريع المشتركة الكبرى. هذا التدهور ليس وليد اللحظة، بل نتاج تراكمات:
أولاً، في الملف الفلسطيني: التصريحات الإسرائيلية المتكررة عن تشجيع “الهجرة الطوعية” للفلسطينيين من غزة والضفة، ورفض إقامة دولة فلسطينية، أثارت قلقاً عميقاً في عمّان. فمخاوف الأردن من أن تصبح “الوطن البديل” للفلسطينيين ليست جديدة، لكنها بلغت ذروتها مع حكومة إسرائيلية يمينية ترى في هذه الفكرة حلاً وليس تهديداً.
ثانياً، الخطوات الأحادية في الضفة: قرار الحكومة الإسرائيلية في فبراير 2026 بتسهيل شراء إسرائيليين لأراض في الضفة الغربية (بإلغاء قانون أرض يعود إلى الفترة الأردنية) فُسر في عمّان كتطبيق فعلي للسيادة الإسرائيلية، وكمسمار آخر في نعش حل الدولتين.
ثالثاً، المسجد الأقصى: استمرار التعدي على الوضع القائم في الحرم القدسي وإغلاقه أمام المصلين خلال رمضان زاد من الغضب الأردني، فالأردن يرى نفسه وصياً على المقدسات، وأي مساس بها هو مساس بهويته.
رابعاً، أزمة المياه: تجميد الأردن توقيع اتفاق “الازدهار” (مياه إسرائيلية مقابل كهرباء أردنية) في نوفمبر 2023، ثم قرار إسرائيل بعدم تجديد اتفاقية تزويد الأردن بـ50 مليون متر مكعب إضافية من المياه في نوفمبر 2025، ترك الأردن يعاني من عجز مائي حاد.
ويعترف كاتب الورقة باقتباس من مروان المعشر، أول سفير أردني لدى إسرائيل: الأردن كان يعتقد أن هناك دولة عميقة بإسرائيل تحمي المصالح الأردنية… إذا كان ذلك صحيحاً في الماضي، فهو بالتأكيد ليس صحيحاً اليوم. وتصف الورقة موقف الأردن بأنه حياد إيجابي، وهو موقف دقيق يتضمن ثلاثة عناصر:
  1. اعتراض الصواريخ الإيرانية التي تخترق المجال الجوي الأردني في طريقها إلى إسرائيل، دفاعاً عن السيادة الوطنية وليس خدمة لأي طرف.
  2. رفض استخدام الأراضي أو الأجواء الأردنية لشن هجمات على إيران.
  3. دعوات مستمرة لخفض التصعيد والحل الدبلوماسي.
لماذا هذا الموقف؟ تحدد الورقة أربعة اعتبارات رئيسية:
الأول: الرأي العام الداخلي. استطلاع للرأي نشرته الورقة (سبتمبر 2025) يكشف فجوة صادمة: 76.2% من الأردنيين يرون إسرائيل كتهديد رئيسي، مقابل 9% فقط يرون إيران كذلك. والأكثر إثارة: 90% يؤيدون أن يبقى الأردن محايداً أو يدعم حلاً دبلوماسياً، بينما 0.4% فقط يؤيدون التحالف العلني مع إسرائيل. في هذا المناخ، أي انحياز إسرائيلي علني سيكون انتحاراً سياسياً.
الثاني: المخاطر الاقتصادية والأمنية. توقف الغاز الإسرائيلي (الذي يولد معظم الكهرباء الأردنية) كلف الأردن خسائر تقدر بـ170 مليون دولار شهرياً. ارتفاع أسعار النفط، تراجع السياحة، كلها تضغط على اقتصاد أردني هش أصلاً.
الثالث: الشك في نتائج الحرب. السائد في الأردن أن إسقاط النظام الإيراني حلم بعيد المنال. فالنظام لديه قاعدة أيديولوجية متماسكة، وخطة أمريكا وإسرائيل غير واضحة. والأسوأ: انهيار إيران قد يعني فوضى وحرباً أهلية وتفككاً، وهذا أسوأ من النظام القائم.
الرابع: القلق من إسرائيل المنتصرة. هذه نقطة حساسة: كثيرون في الأردن يخشون أن تؤدي هزيمة إيران إلى إسرائيل “متعالية بقوتها، متغطرسة، وغير مقيدة”، تسعى لفرض نظام إقليمي جديد دون اعتبار للمصالح الأردنية. بعبارة أخرى: استبدال تهديد بآخر.
يقدم الكاتب أربع توصيات رئيسية لإسرائيل:
  1. استئناف الحوار السياسي الرفيع: فتح قنوات تواصل مباشرة مع القصر الملكي، وعدم الاكتفاء بالتنسيق الأمني. إدراك أن الأجواء العامة في الأردن تتطلب دبلوماسية هادئة تمهد الطريق لخطوات علنية.
  2. استغلال المظلة الأمريكية: أمريكا، كراعية لمعاهدة السلام وشريك استراتيجي للطرفين، يمكنها تشجيع التعاون الإقليمي، ومساعدة الأردن في تحمل تبعات الحرب الاقتصادية، وتعزيز قدراته الأمنية.
  3. مراعاة المصالح الأردنية في فلسطين: تجنب الخطوات الأحادية في الضفة (الضم، إضعاف السلطة)، لأنها تُقرأ في عمّان كتهديد وجودي. وهذا يشمل أيضاً الحفاظ على الوضع القائم في المسجد الأقصى.
  4. تعميق الشراكة الاقتصادية: العودة الفورية لاتفاقيات الغاز والمياه التي شكلت عموداً فقرياً للعلاقة، ودمج الأردن في مشاريع إقليمية كبرى مثل الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي (IMEC)، حيث موقع الأردن الاستراتيجي يجعله حلقة وصل طبيعية بين الخليج والبحر الأبيض المتوسط.
التعليق على الورقة
  1. الورقة تستحق قراءة متأنية لأنها تقدم شيئاً نادراً في الخطاب الاستراتيجي الإسرائيلي: اعتراف صريح بأن سياسات الحكومة الإسرائيلية ذاتها (في الضفة، الأقصى، المياه) هي السبب الجذري للأزمة، وليس فقط “تحريض” أردنيين أو عوامل خارجية. هذه الصراحة قد تكون مؤشراً على أن جزءاً من النخبة الأكاديمية الأمنية الإسرائيلية بدأ يستوعب أن استمرار تجاهل المصالح الأردنية له ثمن باهظ.
  2. لا تختزل الورقة الموقف الأردني بـ”تردد” أو “جبن”، بل تحلله كاستراتيجية بقاء ذكية. الأردن كما تصفه الورقة “حبل مشدود” بين قوتين: من جهة، تحالفه مع أمريكا واحتياجه للتنسيق الأمني مع إسرائيل ومنطقياً عداؤه للنفوذ الإيراني؛ من جهة أخرى، رأي عام معادٍ بشدة لإسرائيل، ومخاوف اقتصادية، وقلق من أن تؤدي هزيمة إيران إلى إسرائيل متغطرسة. هذا التشخيص دقيق ويعكس فهماً حقيقياً لتعقيدات الموقف الأردني.
  3. استطلاع الرأي الذي يستشهد به الكاتب (76% يرون إسرائيل تهديداً رئيساً، 0.4% فقط يؤيدون التحالف معها. يمنح التحليل موضوعية وقوة. هذه الأرقام تفسر بشكل قاطع لماذا لا يمكن للأردن أن يكون أكثر وضوحاً في تأييده لإسرائيل، حتى لو أراد.
  4. توصيات الورقة ليست ضبابية أو نظرية. إنها محددة: استئناف الحوار، استغلال أمريكا، تجنب الخطوات الأحادية في الضفة، العودة لاتفاقيات المياه والغاز، دمج الأردن في ممر IMEC. هذه خريطة طريق يمكن البدء في تنفيذها نظرياً. لكن السؤال: هل هناك إرادة سياسية؟
  5. رغم الاعتراف بالأخطاء، تبقى الورقة ضمن إطار “كيف نصلح صورتنا وندير حلفاءنا” وليس “هل سياساتنا الأساسية خاطئة؟”. إنها تناقش كيفية استمرار العلاقة مع الأردن في ظل استمرار الاحتلال، وليس كيفية تغيير سياسات قد تكون السبب الجذري للأزمة. القضية الفلسطينية تُعامل كـ”عامل إزعاج” يجب إدارته، وليس كجوهر الصراع.
  6. تنظر الورقة إلى الأردن كأداة لتحقيق الاستقرار الإقليمي والمصالح الإسرائيلية (ممر IMEC، منصة تعاون أمني) غاب التحليل حول كيفية بناء شراكة قائمة على الندية والاحترام المتبادل، وليس فقط على “إغراءات اقتصادية مقابل حياد سياسي. فالأردن شريك، ليس عميلاً.
  7.  الورقة تتجاهل فعلياً أن الأردن قد يسعى لتعميق علاقاته مع محاور أخرى (العراق، قطر، تركيا) كبديل أو موازٍ للعلاقة مع إسرائيل، خاصة إذا استمر الجمود الإسرائيلي. وكذلك تغفل أن بعض القوى الخليجية قد لا تكون متحمسة لدمج الأردن في مشاريع إقليمية إذا رأت أن ذلك سيخدم إسرائيل أكثر مما يخدم المصالح العربية.
  8. تبني الورقة توصياتها على افتراض أن الفرصة ما زالت متاحة. لكن السؤال: بعد سنوات من التوتر، وتجميد المشاريع، وتآكل الثقة، هل ما زال الأردن مستعداً للعودة إلى ما كان عليه؟ أم أن الضرر أصبح أعمق من أن تصلحه قنوات حوار أو مشاريع اقتصادية؟ كاتب الورقة يبدو متفائلاً، لكن القراءة المتأنية للوقائع قد تقود إلى استنتاج مختلف.
عند قراءة الورقتين معاً (ورقة دول الخليج، وورقة الأردن)، تبرز مقارنات مثيرة للاهتمام وتكشف عن نمط إسرائيلي موحد في التعامل مع “الحلفاء العرب”.
  • في الورقة الأولى، رأينا كيف تتبنى دول الخليج استراتيجية حذرة: لا تعلن الحرب على إيران، لكنها تسمح باستخدام أراضيها وتنفذ أعمالاً محدودة يمكن إنكارها. في الورقة الثانية، نرى الأردن يفعل الأمر نفسه تقريباً: “الحياد الإيجابي” هو الاسم الأردني لـ”المجازفة المحسوبة”. كلاهما لا يريد حرق الجسور مع إيران، وكلاهما يخشى أن يدفع ثمن حرب ليس طرفاً فيها، وكلاهما يراهن على أن النظام الإيراني سيبقى، فيريد علاقات معه بعد الحرب.
  • الورقتان تشيران إلى أن الحلفاء العرب لم يعودوا واثقين من جدوى الاعتماد الكامل على أمريكا. في الخليج، الشك في الالتزام الأمريكي يدفع لتنويع التحالفات. في الأردن، الشك يمتد ليشمل إسرائيل نفسها. مقولة المعشر التي يستشهد بها وينتر أن “الدولة العميقة” في إسرائيل التي كانت تحمي المصالح الأردنية لم تعد موجودة تعكس أزمة ثقة أعمق مما توحي به الورقة.
  • ورقة الخليج تركز على أن إيران هي التهديد المباشر، وأن الهاجس الخليجي هو كيفية التعامل مع هذا التهديد. ورقة الأردن تكشف أن الرأي العام الأردني يرى إسرائيل تهديداً أكبر من إيران (76% مقابل 9%). هذا فارق جوهري: بينما الخليج يتعامل مع عدو إقليمي، الأردن يتعامل مع عدو في تصورات شعبه أقرب وأخطر. وهذا يعني أن أزمة الأردن مع إسرائيل ليست مجرد خلاف استراتيجي، بل قضية وجودية وهوية، وهذا يجعل معالجتها أكثر تعقيداً.

اترك تعليقا