وفي هذا السياق، اكتسبت القمة الأميركية – الصينية، التي عقدت في بكين فيما بين يومي 13–15 مايو 2026م، أهمية استثنائية، ليس فقط لارتباطها بالتنافس الاقتصادي والتكنولوجي بين القوتين الأكبر عالمياً، بل بسبب انعكاساتها المباشرة على ملفات الشرق الأوسط أيضاً، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني وأمن مضيق هرمز والممرات البحرية الدولية. وتبرز المؤشرات السياسية والدبلوماسية الأخيرة وجود تقاطعات مهمة بين واشنطن وبكين حيال منع عسكرة الممرات البحرية ورفض تحوّل البرنامج النووي الإيراني إلى مشروع لإنتاج السلاح النووي، في وقت تتواصل فيه الضغوط العسكرية والدبلوماسية الأميركية على طهران، وسط حديث متزايد عن احتمالات التصعيد المحدود أو الذهاب نحو تسويات سياسية جديدة. وفي هذه الورقة، سوف نستعرض قراءة تحليلية للتفاهمات الأميركية – الصينية، وطبيعة الدور الصيني في إدارة الأزمة الإيرانية، واحتمالات المواجهة العسكرية، إضافة إلى انعكاسات هذه التحولات على العراق والتوازنات الإقليمية.
أولاً: التفاهم حول أمن الممرات البحرية:
تشير التصريحات السياسية الأخيرة إلى وجود توافق واضح بين الولايات المتحدة والصين بشأن ضرورة الحفاظ على أمن الممرات المائية الدولية، ومنع عسكرة مضيق هرمز، أو إغلاقه؛ باعتباره أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي وتدفقات الطاقة الدولية. ويعكس هذا التفاهم إدراكاً مشتركاً لدى واشنطن وبكين بأن أي اضطراب في الملاحة البحرية سوف يؤدي إلى تداعيات اقتصادية خطيرة على الأسواق العالمية، ولا سيما بالنسبة للصين، التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات النفط القادمة من الخليج العربي. كما يتسق الموقف الصيني مع مبادئ القانون الدولي التي ترفض فرض السيطرة الأحادية على المضائق الدولية أو استخدامها كورقة ضغط سياسية أو عسكرية. وينطبق ذلك أيضاً على باب المندب والبحر الأحمر، اللذين يشكلان جزءاً أساسياً من شبكة التجارة والطاقة العالمية. وتؤكد هذه المعطيات أن التنافس الأميركي – الصيني، على صعيد العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية، لا يلغي وجود مصالح مشتركة تدفع الطرفين نحو التعاون في الملفات المرتبطة باستقرار الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
ثانياً: رفض عسكرة البرنامج النووي الإيراني:
أحد أبرز محاور التفاهم بين بكين وواشنطن يتمثل في رفض تحوّل البرنامج النووي الإيراني إلى مشروع لإنتاج الأسلحة النووية. فالصين، رغم شراكتها الاستراتيجية مع إيران، لا تنظر بإيجابية إلى امتلاك طهران سلاحاً نووياً قد يقود إلى سباق تسلح إقليمي ويهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي. وترى القوى الدولية الكبرى أن امتلاك إيران للسلاح النووي سيؤدي إلى تغييرات جذرية في موازين القوى الإقليمية، وربما يدفع دولاً أخرى في الشرق الأوسط إلى تطوير برامج نووية مماثلة، ما يفتح الباب أمام مرحلة شديدة الخطورة من عدم الاستقرار. وفي هذا السياق، يبدو أن الصين تتبنى مقاربة قائمة على تحقيق توازن دقيق بين الحفاظ على شراكتها مع إيران، ومنع انفجار مواجهة شاملة قد تهدد مصالحها الاقتصادية الحيوية في الشرق الأوسط والعالم.
ثالثاً: المصالح الصينية في الشرق الأوسط:
ترتبط الصين بعلاقات استراتيجية واقتصادية واسعة مع إيران، أبرزها الاتفاقية طويلة الأمد الممتدة لـ25 عاماً، والتي تتضمن استثمارات ضخمة في قطاعات الطاقة والمعادن والبنى التحتية والثروات الطبيعية الإيرانية. غير أن المصالح الصينية لا تقتصر على إيران وحدها، بل تمتد إلى السعودية والإمارات والكويت والعراق ودول الخليج العربي، فضلاً عن الأسواق الأوروبية والأفريقية والأميركية. لذلك، تنظر بكين إلى استقرار الشرق الأوسط بوصفه ضرورة استراتيجية لحماية مشروعها الاقتصادي العالمي. ومن هنا، فإنها لا ترغب في الانخراط في أي محور عسكري أو أيديولوجي يقود إلى فوضى إقليمية واسعة، كما أنها لا تؤيد مشاريع التوسع أو الحروب المفتوحة التي قد تهدد الاستقرار الدولي. وفي المقابل، تدرك الولايات المتحدة أهمية الدور الصيني في التأثير على إيران، لكنها تركز بصورة أساسية على منع بكين من تقديم دعم عسكري مباشر لطهران أو المساهمة في تطوير قدراتها التسليحية خلال أي مواجهة محتملة.
رابعاً: التصعيد العسكري الأميركي: بين الردع والضربة المحدودة
على الرغم من استمرار الجهود الدبلوماسية، فإن المؤشرات العسكرية توحي بأن الولايات المتحدة تبقي جميع الخيارات مفتوحة. فقد شهدت المنطقة تعزيزات عسكرية أميركية وغربية واسعة، شملت انتشار الطائرات والقواعد الجوية والقوات البحرية في الخليج والبحر المتوسط والمحيط الهندي. ويعكس هذا الانتشار سياسة «الردع الاستراتيجي» التي تعتمدها واشنطن لإبقاء الضغط العسكري قائماً على إيران، بالتوازي مع المسار السياسي والدبلوماسي. وفي هذا الإطار، تبرز فرضية «الضربات الجراحية المحدودة» بوصفها الخيار الأكثر ترجيحاً في حال فشل الجهود الدبلوماسية، بحيث تستهدف مواقع عسكرية أو نووية محددة من دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وتشير بعض التقديرات إلى أن واشنطن تراقب بدقة التوترات الداخلية داخل إيران، بما في ذلك التباينات بين التيار الداعي إلى الحلول الدبلوماسية وبعض أجنحة الحرس الثوري التي تدفع باتجاه التصعيد والمواجهة.
خامساً: الصين بين الوساطة والتوازن الدولي:
تحاول الصين تقديم نفسها بوصفها قوة عقلانية تسعى إلى حماية الاستقرار العالمي، انطلاقاً من طبيعة مصالحها الاقتصادية الواسعة. فهي لا تتبنى بالكامل الرؤية الأميركية تجاه إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تؤيد السياسات التي تقود إلى زعزعة الأمن الإقليمي أو تهديد التجارة الدولية. وتدرك بكين أن مستقبل النظام الدولي لن يُحسم بالحروب التقليدية، بل عبر الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا وشبكات التجارة العالمية. لذلك، تسعى إلى استثمار موقعها كقوة اقتصادية كبرى لتحقيق توازن في علاقاتها مع واشنطن وطهران في آنٍ واحد. ويبدو أن هذا الدور يمنح الصين هامشاً مهماً للتحرك كوسيط أو طرف مؤثر في إدارة الأزمة، خصوصاً في ظل حاجات إيران الاقتصادية، ورغبة الولايات المتحدة في تجنب حرب شاملة مكلفة في الشرق الأوسط.
سادساً: العراق بين النفوذين الأميركي والإيراني:
يبقى العراق أحد أكثر الأطراف تأثراً بالتوتر الأميركي – الإيراني، نظراً لتشابك النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي داخل الساحة العراقية. ففي الوقت الذي ما زالت فيه إيران تحتفظ بنفوذ ملموس عبر قوى سياسية وفصائل مسلحة متحالفة معها، تبدو الولايات المتحدة أكثر تصميماً على إعادة تعزيز حضورها في بغداد، سواء عبر التعاون الأمني والعسكري أو من خلال العلاقات السياسية والاستراتيجية. وقد أدت التحولات الإقليمية بعد أحداث السابع من أكتوبر إلى زيادة الضغوط الأميركية على الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، بالتزامن مع تصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل إيران نفسها. كما أن استمرار الأزمات الداخلية الإيرانية، من تراجع اقتصادي وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع الخدمات، قد ينعكس مستقبلاً على طبيعة النفوذ الإيراني في المنطقة، بما في ذلك العراق.
خاتمة
تكشف التطورات الأخيرة أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة مفصلية تتداخل فيها الحسابات الدولية مع الأزمات الإقليمية، في ظل سعي الولايات المتحدة إلى احتواء إيران، ومحاولة الصين حماية مصالحها الاقتصادية ومنع الانفجار الشامل. وعلى الرغم من استمرار احتمالات التصعيد العسكري، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن القوى الكبرى ما زالت تفضّل إدارة الصراع ضمن حدود «الردع المتبادل» ومنع الانزلاق إلى حرب واسعة قد تهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة الدولية. وفي ضوء هذه المعادلات، ستبقى منطقة الشرق الاوسط، والعراق على وجه الخصوص، ساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية والإقليمية، بانتظار ما ستسفر عنه التفاهمات، أو المواجهات المقبلة بين القوى الكبرى وإيران.