وهو الأمر الذي تطلب منها تثبيت نظام إقليمي مستقر ومواتٍ لها بمنطقة الشرق الأوسط. يتضمن إبرام اتفاق مع إيران يعالج برامجها النووية والصاروخية دون الحاجة إلى التزام عسكري أمريكي دائم لحلفائها. تحقيق عدة أهداف أساسية، منها:
منع إيران من الاقتراب من «العتبة النووية» وإلا سوف لتوجيه ضربات وقائية ضدها.
منع إيران من ملء الفراغ وتقويض قدرتها على تهديد القوات والمصالح الأمريكية بالمنطقة.
حماية أمن الملاحة والطاقة؛ لأن إغلاق لمضيق هرمز، أو تهديده أمنه يمثل تهديدًا استراتيجيًا.
دعم إسرائيل وتعزيز دورها الإقليمي بوصفها ارتكاز استراتيجي رئيس لها، وتعزيز تقاربها العربي؛ لتشكيل تحالف إقليمي مناوئ لإيران.
غير أن تصلب المواقف الأمريكية والإيرانية جعل التسوية بينهما غير مرجحة. فقد تمحورت نقاط الخلاف الرئيسية بين الطرفين في ثلاث نقاط رئيسة:
رفض إيران التام لطرح برنامج الصواريخ الباليستية للتفاوض؛ نظرًا لأنه يمثل الخط الأحمر المطلق لها. على اعتبار أن هذا البرنامج ضروري لبقائها، وأنه حق سيادي لها غير قابل للتفاوض. ولذلك رفض وزير الخارجية «عباس عراقجي» مناقشة أي مقترحات أمريكية بهذا الشأن، خلال الجولات المتعددة للمفاوضات.
اختلاف الطرفين حول مسألة تخصيب اليورانيوم؛ فقد أبدت إيران استعدادها لتعليق جانب من برنامجها النووي، وتخفيض مستويات التخصيب؛ مقابل تخفيف العقوبات، بينما أصرت الولايات المتحدة وإسرائيل على تصفير هذا التخصيب تمامًا داخل إيران، بل وبضرورة تسليم المخزون المخصب لديها.
إصرار إيران على أن المفاوضات مسألة ثنائية مع الولايات المتحدة؛ ولهذا رفضت توسيعها ضمن إطار إقليمي، على اعتبار أن ذلك التوسيع يعد أداة لزيادة الضغط عليها.
وعليه، اتجهت جهود إنجاح المفاوضات نحو الفشل، وبدا كلا الجانبين مكبل بقيود الهيبة والدور؛ فقد رفع الحشد العسكري الأمريكي الضخم بالمنطقة من سقف التوقعات. وجعل التراجع دون تنازلات إيرانية بمثابة إراقة لماء وجه الرئيس ترامب، بل سوف يكون بمثابة ضربة سياسية له في الداخل وإهدارًا لهيبة الولايات المتحدة في الخارج. وفي المقابل وظف النظام الإيراني تأجج المشاعر الوطنية ورد الفعل القومي ضد الضغوط الأمريكية في تعزيز صورته الداخلية واستعادة القاعدة الجماهيرية المؤيدة له في الداخل، وتأكيد قوة إيران الإقليمية القادرة على مجابهة الولايات المتحدة ورفض أي تنازلات لها. على نحو جعل الحل السلمي لهذه الأزمة صعب المنال.
أولا: إعداد البيئة الإقليمية للحرب:
شهدت البيئة الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، قبيل اندلاع الحرب على إيران صباح يوم 8 فبراير 2026م، مرحلة من التعقيد الشديد، الذي تقاطعت فيه مسارات التفاوض مع مظاهر الحشد العسكري وتزايد رسائل الردع بين الولايات المتحدة وإيران، مع إشارات متبادلة باحتمالات التصعيد المنضبط. في ظل إصرار إسرائيلي مباشر على توجيه مسار الضغوط السياسية على إيران إلى الحرب معها.
وفي ظل التطورات المتسارعة التي شهدتها البيئة الإقليمية والدولية، لم تعد الأزمة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مجرد خلاف تفاوضي حول البرنامج النووي، بل تحولت إلى عملية استعداد لإعادة تشكيل مسرح العمليات بالمنطقة؛ فالتصعيد العسكري، والحراك الدبلوماسي، والهجمات السيبرانية، والتحركات الإقليمية المتشابكة، كلها كانت تعكس أن الأطراف المعنية تعمل على تهيئة البيئة الاستراتيجية للحرب، حتى وإن ظلت المفاوضات قائمة شكلا.
ويندرج هذا الهجين من الاستنفار العسكري والضغط السياسي، في الأدبيات الاستراتيجية، ضمن مفهوم خلق للظروف السياسية والعسكرية والنفسية المؤاتية التي تجعل خيار استخدام القوة ممكنًا ومبررًا. والذي تلجأ إليه الولايات المتحدة عادة عندما تنوي تعديل سلوك خصومها دون الانزلاق إلى الحرب. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن المنطقة شهدت إعداد متكامل للبيئة الإقليمية لاندلاع مواجهة عسكرية ضارية مع إيران. والتي تجلت مظاهرها ومؤشراتها فيما يلي:
الاستعدادات الأمريكية: من بين المؤشرات التي دلت على تهيئة المسرح الإقليمي للعمليات العسكرية، التحركات الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط. التي تزامنت مع الإعلان عن إرسال حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد فورد» (USS Gerald R. Ford) للمياه الإقليمية بالمنطقة، مع إمكانية إرسال أخرى؛ إذا فشلت المفاوضات مع إيران. كما تم نشر طائرات هجومية إضافية من طراز (F-15E Strike Eagle) وإبقاء قاذفات (B-2 Spirit) في حالة تأهب قصوى. مع نقل متواصل للأسلحة والذخيرة إلى القواعد الأمريكية بالمنطقة، على نحو كان يؤكد أن ثمة استعداد قتالي كامل ينتظر الأوامر بالتنفيذ.
وكان ذلك مؤشر دال على تطبيق الولايات المتحدة لمفهوم الدبلوماسية القسرية التي تستخدم فيها القوة وسيلة ضغط خلال المفاوضات. خاصة أن الاستعداد القتالي على الاتجاه الاستراتيجي الجنوبي لإيران، في ظل تفاقم الأزمة معها، كان يمثل أداة ردع نفسية وسياسية بقدر ما هو أداة عسكرية أيضًا.
وقد أكدت مراكز الدراسات الإيرانية أن الانتشار العسكري الأمريكي المتزايد بالقواعد المحيطة بإيران، وتمركز قاذفات (B-2) و (B-52) بقاعدة «دييجو جارسيا» بالمحيط الهندي، الواقعة على بعد ٤٠٠٠ كم منها، وخارج المدى الفعال لصواريخ إيران الباليستية، مثل «خرمشهر ٤» إضافة إلى أن تزويد حلفائها الإقليميين بقدرات عسكرية، وفقا لوثيقة الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026م، الداعية صراحة إلى الدمج الدفاعي بين إسرائيل ودول منطقة الخليج العربي عبر «اتفاق إبراهام» من شأن كل ذلك تغيير ميزان القوى لصالح خصوم الجمهورية الإسلامية ومنافسيها الإقليميين. لاسما أن واشنطن تعمل، منذ عدة سنوات، على تشكيل تكتل عسكري إقليمي قادر على مجابهة استراتيجية إيران للردع غير المتماثل.
الاستعدادات الإسرائيلية: سعت إسرائيل إلى الخيارات العسكرية؛ وتنفيذ عملية عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة، تستهدف تدمير المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية وأنظمة دفاعاتها الجوية وقواتها البحرية وقوات الحرس الثوري وقوات البسيج. وفي هذا الإطار أعلن رئيس الوزراء «بنيامين نتانياهو» (Benjamin Netanyahu) خلال اجتماعاته المتعددة في واشنطن أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يكون «بدون تاريخ انتهاء صلاحية» في إشارة إلى رفضه العودة إلى الاتفاق النووي، الذي سبق توقيعه عام 2015م
كما أشارت تقارير إعلامية إلى أن إسرائيل سعت إلى ضمان حرية العمل العسكري ضد إيران، حتى في حال التوصل إلى اتفاق نووي جديد معها، على نحو عكس استمرار العقيدة الإسرائيلية القائمة على توجيه ضربات وقائية ضد أي تهديد استراتيجي محتمل لها. وهنا يتعين أن نشير إلى أن خبراء معهد دراسات الأمن القومي (INSS) ومعهد القدس للدراسات الاستراتيجية، قدموا مقاربة مفادها أن إيران في ظل نظامها الحالي، يمثل التهديد الاستراتيجي الأكبر لأمن إسرائيل القومي، ومن ثم أكدوا ضرورة العمل على ضمان بقاء الخيار العسكري مطروحًا ضدها، مهما كانت نتائج المفاوضات معها؛ لمنعها من الوصول إلى قدرة نووية عسكرية بأي ثمن.
ومن ثم بدت محددات التصعيد العسكري من المنظور الإسرائيلي مفادها: أن وصول إيران إلى العتبة النووية يمثل الخطر الوجودي الذي يستوجب القضاء عليه، والقضاء على ما تبقى من تموضع إيران العسكري في لبنان خاصة في ظل دقة صواريخ حزب الله وتأثيرها على الداخل الإسرائيلي. ومن ثم؛ أصرت إسرائيل على توجيه ضربات استباقية لإيران، حتى لو لم تشارك واشنطن فيها. تشمل ضربات جوية مركزة ضد منشآتها النووية وحرب متعددة الجبهات. ولكن بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة
الاستعدادات الإيرانية: في مقابل التحركات الأمريكية والإسرائيلية ونواياهما الاستراتيجية للتصعيد العسكري، رفعت إيران أقصى درجات استعدادها العسكري. بما في ذلك الصواريخ بمداياتها وطرازاتها المختلفة والمسيرات التي أثبتت قدرتها على اختراق الدفاعات الأمريكية والإسرائيلية. كما استعرضت قدرتها على غلق مضيق هرمز، الذي يمر عبره ٢٠٪ من النفط العالمي وربع الغاز المسال، أثناء مناورات «حزام الأمن البحري ٢٠٢٦م» التي ضمت قطعًا إيرانية وصينية وروسية في الخليج وشمال المحيط الهندي. والتي أُجريت تعبيرًا عن التضامن مع إيران. وإرسال رسائل مفادها: أنها لم تعد معزولة. وأن الصين تؤكد حرصها على حماية مصالحها في أمن الطاقة واستقرار طرق الملاحة البحرية، وأنها على استعداد لتقدم بنية أمنية بديلة؛ تتحدى السيادة الأمريكية دون مواجهة مباشرة معها. بينما روسيا أرادت التنويه إلى أهميتها، بعيدًا عن الصراع في أوكرانيا، أن أي ضربة أمريكية لإيران سوف تزيد من مخاطر تصعيد أفقي يشمل قوى كبرى أخرى.
كما تبنت إيران استراتيجية تقوم على الدمج بين الردع العسكري والدبلوماسية النشطة. فقد عبر «أمير حاتمي» القائد العام للجيش الإيراني بوضوح عن هذه الاستراتيجية بقوله: إن «ميدان الدفاع وميدان الدبلوماسية يشكلان ساحة واحدة للدفاع عن مصالح البلاد». وهو أمر كان يشير أيضًا إلى أن إيران تحاول الحفاظ على المفاوضات، وتسعى في نفس الوقت إلى تعزيز استعداداتها العسكرية وإظهار قدرتها على الرد. خاصة أنها تتبنى استراتيجية الردع المتعدد المسارح، الذي توزيع فيها أدوات الردع على عدة جبهات إقليمية، وهو نموذج فريد من الردع غير المتماثل، القائم على محور المقاومة؛ والذي يجعل أي هجوم عليها من أي طرف مكلف للغاية، والمواجهة معها ذات طابع إقليمي واسع.
ومن أبرز مؤشرات استعداد إيران لمجابهة أي هجوم أمريكي وإسرائيلي عليها: التأكيد على أن البرنامج الصاروخي أمر سيادي غير قابل للتفاوض، مع تكثيف التحركات على المستوى الإقليمي؛ فقام «علي لاريجاني» أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بزيارة إلى سلطنة عمان وقطر. إضافة إلى التركيز على محور المقاومة، بوصفه إحدى أدوات الردع الإقليمي، ولذا التقى «لاريجاني» مع كبير مفاوضي جماعة «أنصار الله» في مسقط. في دلالة استراتيجية مهمة، مفادها أن إيران لا تزال تحتفظ بأوراق ضغط في عدة مسارح، تشمل منطقة البحر الأحمر والخليج وشرق المتوسط. ناهيك عن استعدادها لخوض حرب سيبرانية؛ إدراكا منها أن المجابهة الوشيكة لن تقتصر على الجانب العسكري، بل سوف تمتد إلى الفضاء السيبراني. ولذت، فقد أعلنت عن رصد أكثر من أربعة ملايين هجوم إلكتروني استهدف بنيتها التحتية وتعطيل جمع المعلومات الاستخباراتية، في إطار التصعيد العسكري المحتمل.
وفي هذا الإطار، أكدت تقديرات مراكز الدراسات الإيرانية أن التصعيد الأمريكي ضد إيران ليس مجرد أزمة عادية في العلاقات الثنائية بين البلدين، بل يعد نقطة تحول مفصلية يمكن أن تغير معادلات الأمن والاستقرار الداخلي بإيران لسنوات قادمة. خاصة أنه يأتي بالتزامن مع معاناتها من عدة أزمات معقدة، مثل ضعف محور المقاومة، واستمرار الضغوط الاقتصادية، وزيادة الانقسام الداخلي وهي التي تنتهزها إدارة ترامب، لإكراه إيران على الانصياع لشروطها
وقد أوصت هذه المراكز، وعلى رأسها مركز الدراسات الاستراتيجية والإقليمية (CSRS) بضرورة إفهام واشنطن أن أي هجوم عسكري على إيران سيواجه برد حاسم ومكلف، وأنه إذا نشبت الحرب فلا يمكن لأي طرف فيها أن يكون منتصرًا، وعلى الولايات المتحدة أن تدرك جيدًا أن احتلال إيران أمر مستحيل، وأن الحل الوحيد للأزمة هو التوصل إلى اتفاق معها، يحفظ لها كرامتها الوطنية ومصالحها الحيوية، ويحقق الأمن والاستقرار الإقليميين أيضًا. غير أن الحسابات الأمريكية والإسرائيلية كانت تتجه نحو المواجهة العسكرية الضارية، على نحو يعرِّض نظام إيران واستقراره لمخاطر جسيمة.
موقف دول الخليج العربية: بدى موقفها أكثر تعقيدًا. ففي الوقت الذي أخذت فيه إسرائيل تدفع المنطقة نحو المواجهة مع إيران، كانت هذه الدول تسعى لتحقيق توازن بين علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وبين حاجتها إلى تجنب التصعيد مع إيران، والذي قد يؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تهدد استقراها وأمن الطاقة العالمي. وفي هذا الإطار التقى السفير السعودي لدى طهران بمسؤولين إيرانيين لمحاولة منع التصعيد والحفاظ على مسار التهدئة. على الرغم من أن السعودية لا تزال ترى إيران خصمًا أيديولوجيا ومنافسًا استراتيجيًا لها.
وقد ارتبط إدراك دول الخليج للتصعيد المحتمل، بعدد من المحددات، بحكم جوارها الجغرافي مع إيران، منها أن أراضيها قد تكون ضمن المسرح الأول لأي تصعيد بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؛ خاصة في ظل وجود قواعد أمريكية في كل من: قطر (العديد) والبحرين (الأسطول الخامس) والإمارات (الظفرة) فضلا عن قرب منشآتها النفطية من مجال العمليات الإيراني.، إضافة إلى قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز إذا لزم الأمر؛ لإحداث أزمة طاقة عالمية، والتأثير على الاقتصاد الدولي. وبناء عليه تحسبت دول الخليج من أي تصعيد، وحاولت تجنبه. خوفًا من هجمات قد تشنها إيران عليها مباشرة، أو عبر وكلائها في العراق واليمن، وضد منشآت الطاقة، على غرار ما حدث في هجمات أرامكو 2019م.
ومن ناحية أخرى أعلن وزير الخارجية العراقي رفض بلاده استخدام القوة ضد إيران؛ لتجنب تحويل العراق إلى ساحة مواجهة بين القوى المتصارعة. خاصة أن العراق يمثل الحلقة الأضعف في أي صراع إقليمي محتمل. لا سيما أنه لا يزال يعاني من بيئة سياسية وأمنية داخلية متدهورة، تجعل من أراضيه ساحة صراع بالوكالة بين الفصائل الموالية لإيران والقوات الأمريكية، على نحو قد يعيد سيناريو ما بعد 2003م، ولكن هذه المرة في بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا.
ثانيا: الموقف الصيني والروسي:
لا يمكن فهم الأزمة بين إيران والولايات المتحدة دون النظر إلى موقف الصين ووسيا، بوصفهما حليفتين لإيران وشريكتين لها في موازنة النفوذ الغربي في المنطقة. خاصة أنهما كانتا تدركان أن معطيات هذه الأزمة وتفاقهما غير المبرر هو جزء من صراع متأجج على إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بمنطقة الشرق الأوسط؛ تسعى من خلاله الولايات المتحدة وإسرائيل إلى منع إيران من التحول إلى قوة إقليمية مهيمنة، في وقت تصر فيه إيران على تثبيت موقعها كفاعل رئيسي في النظام الإقليمي الجديد المزمع تشكيله.
ولهذا دعت الصين إلى ضرورة التمسك بالتفاوض؛ للتوصل إلى حل مرضى لجميع الأطراف؛ وذلك انطلاقا من حرصها على استقرار منطقة الخليج؛ الذي يمثل أولوية استراتيجية لأمن الطاقة العالمي. وقد ارتبط موقفها من التصعيد المتفاقم والصراع الوشيك بمنطقة الشرق الأوسط بعدد من المحددات من أهمها:
مصالحها الاقتصادية وأمن الطاقة؛ إذ إنها تعتمد على النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز، الذي يمثل نقطة اختناق لأكثر من 40% من وارداتها من النفط الخام؛ وبالتالي فإن اندلاع أي صراع سوف يعوق تدفقه إليها، على نحو قد يسبب صدمة لاقتصادها. ومن ثم على تشجيع التفاوض بين الأطراف المختلفة، عبر القنوات متعددة الأطراف.
خطر تعطيل مبادرة الحزام والطريق؛ ولذلك دعت لوقف التصعيد؛ مفضلة حل النزاع دبلوماسيًا، لأنها لن تكون لاعبًا عسكريًا مباشرًا في أي صراع محتمل، على نحو يعزز دورها كوسيط دولي صانع للسلام، تحت شعار الدعوة إلى تهدئة النزاعات
الشراكة الاستراتيجية مع إيران، والتي تشمل التنسيق في مجالات تدفق الطاقة والتجارة والشؤون العسكرية، كما توفر لها منصة لدعوتها لإقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب. ولكن هذه الشراكة لا تعني أنها قد تنجر إلى صراع ليس من صنعها. على الرغم من إدراكها أن أي حرب تشنها الولايات المتحدة لتغيير النظام في غيران سوف تؤدي إلى اندلاع صراع إقليمي، يؤثر على الأسواق العالمية
حماية الأصول الصينية ممثلا في حماية المواطنين الصينيين والبنية التحتية ومصالحها الاقتصادية مع دول الخليج العربية، التي بلغت عام ٢٠٢٤م، حوالي ٢٥٧ مليار دولار، متجاوزة بكثير التجارة مع إيران، التي تقل عن ١٤ مليارًا
وبناء عليه، بدت الحسابات الصينية تقول إنه في حال توجيه ضربة عسكرية لإيران، فلن تتدخل الصين فيها وستكتفي بإصدار بيانات الإدانة، والدعوة إلى ضبط النفس، واحترام القانون الدولي. تأكيدًا على كونها قوة عظمى مسؤولة تسعى إلى الاستقرار. كما أن اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل معها لا تعني أن الصين وقعت لإيران شيكًا على بياض؛ خاصة أنها ليست معاهدة دفاع مشترك تلزمها بدخول حرب نيابة عنها. وأن حاجة إيران إلى الصين أكبر بكثير من حاجة الصين إلى إيران. وأن اتفاقياتها الأخرى معها مدفوعة باعتبارات برجماتية محضة، وليس التزامًا بالعمل على حماية النظام الإيراني. كما أن مستثمريها يتعاملون مع إيران على أنها بيئة عالية المخاطر؛ بسبب عدم الاستقرار والفساد والعقوبات.
أما موقف روسيا، فكان يأتي ضمن رؤيتها أن أي محاولة لإعادة ترسيخ الهيمنة الأمريكية بمنطقة الشرق الأوسط، وأي حرب فيها قد يعرض مصالحها واستثماراتها في الطاقة والبنى التحتية للخطر؛ ولذلك دعت إلى تجنّب المواجهات العسكرية المباشرة، كما شجعت خفض التوتر من خلال المفاوضات وصولا إلى الحلول الدبلوماسية للأزمة. وقد ارتبط موقفها بعدد من المحددات:
التحسب من الحرب الشاملة؛ فقد دعت إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد العسكري، مؤكدة أن أي حرب بين واشنطن وطهران قد تكون كارثية على الاستقرار الإقليمي
اتفاقيات التعاون الاستراتيجية مع إيران؛ فموسكو لا ترتبط بمعاهدة دفاع مشترك مع إيران، ولكنها ترى أنها شريك مهم لها في الشرق الأوسط،
التحسب من أي تداعيات على مواقفها؛ خاصة أنها يمكن أن تقدم دعمًا سياسيًا لإيران، ولكنها لا تنوي التورط في حرب قد تستنزف قدراتها، لا سيما أن الصراع في أكرانيا لا يزال غير محسوم.
وهكذا، كشفت التطورات أن المنطقة أخذت تمر بمرحلة إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية لاندلاع صراع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. خاصة أن الحشد العسكري المتبادل والتحركات الدبلوماسية والهجمات السيبرانية كلها كانت تشير إلى أن جميع الأطراف المعنية أخذت تعمل على تهيئة المسرح الإقليمي للحرب وإعادة رسم حدود الردع وفرض شروط التوازن الجديد فيها.