وقد أسفر هذا التباين عن تصاعد الخلافات بينهما تدريجيًا؛ حيال مستقبل اليمن ووحدة أراضيه. حيث كانت السعودية تركز على تأمين حدودها الجنوبية، عبر تقويض قدرات أنصار الله الهجومية ومنع تحوّل شمال اليمن إلى منصة تهديد لعمقها الاستراتيجي وأمنها القومي. بجانب إعادة بناء سلطة مركزية موحدة، ضمن حسابات أوسع تتعلق بعلاقتها مع الولايات المتحدة والتوازن مع إيران. بينما كانت الإمارات تتبني مقاربة مختلفة، ركّزت فيها على جنوب اليمن والسيطرة على سواحله وجزره وموانئه الحيوية؛ لبناء نفوذ استراتيجي لها، عبر دعم قوى محلية مسلحة ذات نزعة انفصالية، ممثلة في المجلس الانتقالي الجنوبي. وقد تعمق هذا التباين مع صعود المجلس الانتقالي الجنوبي، على نحو عكس انخراط الإمارات في إعادة تشكيل الخريطة الأمنية في الجنوب، عبر إنشاء وتدريب «قوات الحزام الأمني» و«النخب» في شبوة وحضرموت ضمن رؤية إماراتية أوسع لأمن الممرات البحرية والسيطرة على النقاط الاستراتيجية. بينما ظلت الرؤية السعودية أكثر ارتباطًا بالمسار السياسي، أكثر من اعتمادها على العمليات العسكرية؛ ليتحول اليمن إلى ساحة لإعادة تموضع النفوذ الإقليمي لكل من السعودية والإمارات، وتتحول ديناميات تحالفهما الظرفي إلى تنافس استراتيجي، في ظل اختلاف حسابات الأمن القومي والمصالح الجيوسياسية. وقد أدى تحول المجلس الانتقالي الجنوبي، بدعم إماراتي شامل، إلى أداة لنفوذها باليمن، ومن كيان احتجاجي رافع لمطالب جنوبية، إلى فاعل سياسي–عسكري يسيطر على أجزاء واسعة من عدن ومحيطها، ويطرح مسألة إحياء انفصال الجنوب مرة أخرى، ويسعى لفرض واقع جديد يتجاوز «الشرعية» التي تدخل التحالف العربي لدعمها؛ مما فاقم التوتر بين طرفي هذا التحالف، خاصة حين سيطر المجلس الانتقالي على مؤسسات حكومية، بعد مواجهة قوات الحكومة المعترف بها دوليًا، عام 2019م، ليتضح أن هذا التحالف أصبح يضم مشروعين متنافسين، لكل منهما أدواته وأولوياته. صحيح أنه تم توقيع «اتفاق الرياض» في نوفمبر من نفس لعام، بوصفه آلية احتواء، إلا أنه ظل هشًا على مستوى التطبيق، وعاجزًا عن معالجة جذور التنافس السعودي الإماراتي. خاصة أنه ركّز على التقاسم الشكلي للسلطة، دون تفكيك البنى العسكرية التي أنشأتها الإمارات في الجنوب، مما أبقى ازدواجية السلطة والأمن. ومن جانبها، سعت السعودية إلى إعادة ضبط دورها في اليمن، عبر الانخراط في مسارات تهدئة مع جماعة أنصار الله، لتقليص انخراطها العسكري المباشر، على نحو عكس إدراكها لكلفة الحرب، ورغبة في الخروج من فخ استنزافها، حتى لو تطلّب الأمر إعادة تعريف أهدافها هناك. بينما أخذت الإمارات تعزز نفوذها في الجنوب وجزره الحيوية، مع تقليل ظهورها العسكري المباشر، معتمدة على شركائها المحليين. غير أن سيطرة الإمارات على الجزر والموانئ اليمنية، وعلى رأسها أرخبيل سقطرى ومينائي المخا وعدن، شكّل إحدى أبرز ساحات تفاقم التنافس غير المعلن مع السعودية. فبينما تنظر السعودية إلى هذه المواقع من منظور أمني وسيادي مرتبط بوحدة اليمن، تعاملت الإمارات معها كعقد استراتيجية ضمن شبكة نفوذ بحري تمتد من القرن الإفريقي إلى شرق المتوسط. وهو الأمر الذي أسهم في تعميق الفجوة بين الطرفين. ومن ناحية أخرى، لم يأت هذا التنافس بمعزل عن علاقة كل منهما بالولايات المتحدة. فقد ظل الدعم الأمريكي موجّهًا أساسًا للسعودية؛ بوصفها الشريك الأمني الأكبر. في حين استفادت الإمارات من هامش حركة أوسع سمح لها ببناء شراكات أمنية وسياسية متنوعة، بما في ذلك مع إسرائيل.وهو الأمر الذي انعكس على قدرة كل طرف منهما على المناورة داخل اليمن. ليتحول التحالف بينهما في اليمن من شراكة عسكرية قائمة على هدف مشترك، إلى علاقة تنافسية تُدار بحذر، يسعى كل طرف منهما إلى حماية مصالحه دون الوصول إلى صدام مباشر مع الآخر. على نحو يعمّق من فكرة تفكك الدولة اليمنية، وقد يؤدي إلى انفصال الجنوب عنها.
إدارة التنافس وحدود الشراكة: مع اتساع النفوذ الإماراتي في الجنوب، بدأت السعودية تتعامل مع الواقع الجديد بمنطق الاحتواء بدل المواجهة. فبدل الدخول في صدام مباشر مع الإمارات، سعت إلى إعادة ضبط العلاقة عبر أدوات سياسية وأمنية غير تصادمية، كان أبرزها رعاية اتفاقات تهدف إلى دمج القوى المدعومة إماراتيًا ضمن إطار الشرعية، دون المساس بجوهر نفوذها على الأرض.إدراكًا منها أن كلفة تفكيك النفوذ الإماراتي بالجنوب تفوق مكاسبه المحتملة غير أن هذه المساعي لم تضع حدا للتناقضات بين البلدين؛ فالسعودية، التي تنظر إلى اليمن بوصفه عمقًا أمنيًا وجيوسياسيًا لا يحتمل التفكك، وجدت نفسها أمام واقع تتآكل فيه فكرة الدولة الموحدة، بينما تترسخ كيانات محلية ذات ارتباطات خارجية؛ مما شكّل لها مصدر قلق استراتيجي. خاصة في ظل كثرة الحديث عن ترتيبات مستقبلية قد تُضفي طابعًا دائمًا على انقسام اليمن مرة أخرى بين شمال وجنوب. في المقابل، تعاملت الإمارات مع هذا الواقع بوصفه فرصة لإعادة تشكيل نفوذها الإقليمي وفق نموذج «الشراكات المحلية» لإدارته عبر فاعلين محليين موالين، دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر واسع في الجنوب اليمني، مما منحها قدرة على التأثير طويل الأمد، مع تقليل الكلفة السياسية والعسكرية. وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا التنافس على مسار الحرب مع جماعة أنصار الله الحوثي. في ظل غياب رؤية موحّدة داخل التحالف العربي المناهض لهذه الجماعة؛ مما أضعف قدرته على صياغة استراتيجية عسكرية وسياسية متكاملة. كما منح تباين المسارات داخله، أنصار الله هامشًا أوسع للمناورة، وأطال أمد الصراع. خاصة أن الولايات المتحدة تعاملت مع الوضع ببرجماتية، فقد ركّزت على ضمان استقرار حلفائها ومنع انهيار هذا التحالف، دون الانحياز لأي طرف على حساب الآخر. على نحو سمحباستمرار تنافسهما تحت سقف الشراكة، ودون تقديم حل للتناقض بينهما؛ ليتحوّل التنافس السعودي–الإماراتي إلى علاقة معقّدة، تُدار عبر التوازنات والاتفاقات المؤقتة، التي انعكست تداعياتها على بنية الدولة اليمنية ومستقبلها السياسي.
معضلة المجلس الانتقالي الجنوبي: لم يعد جنوب اليمن مجرد ساحة محلية لصراع حول السلطة، أو الهوية. بل تحوّل إلى عقدة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة. ارتبطت بإعادة تعريف موقع الجنوب داخل المعادلة اليمنية، ليس بوصفه تابعًا للشمال، بل كفضاء جغرافي–سياسي يمتلك موانئ وجزر وممرات بحرية ذات أهمية تتجاوز حدود الدولة اليمنية نفسها.على نحو حفز إحياء مسألة انفصاله، ولكن بصيغة جديدة أكثر تنظيمًا وتسليحًا وأشد ارتباطًا بالخارج. يبرز فيها المجلس الانتقالي الجنوبي كفاعل مركزي يمثل الجنوب سياسيًا وعسكريًا، منذ أن تأسس في 2017م، مستندًا إلى إرث طويل شعوره بالتهميش السياسي الذي أعقب وحدة شطري اليمن عام 1990م، وتبريره بأن الدولة المركزية فشلت في استيعابه ضمن نظام سياسي عادل. ولم يكن صعود المجلس الانتقالي الجنوبي هذه المرة نتاج حراك داخلي، بل نتاج دعم إماراتي شامل، مكّنه من التحول من حركة احتجاجية إلى سلطة أمر واقع. كما لم يكن هذا الدعم عشوائيًا، بل جاء منسجمًا مع رؤية إماراتية أوسع ترى في الجنوب اليمني، وموانئه وجزره، نقاط ارتكاز أساسية ضمن استراتيجية أمن بحري إقليمي، تمتد من خليج عدن إلى القرن الأفريقي؛ حيث خطوط الملاحة الدولية. وبالتالي كانت سيطرة المجلس الانتقالي على عدن كاشفة لحدود «الشرعية» خاصة أنه ظل خارج الاعتراف الرسمي كسلطة مستقلة، وجرى التعامل معه كفاعل لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية، أو أمنية. على نحو يكرّس انفصالًا بين الدولة المركزية وسلطته المدعومة خارجيًا.
معضلة الجزر والموانئ الاستراتيجية: لقد شكّلت الجزر اليمنية بدورها نقطة مركزية في هذا التنافس غير المعلن. ففي أرخبيل سقطرى، مثلًا، أثار الحضور الإماراتي المتنامي جدلًا واسعًا حول مستقبل السيادة اليمنية على هذا الأرخبيل الاستراتيجي. خاصة مع تقلص دور الحكومة المركزية. بينما حاولت السعودية موازنة هذا النفوذ عبر تعزيز وجودها السياسي، لكن دون الدخول في مواجهة مع الإمارات قد تهدد تماسك التحالف معها. خاصة أن أرخبيل سقطرى يمثّل النموذج الأوضح على تحوّل الجزر اليمنية من فضاء سيادي إلى عقدة نفوذ إقليمي. فموقعه الجغرافي عند تقاطع بحر العرب وخليج عدن يمنحه قيمة استراتيجية تتجاوز أهميته الديمغرافية والاقتصادية. مما دفع أطرافًا إقليمية إلى تكثيف حضورها فيه؛ مستفيدة من الحرب وضعف الحكومة المركزية وتراجع قدرتها على فرض سيادتها عليه. وقد أشارت تقارير صحفية دولية إلى أن هذا الأرخبيل أصبح جزءًا من شبكة أوسع لإدارة النفوذ البحري، وليس مجرد موقع تنموي. ولعل ربطه بالاستراتيجية البحرية الإقليمية يفسّر حساسية الموقف السعودي. كذلك مثل ميناء «المخا» على ساحل اليمن الغربي المطل على البحر الأحمر، ساحة أخرى للتنافس السعودي الإماراتي على النفوذ البحري وامتدادًا لتداخل مصالحهما. خاصة أنه يقع على مقربة من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية وإمدادات الطاقة. وأنيسيطر عليه يمسك بورقة ضغط استراتيجية. وترى السعودية أن يدخل ضمن معادلة أمن البحر الأحمر وحماية خطوط التجارة، بينما ترى الإمارات أنه امتداد لاستراتيجيتها البحرية العابرة للحدود في نفس السياق، برز ميناء «الحديدة» بوصفه نقطة التقاء بين الاعتبارات الإنسانية والاستراتيجية. خاصة أنه لا يمثل شريانًا حيويًا لدخول المساعدات فقط، بل موقعًا حساسًا في معادلة السيطرة على البحر الأحمر. ولهذا وأظهر الواقع الميداني أن السيطرة الفعلية على محيطه ظلت عنصرًا أساسيًا في حسابات النفوذ، سواء لدى الحوثيين أو لدى خصومهم. وقد أكدت التقارير الأممية أن أي تصعيد حول الحديدة ستكون له تداعيات تتجاوز الداخل اليمني، ليؤثر على أمن الملاحة الدولية. مما جعل من هذا الميناء ساحة تداخل غير مباشر لقوى دولية معنية بأمن البحر الأحمر. حتى وإن لم تظهر كأطراف في الصراع. ليتحول ميناء الحديدة إلى نموذج لكيفية تدويل المواقع الاستراتيجية داخل نزاع محلي. والحقيقة أن هذا التداخل أعاد تعريف الجنوب اليمني بوصفه جزءًا من معادلة أمن إقليمي أوسع وأصبح الصراع عليه يدور حول من يمتلك القدرة على التأثير في خطوط التجارة العالمية، وأمن الطاقة، والتوازنات البحرية. الأمر الذي منح المجلس الانتقالي وزنًا تفاوضيًا يفوق حجمه السياسي؛ بحكم سيطرته على المواقع الاستراتيجية. وهنا وجد المجتمع الدولي نفسه مضطرًا للتعامل مع واقع مركّب، تتداخل فيه قضايا السيادة، والإنسانية، والأمن الدولي. ولهذا فضّل التعامل بمنطق إدارة المخاطر بدل فرض حلول قد تهدد استقرار الملاحة. مما ساعد على تثبيت الواقع، بدل تغييره. وهكذا، تحول جنوب اليمن بجزره وموانئه، إلى ساحة لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي والدولي في ظل هشاشة الدولة وتفكك سلطتها مما جعل مستقبله مفتوحًا على سيناريوهات، تتراوح بين التسوية واستمرار الانقسام.
مستقبل التنافس السعودي–الإماراتي: مع دخول اليمن مرحلة الجمود النسبي لم يعد السؤال الأساسي هو «كيف تنتهي الحرب» بل «كيف يُعاد توزيع النفوذ بعدها» هذا التحوّل في طبيعة السؤال يعكس الانتقال من مرحلة الصدمات الكبرى إلى مرحلة إدارة التوازنات. التي تسعى من خلالها السعودية والإمارات إلى تثبيت مكاسبهما الاستراتيجية، لا إلى الحسم الشامل. وفي هذا السياق، أصبح اليمن ساحة اختبار لتوازن القوة الخليجية. وتدخل السعودية هذه المرحلة وهي تعيد تعريف دورها الإقليمي؛ فبعد سنوات من الانخراط المكلف في اليمن، باتت أكثر ميلًا لتقليل المخاطر والتركيز على أولويات «رؤية 2030«الأمر الذي دفها إلى اعتماد مقاربة برجماتية تجاه بعض القضايا الإقليمية، مفادها خفض التصعيد، والانفتاح المشروط على الخصوم، دون التخلي عن أدوات الردع. بينما تتعامل الإمارات مع ذات المرحلة من موقع مختلف. فبدل تقليص طموحها الإقليمي، سعت إلى تحويل نفوذها العسكري والسياسي إلى نفوذ اقتصادي وبحري وشراكات أمنية على نحو يمنحها القدرة على التأثير دون تحمّل أعباء القيادة التقليدية، ويجعل نفوذها أقل عرضة للاهتزاز مع أي تسويات محتملة. ولعل هذا التباين يفسّر لنا سبب انتقال التنافس السعودي الإماراتي من اليمن إلى القرن الإفريقي، ومن البحر الأحمر إلى الطاقة والاستثمار باليمن. وهو الأمر الذي ظهر في طريقة تعاملهما مع الجنوب؛ فالرياض تنظر إليه كجزء من أمنها الوطني ووحدة الدولة اليمنية، بينما تتعامل أبو ظبي معه كفضاء نفوذ قابل للإدارة عبر شركاء محليين. وقد انعكس هذا التباين أيضا على مفهوم «القيادة» الإقليمية. إذ لا تزال السعودية تُعدّ القوة الأكبر من حيث الوزن السياسي والديمغرافي والديني، بينما تتمتع الإمارات بنفوذ نوعي متزايد، يقوم على سرعة الحركة وتعدد الشراكات والقدرة على العمل في بيئات معقّدة. ويعكس هذا التباين انتقال الخليج من الهيمنة الأحادية إلى تعدد مراكز التأثير. في وقت لا تسعى فيه الولايات المتحدة، إلى ترجيح كفة على أخرى، بقدر ما تهدف إلى ضمان استقرار يسمح لها بالتركيز على أولويات عالمية أخرى مما يمنح السعودية والإمارات هامشًا لإدارة تنافسهما، ولكنه يقلص فرص ظهور قائد إقليمي واحد قادر على فرض رؤيته. أما إسرائيل، فتمثّل عنصرًا جديدًا في هذه المعادلة. فالتقارب الإماراتي معها، أتاح لأبو ظبي الدخول في شبكات أمنية وتكنولوجية متقدمة، عزّزت من قدرتها على أداء دور إقليمي يتجاوز حجمها التقليدي. وفي المقابل تحافظ الرياض على مسافة محسوبة تسمح لها بالاستفادة من التنسيق غير المباشر دون تحمّل الكلفة السياسية للتطبيع العلني. وهذا الفارق يمنح الإمارات تفوقًا تكتيكيًا في بعض الملفات، ولكن دون أن يترجم إلى قيادة خليجية. في هذا السياق، يظل اليمن مرآة لهذه التحولات. فغياب تسوية سياسية شاملة، واستمرار تعدد الفاعلين المحليين المدعومين خارجيًا، يعني أن اليمن سوف يظل ساحة نفوذ متداخلة، لا دولة مستقرة قادرة على فرض سيادتها هذا الواقع يخدم نموذج النفوذ الإماراتي أكثر مما يخدم النموذج السعودي التقليدي القائم على الدولة المركزية. وتشير معظم السيناريوهات إلى أن الخليج سوف يتجه، على المدى المتوسط، نحو توازن مرن بين السعودية والإمارات، وليس الهيمنة المطلقة لأحدهما. وأن السعودية سوف تظل القوة المرجعية بحكم موقعها الديني وثقلها الاقتصادي، بينما سوف تواصل الإمارات لعب دور «القوة الذكية» القادرة على التأثير في نقاط استراتيجية محددة. وهو توازن قد يقلل من احتمالات الصدام، لكنه يطيل أمد الصراع غير المحسوم في اليمن.
من التنافس إلى تقاسم النفوذ: قد لا تشهد أن المرحلة القادمة حسمًا واضحًا لمن يملك زمام القيادة الإقليمية، بقدر ما ستشهد إعادة توزيع للأدوار. بحيث تقود السعودية المسار العام، وبينما تتحكم الإمارات في مفاصل نوعية، والولايات المتحدة تراقب وتدير من الخلف. ومن ثم ربما يظل اليمن بوصفه ساحات هشة، مسرحًا لتجربة هذه المعادلات وبعبارة أخرى، قد لا يتجه التنافس السعودي–الإماراتي نحو الحسم، بل نحو صيغة «تقاسم نفوذ غير معلن». فالسعودية تمتلك عناصر القيادة التقليدية: الثقل السكاني، الشرعية الدينية، العمق الجغرافي، والقدرة على التأثير في الملفات العربية الكبرى، لكنها أصبحت أكثر حذرًا في استخدام القوة المباشرة بعد كلفة اليمن. في المقابل، بنت الإمارات نموذج نفوذ يعتمد على التحرك السريع والتموضع في موانئ وجزر استراتيجية، وعقد شراكات أمنية مرنة. وهذا الاختلاف لا ينتج صدامًا صفريًا، بل توزيع أدوار. ويظهر هذا التوزيع في اليمن بوضوح؛ حيث تركز الرياض على المسار السياسي واحتواء الحدود والتهدئة مع الحوثيين عندما تقتضي المصلحة بينما تحافظ أبو ظبي على نفوذ فعلي في الجنوب عبر شركاء محليين، دون إعلان أهداف انفصالية صريحة، لكنها لا تمنع ترسيخ واقع جنوبي مستقل وظيفيًا يخدم نفوذها ويُربك النموذج السعودي القائم على الدولة المركزية. وقوم الولايات المتحدة بإدارة هذا التوازن. خاصة أنها تحتاج السعودية لاستقرار أسواق الطاقة والتوازن الإقليمي، وتحتاج الإمارات كحليف أمني وتقني نشط؛ لذلك لا تدفع باتجاه زعامة خليجية أحادية، بل نحو استقرار يسمح لها بتقليل الانخراط المباشر. هذا النهج يطيل أمد الملفات العالقة، وفي مقدمتها اليمن. في وقت يمنح التقارب الإماراتي–الإسرائيلي أبو ظبي تفوقًا نوعيًا في التكنولوجيا والأمن البحري. بينما تبقي السعودية الباب مواربًا، مستفيدة من التنسيق غير المباشر دون دفع كلفة سياسية داخلية. هذا الفارق يعزّز «تفوق النقاط» للإمارات، لا «القيادة الشاملة». أي أنهلا قائد إقليمي واحد؛ بل هناك سعودية تقود المسار العام، وإمارات تتحكم في مفاصل نوعية، وولايات متحدة أمريكية تُدير السقف، واليمن هو الساحة التي تُختبر فيها هذه الصيغة.