الرئيسية » الدراسات » حقوق النساء والفتيات في الأراضي الفلسطينية المحتلة بين القانون الدولي والواقع الميداني

حقوق النساء والفتيات في الأراضي الفلسطينية المحتلة بين القانون الدولي والواقع الميداني

الكاتب:

ولهذا، ليس بمقدورنا قراءة وضع المرأة الفلسطينية بمعزل عن ثلاث دوائر متداخلة: دائرة الاحتلال وسياساته، ودائرة البنية القانونية والمؤسسية الفلسطينية، ودائرة المجتمع الدولي وآليات المساءلة. فالمرأة الفلسطينية تتحرك ضمن فضاء قانوني مزدوج، تتنازع فيه الالتزامات الدولية مع وقائع السيطرة الميدانية. خاصة أن تقييم حقوقها في هذا السياق يقتضي مقاربة تربط بين معايير الحماية الدولية وأنواع الانتهاك، وقدرة الفاعلين المحليين والدوليين على تحويل الالتزام القانوني إلى حماية فعلية قابلة للقياس.
لقد كشفت لنا أحداث 7 أكتوبر 2023م، وما أعقبها من إبادة جماعية مارستها قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة، عمق الفجوة بين الإطار القانوني الدولي والقدرة على إنفاذه، في ظل تعثر آليات المساءلة الدولية والتجاذبات العالمية. وعليه، فإن تحليل وضع المرأة الفلسطينية بعد هذا التاريخ يتطلب مقاربة متعددة المستويات تربط بين القانون الدولي الإنساني، وديناميات الحرب غير المتكافئة، وتحديات الحماية الإنسانية، بوصفها عناصر متداخلة تحدد مسار حقوق المرأة بين النص القانوني والواقع الميداني.
لقد دخلت الأراضي المحتلة، منذ 7 أكتوبر 2023م، مرحلة تصعيد عسكري واسع النطاق انعكس بصورة مباشرة على المدنيين، وبشكل خاص على النساء والفتيات. وخلال عامي 2024 و2025م، شكّلت النساء والأطفال أكثر من 60% من الضحايا في قطاع غزة في مراحل متعددة من العمليات العسكرية وبحلول نهاية 2025م، تجاوز عدد المصابين 90,000 إصابة، مع نسبة مرتفعة من الإصابات البليغة، التي تتطلب علاجًا طويل الأمد في ظل انهيار تدريجي للمنظومة الصحية.
ولم تقتصر تداعيات ذلك على الخسائر المباشرة، إذ تشير دراسة علمية منشورة في مطلع عام 2026م، إلى أن الوفيات غير المباشرة المرتبطة بانقطاع الخدمات الصحية ونقص الوقود وتعذر الوصول إلى العلاج قد ترفع الحصيلة الفعلية للنزاع إلى مستويات تفوق الأرقام الموثقة رسميًا، نتيجة ما يُعرف بالوفيات الزائدة المرتبطة بالأزمات الممتدة ويشمل ذلك نساءً حوامل ومصابات بأمراض مزمنة تعذر عليهن الحصول على الرعاية المنتظمة
خاصة أن أكثر من 75% من المرافق الصحية في قطاع غزة خرج عن الخدمة كليًا أو جزئيًا، بحلول نهاية 2025م وفي وقت كان عدد الحوامل في القطاع يُقدر بنحو 50,000 امرأة خلال فترات التصعيد المتعاقبة، في ظل نقص حاد في الغذاء والمياه الصالحة للشرب والأدوية الأساسية، مع تسجيل ارتفاع في معدلات الولادة المبكرة وانخفاض الوزن عند الولادة، إضافة إلى زيادة حالات فقر الدم وسوء التغذية بين النساء
أما في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، فقد شهد عامي 2024 و2025م، تزايدًا في أعداد القتلى، مقارنة بالسنوات السابقة، وزيادة عمليات الدهم والاعتقال، بما فيها احتجاز نساء، واستمرار عمليات هدم المنازل والإخلاء القسري، مما أدى إلى زيادة النزوح الداخلي فاقم من وضع النساء المعيلات
أولا: الوضع القانوني للأَراضي الفلسطينية المحتلة:
تعد المرحلة الحالية مرحلة «اختبار مصداقية» للمنظومة الدولية. خاصة أن الاستجابة المطلوبة لم تعد مقتصرة على الإغاثة، بل تتطلب تفعيل آليات إنفاذ قانونية، تربط بين «الحماية الجندرية» و«وقف العمليات العسكرية» لضمان عدم تحول القوانين الدولية إلى نصوص نظرية في مواجهة الأزمات الممتدة.
وتفصيلا، تخضع الأراضي الفلسطينية المحتلة لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949م، التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال بحماية المدنيين وضمان توفير الإمدادات الطبية والغذائية اللازمة لهم كما صدر قرار مجلس الأمن رقم (2728) بتاريخ 25 مارس 2024م؛ الداعي إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق كما أكدت أوامر قضائية دولية صادرة في يناير ومارس ومايو 2024م، بضرورة حماية المدنيين وضمان تدفق الإمدادات الأساسية
إضافة إلى أن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) التي، وقعت عليها إسرائيل عام 1986م، وصدقت عليها في 1991م تظل جزءًا من الإطار القانوني الملزم لها بحماية حقوق المرأة وضمان عدم التمييز ضدها. كما يؤكد قرار مجلس الأمن رقم (1325) لعام 2000م، بشأن المرأة والسلام والأمن التزام الدول بحماية النساء من العنف المرتبط بالنزاعات المسلحة وضمان إدماج منظور النوع الاجتماعي في الاستجابة الإنسانية وعمليات السلم والأمن.
وعليه، فإن الفترة الممتدة من 7 أكتوبر 2023 حتى فبراير 2026م، تمثل اختبارًا مباشرًا لمدى احترام إسرائيل لقواعد القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان، ولا سيما فيما يتعلق بحماية النساء والفتيات في ظل تصاعد العمليات العسكرية واستمرار القيود على الوصول الإنساني.
  • الاتفاقيات والمواثيق الدولية ذات الصلة (مرجعية الحقوق والالتزامات)
  • اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة: تُقر التزام عدم التمييز وضمان الحماية من العنف القائم على النوع، والحق في الصحة والخدمات الأساسية والإنصاف القانوني.
  • اتفاقيات جنيف (خاصة اتفاقية جنيف الرابعة 1949): تُلزم بحماية المدنيين تحت الاحتلال وضمان الإمدادات الطبية والغذائية وإتاحة الرعاية الصحية وحماية المرافق الطبية.
  • التوصية العامة رقم 30 للجنة CEDAW: تؤكد أن التزامات الدولة تجاه النساء لا تتوقف أثناء النزاعات أو الاحتلال، وتشمل منع العنف القائم على النوع، وضمان الوصول للخدمات الأساسية، والتحقيق والمساءلة.
  • العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ICESCR): يتصل مباشرة بالحق في الصحة والغذاء والماء والسكن—وهي حقوق تتأثر النساء بها بصورة غير متساوية في الأزمات الممتدة والنزوح.
  • اتفاقية حقوق الطفل (CRC): ترتبط بحماية الفتيات كأطفال وبضمان الرعاية الصحية والغذاء والحماية من العنف والاستغلال.
  • اتفاقية مناهضة التعذيب (CAT) والمعايير ذات الصلة بالاحتجاز والمعاملة: مهمة في توثيق أوضاع الاحتجاز وإساءة المعاملة التي تطال النساء والفتيات (في سياقات الاعتقال/الاحتجاز).
  • القرارات الأممية ذات الصلة بالحماية والإغاثة:
  • قرار مجلس الأمن رقم (1325) لسنة 2000م، وما تلاه ضمن أجندة «المرأة والسلام والأمن»: يرسخ حماية النساء أثناء النزاعات ومنع العنف الجنسي/القائم على النوع وإدماج منظور النوع في الاستجابة الإنسانية.
  • قرار مجلس الأمن رقم (2712) الصادر في نوفمبر 2023م: الداعي إلى فترات هدنة إنسانية عاجلة وممتدة وضمان وصول المساعدات دون عوائق، مع التأكيد على حماية المدنيين.
  • قرار مجلس الأمن رقم (2720) الصادر في ديسمبر 2023م، لأنشأ آلية أممية لتنسيق إدخال المساعدات إلى غزة وتسريعها، وطلب تعيين منسق كبير للشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار.
  • قرار مجلس الأمن رقم (2728) الصادر في مارس 2024م، الداعي لوقف فوري لإطلاق النار، خلال شهر رمضان، يقود إلى وقف مستدام، وأكد ضرورة توسيع تدفق المساعدات الإنسانية.
  • قرار مجلس الأمن رقم (2735) الصادر في يونيو 2024م، الداعم لمقترح لوقف إطلاق النار وتبادل المحتجزين، وأكد ضرورة الاستجابة الإنسانية واسعة النطاق ورفض أي تغيير ديمغرافي في غزة
  • أوامر محكمة العدل الدولية (2024م):
  • أصدرت محكمة العدل الدولية، في 26 يناير 2024م، أوامر تدابير مؤقتة ملزمة باتخاذ تدابير لمنع الأفعال المحظورة وضمان تحسين الوضع الإنساني
  • أصدرت المحكمة، وفي 28 مارس 2024م تدابير إضافية شددت فيها على ضرورة ضمان توفير الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية دون تأخير.
  • أصدرت المحكمة، في 24 مايو 2024م، أمرًا يتعلق بالعمليات في رفح، ودعت إلى وقف العمليات العسكرية التي قد تفرض ظروف حياة تهدد بقاء المدنيين، مع التأكيد على تسهيل دخول المساعدات على نطاق واسع
  • قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة (2023–2025م)
  • في 27 أكتوبر 2023م، اعتمدت الجمعية العامة القرار (ES-10/21) الذي طالب بهدنة إنسانية فورية وحماية المدنيين وضمان وصول الإغاثة
  • وفي ديسمبر 2023م، اعتمدت الجمعية العامة القرار رقم (ES-10/22) الذي جدد الدعوة لوقف إطلاق النار الإنساني الفوري والإفراج عن المحتجزين.
  • وخلال عامي 2024 و2025م، اعتمدت الجمعية العامة قرارات متكررة أكدت حق الشعب الفلسطيني في الحماية. كما أدانت الانتهاكات ضد المدنيين، مع الإشارة إلى الأثر غير المتناسب على النساء والأطفال
  • قرارات مجلس حقوق الإنسان (2023–2025م)
  • في أكتوبر 2023م، اعتمد مجلس حقوق الإنسان قرارًا خلال دورة استثنائية تناول تدهور حالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، ودعا إلى وقف الانتهاكات وضمان وصول المساعدات الإنسانية.
  • في أبريل 2024م، اعتمد المجلس قرارًا طالب فيه بوقف تصدير الأسلحة التي قد تُستخدم في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي، وأكد ضرورة المساءلة الدولية.
  • كما أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بالأرض الفلسطينية المحتلة تقارير دورية خلال عامي 2024م، و2025 تم، ناولت الأثر غير المتناسب للنزاع على النساء والفتيات، بما في ذلك العنف القائم على النوع الاجتماعي.
وهكذا، يتمحور الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة (2023-2026م) حول الفجوة بين تنفيذ القوانين والقرارات الدولية والواقع الميداني. وهو ما يمثل أيضا ضغطاً قانونياً على الاحتلال عبر مسارين:
  1. المسار القضائي الجنائي والإنساني: إذ تضع أوامر محكمة العدل الدولية(02024م) والقرارات الأممية (2728، 2735) حجر الزاوية للمساءلة، حيث انتقل التوصيف القانوني من «انتهاكات عادية» إلى «تهديد لوجود المدنيين» مع التركيز على إلزامية تدفق الإغاثة وحماية المرافق الطبية وفق اتفاقية جنيف الرابعة.
  2. المسار الجندري (حقوق المرأة): يمثل التمسك باتفاقية CEDAW والقرار 1325 أداة استراتيجية لتوثيق الأثر «غير المتناسب» للنزاع على النساء والفتيات. التحليل يشير إلى أن استهداف مقومات الحياة (الغذاء، الصحة الإنجابية، الحماية من العنف) يمثل خرقاً تعاقدياً دولياً يستوجب ملاحقة قانونية متخصصة.
ثانيًا: تداعيات الحرب الإسرائيلية على المرأة الفلسطينية:
تشير البيانات المحدثة حتى مطلع عام 2026م، إلى أن عدد القتلى في قطاع غزة، منذ 7 أكتوبر، 2023م، قد تجاوز 72,000 قتيل، فيما تخطى عدد المصابين 170,000 جريح خلال الفترة ذاتها.وتؤكد التقارير الأممية أن النساء والأطفال يشكلون نسبة مرتفعة من الضحايا المدنيين، في ظل ضراوة العمليات العسكرية الإسرائيلية واتساع نطاق استهدافها للمناطق المأهولة. كما قدرت تقارير مستقلة، نُشرت خلال 2024م، أن أعداد الوفيات قد تكون أعلى من الأرقام المعلنة؛ بسبب صعوبات التوثيق الناتجة عن تدمير المرافق الصحية والسجلات المدنية. إضافة إلى وجود جثامين لا تزال تحت الأنقاض.
وفيما يتعلق بالمرأة الفلسطينية تحديدًا، فقد أشارت تقارير جندرية صادرة في 2024م، إلى أن أكثر من 10,000 امرأة قُتلت خلال الأشهر الأولى من الحرب، من بينهن نحو 6,000 أم تركن خلفهن ما يقارب 19,000 طفل يتيم. ويعكس هذا الرقم أثرًا اجتماعيًا ممتدًا يتجاوز الخسائر المباشرة، حيث ترتب عليه ارتفاع عدد الأسر التي فقدت المعيل أو الأم الراعية وما يرتبط بذلك من تداعيات اقتصادية ونفسية
أما الإصابات، قد شملت قائمة الجرحى آلاف النساء اللاتي تعرضن لإصابات بليغة، بينها حالات بتر أطراف، وحروق، وجراح تتطلب تدخلات جراحية متكررة وعلاجًا تأهيليًا طويل الأمد. ومع تضرر أكثر من 84% من المرافق الصحية في غزة، أصبح الوصول إلى الرعاية المتخصصة محدودًا، مما أدى إلى تفاقم بعض الإصابات وتحولها إلى إعاقات دائمة
وعلى مستوى النزوح القسري، فتفيد تقارير الأونروا بأن ما بين 1.4 و1.9 مليون شخص نزحوا، منذ أكتوبر 2023م، وهو ما يمثل غالبية سكان غزة. كما شهد عام 2025م، موجات نزوح متكررة، إذ اضطر مئات الآلاف إلى الانتقال عدة مرات؛ نتيجة تجدد العمليات العسكرية في مناطق مختلفة. وقد ترك هذا النزوح تداعيات مباشرة على المرأة الفلسطينية، من بينها: فقدان مصادر الدخل، وارتفاع عدد الأسر التي تعيلها المرأة بصورة مفاجئة، والعيش داخل مراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى الخصوصية والأمان
وتشير تقارير إلى أن بيئات النزوح المكتظة، المقترنة بانقطاع الكهرباء وضعف الإضاءة ونقص الحماية، ساهمت في زيادة مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي داخل مراكز الإيواء. كما أن الضغط النفسي الناتج عن فقدان أفراد الأسرة وتكرار النزوح أدى إلى تفاقم معدلات القلق والاكتئاب بين النساء، خاصة الأمهات المعيلات. ما الفتيات، فقد تأثرن بشكل خاص نتيجة الانقطاع الواسع عن التعليم؛ بسبب تدمير المدارس أو استخدامها كملاجئ مؤقتة. إضافة إلى أن هذا الانقطاع يزيد من احتمالات التسرب الدائم من التعليم، ويرفع مخاطر الزواج المبكر في سياق الفقر وانعدام الأمن الغذائي. وعليه، يمكن القول إن المعطيات الموثقة حتى فبراير 2026م، تعكس نمطًا مركبًا من الضرر: خسائر بشرية واسعة، إصابات جسيمة، نزوح شبه جماعي وتفكك اجتماعي واقتصادي، كانت المرأة الفلسطينية في صلب تداعياته.
ثالثًا: انهيار النظام الصحي والحرمان المنهجي من الرعاية الحيوية:
تشير البيانات المتداولة عالميا حتى مطلع عام 2026م، إلى أن البنية الصحية في قطاع غزة تعرضت لانهيار ممتد، طال أكثر من 84% من المرافق الصحية، بين تدمير جزئي وكلي. مع استمرار خروج عدد من المستشفيات عن الخدمة؛ بسبب نقص الوقود، أو انقطاع الإمدادات الطبية
ولم يكن هذا الانهيار لحظيًا، ولكنه تراكم عبر أكثر من عامين من الضغط المتواصل، مما جعل الوصول إلى الرعاية الصحية الأساسية تحديًا يوميًا، خاصة للمرأة وهي في حالات الحمل، أو تعاني من وطأة الأمراض المزمنة
في هذا السياق، قُدّر عدد النساء الحوامل بنحو 50,000 امرأة، مع تسجيل ما يقارب 5,500 ولادة شهريًا في ظل نقص حاد في غرف العمليات والتخدير والمستلزمات الجراحية ومع محدودية وحدات العناية المركزة وحديثي الولادة، ارتفعت مخاطر النزيف الحاد وتسمم الحمل والولادات المبكرة، فيما أُجريت بعض الولادات في مراكز إيواء، أو منازل دون إشراف طبي كافٍ.
كما واجهت المصابات بأمراض مزمنة مثل السرطان وأمراض القلب والسكري صعوبة الحصول على العلاج؛ نتيجة تعطل منظومة الرعاية الطبية، وتقييد الحركة، ونقص الأدوية المتخصصة وفي حالات كثيرة، أدى انقطاع العلاج لفترات طويلة إلى خلق فجوة علاجية يصعب تعويضها لاحقًا.
كذلك تدهورت الحالة الصحية للحوامل والمرضعات في ظل أزمة غذائية ممتدة، فقد ارتفعت معدلات فقر الدم وانخفاض الوزن عند الولادة في كثير من الحالات، خاصة في بيئات النزوح المكتظة إذ يعيش ما بين 1.7 و1.9 مليون شخص في ظروف نزوح متكررة، على نحو قلل حصول المرأة على مياه نظيفة ومرافق صرف صحي آمنة، ومنتجات إدارة الدورة الشهرية ليدهن. الأمر الذي أدى إلى انتشار التهابات الجهاز البولي والتناسلي بينهن

 

رابعًا: الاحتجاز والانتهاكات داخل أماكن الاعتقال:
شكّل عام 2025م، نقطة تحول في سياسات استهداف الفلسطينيات عبر الاعتقال، إذ أظهرت المعطيات تصعيدًا عدديًا ونوعيًا في آنٍ واحد. فوفق البيانات الموثقة مطلع عام 2026م، تم تسجيل أكثر من 650 حالة اعتقال لنساء وفتيات فلسطينيات، خلال عام 2025م، وهو رقم يعكس اتساع نطاق الاستهداف ليشمل فئات متعددة منهن كما تشير المعلومات إلى أن أكثر من 200 امرأة خضن تجربة الاعتقال خلال العام ذاته، من بينهن 17 قاصر. إضافة إلى مسنات تجاوزت أعمار بعضهن 60 عامًا، بجانب مصابتين بالسرطان لا تزالان محتجزتين في ظروف صحية صعبة. وهو الأمر الذي يكشف أن الاعتقال لم يقتصر على فئة عمرية أو اجتماعية محددة، بل طال الطالبات الجامعيات بنسبة 18% من إجمالي الحالات، وكذلك الصحفيات والناشطات
ويبلغ عدد الأسيرات المحتجزات حاليًا 49 أسيرة، منهن قاصرتان، وأسيرتان معتقلتان قبل أكتوبر 2025م إضافة إلى استمرار احتجاز 24 أسيرة، هن أمهات لعشرات الأبناء حتى بعد موجات التبادل والإفراج، مما يشير إلى استمرارية السياسة العقابية الإسرائيلية تجاه المرأة الفلسطينية وعدم ارتباطها بظرف استثنائي ولم تقتصر انتهاكاتها ضد الفلسطينيات على الاعتقال ذاته، بل امتدت إلى ظروف الاحتجاز. ففي ديسمبر 2025م، تم توثيق سلسلة اقتحامات لسجن الدامون بتاريخ 12 مايو، وعمليتي قمع سومي 12 و14 من نفس الشهر واقتحام شامل بتاريخ 18 ديسمبر، تخلله إدخال كلب بوليسي وإلقاء قنبلة صوتية داخل قسم احتجاز الفلسطينيات. وقد تضمنت هذه العمليات: إجبار الأسيرات على الانبطاح أرضًا، وتقييد الأيدي وعصب الأعين، حرمان الأسيرات من الفوط الصحية، وإجبار بعضهن على استخدام قطع قماش متسخة أدت إلى التهابات حادة لهن. أضافة إلى منعهن من النوم بالملابس الشتوية، وتعمد وجود النوافذ بلا زجاج على الرغم من البرد القارس.
خامسًا: العنف الجنسي كأداة إذلال وضغط:
تشير تقارير 2025م، إلى أن الانتهاكات ذات الطابع الجنسي أخذت بُعدًا أكثر خطورة. فقد وثّقت شهادات عن تفتيش عارٍ متكرر، ولمس مناطق حساسة، وتهديدات مباشرة بالاغتصاب، وتركيب كاميرات في أماكن الاستحمام فيما وُصف بـ المراقبة الجنسية القسرية. وفي إحدى أخطر الحالات الموثقة، وردت شهادة لأسيرة من قطاع غزة اعتُقلت، عام 2024م، تعرضت خلال ثلاثة أيام فقط إلى أربعة اعتداءات جنسية كاملة، إضافة إلى تصوير الاعتداءات وتهديدها بنشر الصور
وقد أكد تقرير لجنة التحقيق الدولية الصادر في 14 أغسطس 2025م، أن مزاعم العنف الجنسي وسوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز تثير مخاوف جدية وتتطلب تحقيقًا مستقلًا وشفافًا، نظرًا لطبيعتها الخطيرة في سياق نزاع مسلح.
سادسًا: الآثار النفسية والاجتماعية طويلة الأمد:
مما لا شك فيه أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة قد ترك آثارًا نفسية واجتماعية عميقة وطويلة الأمد على النساء والفتيات. فقد أظهرت المعطيات الإنسانية أن النزوح القسري واسع النطاق، الذي شمل قرابة مليوني شخص، نصفهم تقريبًا من النساء، أدى إلى تدهور كبير في الاستقرار الأسري والاجتماعي. العيش في أماكن مكتظة، وغياب الخصوصية، وانعدام الشعور بالأمان، كلها عوامل تُراكم مستويات مرتفعة من القلق والضغط النفسي.
كما أن فقدان الأزواج والأبناء، وما ترتب عليه من تحوّل آلاف النساء إلى معيلات رئيسيات لأسرهن، خلق أعباء نفسية واجتماعية مضاعفة، في ظل بيئة تتسم بندرة الموارد واستمرار عدم اليقين. وهذا التحول القسري في الأدوار الأسرية يرتبط بارتفاع مخاطر الاكتئاب والإنهاك النفسي، خاصة لدى الأمهات اللاتي يتحملن مسؤولية الدعم العاطفي للأطفال في سياق صدمة جماعية.
وتشير تقارير الصحة الإنجابية إلى أن استمرار نقص خدمات طوارئ التوليد، والولادة في ظروف غير آمنة، وغياب مستلزمات النظافة الصحية، لا يخلّف آثارًا جسدية فقط، بل ينعكس أيضًا على الصحة النفسية للنساء، خاصة في ظل الشعور بفقدان الكرامة والأمان الجسدي كما أكدت تقارير حديثة أن النساء والفتيات ما زلن يواجهن تحديات كبيرة في الحصول على خدمات الدعم النفسي والاجتماعي خلال فترات التهدئة وإعادة التعافي
كما تحذر التقارير الدولية من أن استمرار القيود على وصول المساعدات، وتدمير البنية التحتية المدنية، يزيد من هشاشة النساء ويعمّق آثار الصدمة طويلة المدى. وتشير الخبرات المقارنة في النزاعات المسلحة إلى أن اضطرابات مثل القلق المزمن، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة قد تستمر لسنوات إذا لم تُعالج ضمن برامج دعم متخصصة ومستدامة.
وعليه، فإن الآثار النفسية والاجتماعية للنزاع على النساء والفتيات تمثل بُعدًا بنيويًا للأزمة، يتطلب استجابة تتجاوز الإغاثة الطارئة، لتشمل تعزيز خدمات الصحة النفسية، وإعادة بناء شبكات الحماية المجتمعية، وضمان مشاركة النساء في عمليات التعافي وإعادة الإعمار.
وهكذا، لم تكن المرأة الفلسطينية، على امتداد الأشهر التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023 م، مجرد متلقيات لتداعيات نزاع مسلح، بل كنّ في قلب تجربة إنسانية قاسية أعادت تشكيل تفاصيل حياتهن اليومية، وأدوارهن الاجتماعية، وشعورهن بالأمان والانتماء. فالخسائر البشرية، والنزوح القسري، وانهيار الخدمات الأساسية، وأوضاع الاحتجاز المزرية، لم تمثل أحداثًا منفصلة، بل حلقات مترابطة في سياق أوسع من التدهور المركب الذي طال النساء بصورة مباشرة وغير متناسبة.
والمرأة التي فقدت أحد أفراد أسرتها لم تفقد فقط سندًا عاطفيًا أو اقتصاديًا، بل وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن إعالة أسرة في بيئة منهارة. والنازحة التي انتقلت من مكان إلى آخر لم تخسر منزلها فحسب، بل خسرت خصوصيتها، وشبكات دعمها الاجتماعي، وإحساسها بالاستقرار. والفتاة التي انقطعت عن مدرستها لم تُحرم من التعليم فقط، بل من مساحة أمان وروتين يومي يمنحها شعورًا بالثبات في عالم مضطرب. والمحتجزة التي حُرمت من الرعاية أو عاشت في ظروف قاسية لا تحمل ندوبًا جسدية فقط، بل آثارًا نفسية قد ترافقها طويلًا.
والحقيقة أن أثر النزاع لا يقاس بعدد الضحايا فحسب، بل بما يتركه من تصدعات عميقة في نسيج الأسرة والمجتمع. فحين تُحرم المرأة من الرعاية الصحية، تتأثر صحة الأجيال القادمة. وحين تعيش الفتيات في بيئات تفتقر إلى الأمان والخصوصية، يتشكل وعيهن بذواتهن وبالعالم في سياق الخوف وعدم اليقين. وحين تتراكم الصدمات النفسية دون دعم كافٍ، يتحول الألم الفردي إلى عبء جماعي ممتد.
وفي مواجهة هذا الواقع، يظل الإطار القانوني الدولي واضحًا في تأكيده أن حماية النساء والفتيات في النزاعات المسلحة ليست ترفًا إنسانيًا، بل التزامًا قانونيًا صريحًا. فالقواعد المتعلقة بحظر التعذيب، وضمان المعاملة الإنسانية، وحماية المدنيين، وتأمين الوصول إلى الرعاية الصحية، وحماية النساء من العنف القائم على النوع الاجتماعي، تمثل حدًا أدنى لا يجوز النزول عنه تحت أي ظرف. غير أن النصوص القانونية، مهما بلغت دقتها، تظل غير كافية إذا لم تُترجم إلى ممارسات فعلية تضع كرامة الإنسان في المقام الأول.
إن استمرار المؤشرات المتعلقة بتدهور الأوضاع، وتقييد الوصول إلى الخدمات، وغياب المساءلة الفعالة، لا يقوّض فقط حقوق النساء والفتيات في الحاضر، بل يهدد مستقبل مجتمعات بأكملها. فكل صدمة غير معالجة، وكل انتهاك غير مُساءل عنه، وكل حرمان غير مُعترف به، يترك أثرًا يتجاوز اللحظة الراهنة.
وعليه، فإن حماية النساء والفتيات في هذا السياق تقتضي أكثر من استجابة إنسانية طارئة؛ إنها تتطلب إرادة حقيقية لضمان المساءلة، وتمكين الوصول غير المقيّد للمساعدات، وإتاحة الرقابة المستقلة، وإدماج منظور النوع الاجتماعي في جميع مراحل الاستجابة. كما تتطلب الاعتراف بأن العدالة ليست فقط محاسبةً على ما وقع، بل التزامًا بمنع تكراره.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن الحديث عن سلام مستدام في ظل استمرار معاناة المرأة الفلسطينية بهذه الصورة؟ إن أي مسار نحو الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتجاهل أصواتهن وتجاربهن القاسية وحقوقهن المهدرة. فكرامة المرأة ليست مسألة جانبية في زمن النزاع، بل معيار أساسي يُقاس به احترام القانون والإنسانية معًا، وهو المعيار الذي لا تعرفه سرديات الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، أو تعترف به.

اترك تعليقا