الرئيسية » الدراسات » (الحلقة الأولى) التصدير الاستراتيجي للثورة الإسلامية

(الحلقة الأولى) التصدير الاستراتيجي للثورة الإسلامية

الكاتب:

ومن ثم، ظهر مفهوم «التصدير الاستراتيجي للثورة «بوصفه جزءاً من بنية هذه الجمهورية، وليس مجرد توجه أيديولوجي. حيث سعت أجهزتها ومؤسساتها المعنية إلى نشر المذهب الشيعي خارج إيران، وبناء شبكات سياسية وعقيدية مؤمنة بمبادئ الثورة وقيمها، ومؤيدة لمواقفها السياسية، وقاعدة جماهيرية معبأة من المستضعفين المستعدين لحمل السلاح دفاعا عن نظامها «الولائي المقدس»
وقد مرت استراتيجية تصدير الثورة الإسلامية بثلاث مراحل رئيسة: الأولى هي مرحلة التبشير الثوري (1979 – 1990م) والثانية مرحلة بناء الشبكات السياسية (1990 – 2010م) والثالثة مرحلة النفوذ الجيوسياسي في الشرق الأوسط (2011 – 2023م)
ومن ثم فإن تصدير الثورة الإسلامية لم يكن مجرد شعار سياسي، بل استراتيجية إيرانية متكاملة متعددة المستويات قامت على: المنطلقات الفكرية والعقائدية واستخدام أدوات القوة الناعمة على المستوى الثقافي والتعليمي والإعلامي، مدعومة بآليات سياسية وأمنية. وأن هذه الاستراتيجية تحركت ضمن دوائر جيوسياسية متعددة، بدأت بمحيط إيران الإقليمي، ثم امتدت إلى العالم الإسلامي وأفريقيا، بهدف بناء شبكة نفوذ إيراني واسع. كانت محصلتها النهائية الاخلال بتوازن القوى الإقليمي.
وسوف تحاول هذه الورقة إلقاء الضوء على المنطلقات التاريخية والنظرية والقيمية والآليات التي استخدمتها إيران لكل دائرة من دوائر حركتها الخارجية، تمهيدًا للورقة الثانية التي سوف تتناول محور المقاومة الإسلامية، بنوع من التفصيل.
أولا: منطلقات التصدير الاستراتيجي للثورة:
تنقسم منطلقات التصدير الاستراتيجي للثورة الإسلامية إلى ثلاثة مستويات رئيسية: تاريخية ونظرية وقيمية.
  • المنطلقات التاريخية: تعود الجذور التاريخية للمشروع السياسي الشيعي في إيران إلى قيام الدولة الصفوية في عام 1501م، التي فرضت المذهب الشيعي الاثني عشري على المجتمع الإيراني، واعتمدته مذهبًا رسميا للدولة. على نحو أدى إلى تشكل هوية مذهبية متميزة لإيران عن محيطها الإسلامي السني. وعزز العلاقة العضوية بين «الهوية القومية» و«الهوية المذهبية» للدولة الإيرانية.
وفي هذا الإطار، نشأت علاقة متنامية بين المؤسسة السياسية (سلطة الدولة) المؤسسة الدينية (الحوزة العلمية) في النجف وكربلاء ثم قم، على نحو أدى إلى تعزيز نفوذ الفقهاء في الدولة ومنح للفقهاء الفرصة المؤاتية لأداء دور مهم في توجيه المجتمع ومواجهة السلطة السياسية أحياناً. فقد تنامى دورهم في الحياة السياسية ومناهضة النفوذ الأجنبي في إيران، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، بدءا من «انتفاضة التنباك» (1890م) و«الثورة الدستورية الإيرانية» (1906م) وحركة «تأميم النفط» بقيادة محمد مصدق (1950م) و«انتفاضة خرداد» (1963م) صولا إلى الحراك الثوري ضد نظام الشاه، الذي أفضى بدوره إلى تأسيس نظام ثيوقراطي، بعد الثورة الإسلامية (1979م) يهيمن عليه الفقهاء، دون غيرهم.
  • المنطلقات النظرية: يقوم الأساس النظري للاستراتيجية الإيرانية على نظرية ولاية الفقيه التي طورها آية الله الخميني، لتقوم على أن الفقيه الجامع للشرائط يمتلك الشرعية لقيادة الأمة وتدبير شئونها العامة في غيبة الإمام المهدي. وبهذا فقد أحدثت هذه النظرية تحولاً جوهرياً في الفكر السياسي الشيعي، إذ نقلت الفقهاء من موقع الولاية الأخلاقية والإرشاد الديني إلى الولاية التامة، من موقع القيادة السياسية المباشرة. وباتت هذه النظرية تحمل عدة دلالات استراتيجية؛ خاصة أنها فضت ازدواجية الولاء التي طالما ظلت مؤرقة لأي نظام سياسي في السابق، عندما مزجت السلطة الدينية وبالسلطة السياسية في كيان واحد، كما منحت القيادة الدينية شرعية فوق وطنية. كما أنها حملت بعداً عالمياً، من حيث إن ولاية الفقيه مسؤولياته لا تقتصر على إيران، بل تمتد إلى الأمة الإسلامية ككل. عندما عدت الثورة الإيرانية مشروعاً إسلامياً عالمياً وليس إيرانياً فقط. ومن ثم أصبحت الدولة نفسها أداة لنشر الثورة وقيمها في الخارج طوعًا أو كرها.
  • المنطلقات القيمية: اعتمدت الاستراتيجية الإيرانية على منظومة قيمية ذات بعد تعبوي، تضمنت بدورها عدة مفاهيم رئيسية، كونت في محصلتها الصورة الذهنية للجمهورية الإسلامية بوصفها مركزًا لنصرة المستضعفين في الأرض، والدفاع عن قضايا المسلمين وتحرير القدس، ومقاومة الاستكبار العالمي، مواجهة الهيمنة الغربية. وقد نجح الجهاز الدعائي الإيراني الترويج لهذه القيم، عبر خطاب يستهدف بناء قاعدة جماهيرية مؤيدة للمشروع الإيراني خارج حدوده، خاصة في المجتمعات الإسلامية التي تعاني من أزمات سياسية أو اجتماعية.
ثانيا: مكونات التصدير الاستراتيجي للثورة:
اعتمدت إيران حزمة من الأدوات الناعمة لتوسيع نفوذها الفكري والسياسي في الخارج، وهي:
  • المكون الثقافي: اعتمدت إيران الدبلوماسية الثقافية أداة لإعادة تشكيل الوعي الثقافي والديني في المجتمعات المستهدفة على نحو يجعلها أكثر تقبلاً لقيمها السياسية والفكرية، عبر إنشاء مراكز ثقافية في العديد من الدول، وإبرام اتفاقيات التبادل الثقافي معها، وتنظيم فعاليات ثقافية وفكرية ونشر الكتب والترجمات المختلفة التي تهدف إلى نشر الأدبيات الفكرية للثورة وبناء علاقات مع النخب الثقافية داخل دوائر حركتها، والتأثير في الرأي العام، وجعلها متقبلا للثقافة الإيرانية والفكر الشيعي
  • المكون الدعوي: يتمثل في النشاط الديني المباشر، الذي اعتمدته إيران لنشر المذهب الشيعي عبر إرسال الدعاة، ودعم المؤسسات والحوزات الدينية، وبناء المساجد والحسينيات، تنظيم الفعاليات المذهبية والترويج له على نحو يؤكد الصعود السياسي والطائفي للأقليات الشيعية في المجتمعات المستهدفة والمجتمعات، أو بيئات القابلة للتحول المذهبي.
  • المكون التعليمي: أولت إيران اهتماماً كبيراً بالتعليم باعتباره أداة استراتيجية طويلة المدى، فقدمت منحاً دراسية للطلاب الأجانب للدراسة في الجامعات الإيرانية واستقطاب الطلاب إلى الحوزات العلمية في مدينة قم. إلى جانب إنشاء مؤسسات تعليمية مرتبطة بالفكر الإيراني. وهو الأمر الذي اسفر في النهاية عن تكوين شبكة من النخب الفكرية والدينية في الدول الأخرى المرتبطة بالمذهب الشيعي وموالية للنظام الإيراني.
  • المكون الإعلامي: كونت إيران شبكة إعلامية واسعة تضم قنوات فضائية وإذاعات ومواقع إلكترونية متعددة اللغات، شملت: قنوات فضائية، وإذاعات دولية موجهة، ومواقع إلكترونية، ومجلات وصحف ومطبوعات فاخرة. استهدفت في مجملها: التأثير في الرأي العام الإسلامي، والترويج بفعالية لمقولات الثورة الإسلامية وخطابها السياسي وقيمها الطائفية، وتعزيز الصورة الذهنية لإيران بوصفها قوة مقاومة إسلامية ومناوئة للهيمنة الأمريكية والعدو الاسرائيلي
ثالثا: آليات التصدير الاستراتيجي للثورة:
  • دعم الجماعات الإسلامية: من أهم الوسائل التي استخدمتها إيران لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، عبر بناء شبكة نفوذ إقليمية من قوامها الحركات والجماعات الإسلامية المناوئة لإسرائيل والولايات المتحدة، حتى التي كانت لا تؤمن بمقولاتها المذهبية. فقدمت لها التمويل والتدريب والدعم السياسي والإعلامي. وتبنت خطابًا مؤسسًا لمفاهيم المقاومة للهيمنة والاستبداد، على نحو يعزز صورتها بوصفها مركزاً للمقاومة في العالم الإسلامي وقوة ثورية تقف إلى جانب الشعوب المستضعفة.
  • استخدام الأدوات الأمنية: استخدمت إيران، في بعض الحالات أدوات أمنية لتنفيذ عمليات عنف وإرهاب وتصفيات جسدية واغتيالات إما من باب الضغط السياسي أو لتحقيق أهداف جيوسياسية.
  • بناء حزام نفوذ طائفي: سعت إيران إلى بناء شبكة نفوذ سياسي واسعة، أو خلق حزام إقليمي يضم العراق وسوريا ولبنان وقطاع غزة، يكون بمثابة عمق استراتيجياً يضمن لها قدرة ردع إقليمية، وتأمين حدودها الاستراتيجية، والاقتراب من حدود إسرائيل، وتطويق شبه الجزيرة العربية، حيث المملكة العربية السعودية، خصمها الأيديولوجي والسياسي القوي.
  • التوسع الناعم في أفريقيا: لم تعد الاستراتيجية الإيرانية مقتصرة على منطقة غرب آسيا، بل امتدت إلى القارة الأفريقية، حيث الساحة المؤاتية للتحركات الإيرانية، وتوفر فرص التأثير في مجتمعاتها. ولذا أولت اهتماماً خاصاً بدوائر شرق وغرب وشمال أفريقيا لتوسيع نفوذها الثقافي والديني والاقتصادي؛ تمهيدًا لتحويلها إلى ساحة للمنافسة الجيوسياسية مع الخصوم والمنافسين بمنطقة الشرق الأوسط
رابعا: تطور استراتيجية تصدير الثورة الإيرانية:
شهدت استراتيجية تصدير الثورة تطوراً كبيراً، منذ بداية القرن الحادي والعشرين، خاصة أن المتغيرات الإقليمية كانت محفزة على هذا التطور، مثل التعاون التكتيكي بين إيران والولايات المتحدة لإسقاط نظام طالبان السلفي في أفغانستان، عام 2001م، وإسقاط نظام صدام حسين في العراق، عام 2003م، والفوضى الجيوسياسية الواسعة التي شهدها الإقليم، عام 2011م، ثم إبرام الاتفاق النووي، عام 2015م، وصولا إلى التحولات الاستراتيجية، التي بدأت في عام 2020م.
ومن ثم انتقلت استراتيجية تصدير الثورة من المرحلة «الاسلاموية» العامة، التي تميزت بالنشاط الدعوي والثقافي والتركيز على نشر الفكر الثوري، إلى المرحلة «الشيعوية» الخاصة التي استهدفت بناء منظومة نفوذ جيوسياسي، أو عمق استراتيجي في الشرق الأوسط. عبر توطيد التحالفات وتكوين المليشيات الطائفية والتمدد الأمني. وبعبارة أخرى أعادت إيران صياغة مفهوم تصدير الثورة تحت عنوان جديد هو «محور المقاومة الإسلامية» والتحول من استخدام القوة الناعمة إلى القوة المركبة، التي استخدام مزيج متكامل من أدوات القوة الناعمة (الإعلام والثقافة والتعليم) مع القوة الصلبة (الدعم العسكري والتدريب الأمني والتسليح) إضافة إلى القوة الهجينة (الحرب السيبرانية والحرب الإعلامية والحروب غير النظامية).

لتحميل الحلقة الاولي اضغط هنا:
(الحلقة الأولى)

اترك تعليقا