6 إيران بين عمليات التقويض من الداخل واستراتيجية قطع الرأس
الكاتب:

وأن هذه الاستراتيجية الرامية لتقويض إيران من الداخل قد بدأت، منذ اللحظة الأولى لخروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018م، الذي لم يكن مجرد خروج من ترتيب قانوني دولي، بل كان إيذاناً بالبدء في تبني هذه الاستراتيجية. غير أنه كلما كانت أهدافها تتحقق، كانت احتمالات اندلاع الحرب تزداد معها. خاصة أن إيران كانت تتعامل معها على أنها تهديد وجودي لنظامها وليس لا مجرد تعديل لسلوكه. ومن ثم، أخذت تكثف جهودها لتعزيز نفوذها الإقليمي استعدادًا لفرض معادلة تصعيد إقليمي جديدة. وهو الأمر الذي انتهى إلى أول صارع عسكري مباشر مع إسرائيل، في يونيو 2025م.
وكانت هذا الصراع «اختبار إجهاد» لإيران، من حيث إنها كشفت مدى قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على زعزعة استقرارها الداخلي، كما أظهرت قدرة إيران على الرد المتوازن، باستخدام صواريخ ومسيرات متطورة، على مدى اثني عشر يومًا. الأمر الذي جعل إعادة إنتاج الصراع وشيكًا مع إسرائيل. ولكن بصورة أكثر عنفاً وتعقيدًا، مع الأخذ في الاعتبار أن الداخل الإيراني والإسرائيلي سوف يكون مسرحاً لعملياتهما العسكرية المتبادلة، كما قد تتحول دول المنطقة إلى ساحة اختبار لنموذج جديد من الصراع الوجودي بينهما، الذي لا يعترف بقواعد الاشتباك التقليدية..
والحقيقة، أن حرب يونيو 2025م، كانت مجرد مرحلة تمهيدية للحرب التي لا تزال تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، منذ يوم 28 فبراير 2026م، بعد أن تعرضت إيران للضغوط وعمليات الإكراه كي تقبل بشروط تمس سيادتها الوطنية، أثناء المفاوضات التي جرت بينهما، قبيل شن هذه الحرب بأيام.
وفي هذا الإطار، سوف تتناول هذه الورقة بالتحليل تطور التفاعلات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بدءا من محاولات تقويضها من الداخل، وصولا إلى تنفيذ استراتيجية قطع الرأس.
أولا: التقويض من الداخل:
يشير مفهوم «التقويض من الداخل» إلى استراتيجية غير تقليدية تطبقها دولة ما، في صراعها مع دولة أخرى. تقوم على اختراق منظومتها الأمنية واستهداف نُخبتها العلمية والعسكرية لتقويض مشاريعها الاستراتيجية، دون الانخراط معها في مواجهة عسكرية مباشرة. وذلك باستخدام جملة من الأدوات مثل التجسس وشن الهجمات السيبرانية لتعطيل منشآتها الحيوية، وتصفية علمائها الذين يمثلون قاعدتها العلمية ورأسمالها البشري، والحرب النفسية؛ لزيادة الاحتقان وتهديد أمنها الداخلي. إضافة إلى اتخاذ سلسلة من التدابير التي من شأنها وضع هذه الدولة أمام جملة من التحديات المعقدة.
وقد لجأت الولايات المتحدة وإسرائيل في اللجوء التدريجي إلى هذه الاستراتيجية ضد إيران؛ بعد فشل سياسة الاحتواء المزدوج، عام 1994م؛ في منعها من التحول لقوة إقليمية قادرة على تهديد إسرائيل ودول الخليج. وقد تحولت هذه الاستراتيجية إلى تهديد حقيقي لإيران، بعد أن استغلت بعض الفوائض المالية الناتجة عن الرفع الجزئي للعقوبات، بموجب الاتفاق المُبرم معها، في يوليو 2015م، في مواصلة زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتقديم الدعم لمحور المقاومة والمليشيات الإرهابية الموالية لها، وتطوير قدراتها الصاروخية وبرنامجها النووي. وقد اشتملت هذه الاستراتيجية على ما يلي:
تشديد العقوبات الاقتصادية:
بدأت الولايات المتحدة، بعد انسحابها من ذلك الاتفاق، في 8 مايو 2018، في فرض سلسلة من العقوبات الصارمة على مختلف قطاعات إيران العسكرية والسياسية والاقتصادية، بدءا من 5 نوفمبر 2018م، وامتد نطاقها لتشمل معظم قياداتها ورموزها، وعلى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية والمؤسسات التابعة له. أعقبها إدراج مجموعة العمل المالي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (FATF) إيران على قائمتها السوداء في 21 فبراير 2020م، ثم تجديد الأمم المتحدة عقوباتها مرة أخرى عليها، يوم 20 سبتمبر 2020م، الأمر الذي دفع الداخل الإيراني نحو حافة الانهيار.
التطويق الجيوسياسي:
فرض انتصار أذربيجان على أرمينيا في الحرب التي اندلعت بينهما، 27 سبتمبر – 10 نوفمبر 2020م واقعًا جيوسياسيا جديدًا، مفاده تراجع وزن إيران النسبي ونفوذها بمنطقة جنوب القوقاز، مقابل زيادة الوزن النسبي لتركيا (المنافس) وتعزيز نفوذ إسرائيل (العدو) ودورها في تلك المنطقة. خاصة أن اتفاق وقف إطلاق النار بين طرفي هذه الحرب نص على إنشاء ممر يربط الأراضي الأذرية بإقليم «نخجوان» دون المرور بالأراضي الإيرانية، وممر آخر يربط الأراضي الأرمينية بإقليم «قره باغ»
كما أثمرت مساندة إسرائيل لأذربيجان في الحرب شراكة إستراتيجية وثيقة، وضعت أذربيجان بموجبها قواعدها العسكرية الواقعة على حدودها المشتركة مع إيران تحت تصرف الجيش الإسرائيلي، وسمحت لها بإقامة محطة للموساد قادرة على اختراق الداخل الإيراني والتأثير على تفاعلاته. إلى جانب إنشاء المواقع الإليكترونية التي أخذت تعمل على استدراج المجتمع إلى دائرة الصدام المباشر مع النظام، بوصفه نظاما قمعيًا للأقليات العرقية والدينية. وإذا أضفنا إلى كل هذا «اتفاقات إبراهام» التي اكسبت إسرائيل صفة الوجود الرسمي على السواحل العربية المقابلة لإيران؛ بالتوازي مع تعزيز الشكوك الأممية حول سلمية نواياها المتعلقة ببرنامجها النووي والصاروخي، وتأجيج مشاعر الكراهية تجاه نظامها وتوجهاته الإقليمية؛ لأدركنا أنها كانت جزءا من عملية تقويض إيران من الداخل.
شن الهجمات السيبرانية:
شهد عام 2020م، طفرة هائلة في العمليات السيبرانية بين كل من إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، فقد تعمد الجانبان تنفيذ هجمات سيبرانية ضد الأهداف الحيوية، فقد نجح الهجوم الإسرائيلي السيبراني في إفشال إطلاق القمر الصناعي «ظفر» إلى الفضاء، يوم 9 فبراير 2020م، ضمن هجوم سيبراني ضخم قطع شبكة الانترنت بالكامل عن عموم إيران. كما تعرضت منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم وتصنيع واختبار أجهزة الطرد المركزي لهجمة سيبرانية مدمرة، في 2 يوليو 2020م، أعقبها وقوع انفجار بمنشأة لإنتاج الوقود السائل للصواريخ البالستية بمجمع الصناعات العسكرية الضخم بضاحية «بارشن» قرب طهران يوم 26 يوليو 2020م، الذي لم يُسمح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخوله من قبل.
تصفية علماء البرنامج النووي والصاروخي:
نجحت وحدة «كيدون» الإسرائيلية، فيما بين عامي 2007 و2020م، في تصفية أبرز علماء إيران، الذين كانوا يمثلون ركائز مهمة في تقنيات تخصيب اليورانيوم والطرد المركزي، بدأته بـاغتيال المهندس «أردشير حسين بور» الخبير في الكهرومغناطيسية (2007م) و«داريوش رضائي نجاد» خبير نقل النيوترونات (2011م) و«مصطفى أحمدي روشن» مسؤول تطوير أجهزة الطرد المركزي بمنشأة نطنز (2012م) ثم توالت عمليات التصفية، فاغتالت، خلال عام 2020م، فقط، كلا من: «فريدون عباسي دواني» أستاذ العلوم النووية و«مسعود علي محمدي» الخبير بالمجال الكمومي وفيزياء الجسيمات، و«مجيد شهرياري» ثم العميد محسن فخري زاده (2020م) مؤسس ـ«هيئة البحوث الدفاعية المتقدمة» (SPND) المسؤولة عن تصميم الرأس النووي وتطوير أنظمة التفجير، والمشرف على مشروع «عماد» لتطوير صاروخ «شهاب 3» القادرة على حمل رؤوس نووية.
تصفية القيادات المسئولة عن محور المقاومة:
عقب اغتيال الولايات المتحدة اللواء «قاسم سليماني» (2020م) أخذت إسرائيل في تنفيذ مجموعة من العمليات المتتالية بحق بعض القيادات، فيما بين 2023 و2024م، التي استهدفت قادة الحرس الثوري داخل الأراضي السورية؛ لخلق فراغ في القيادة الموحدة لمحور المقاومة الإسلامية. ثم اغتالت «إسماعيل هنية» رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» و«فؤاد شكر» أحد أبرز قادة حزب الله (2024م) كما لا نستبعد أنها كانت وراء مصرع الرئيس الإيراني «إبراهيم رئيسي» (2024م) الذي أفسح مصرعه المجال أمام «مجتبى خامنئي» لخلافة والده في منصب المرشد الأعلى.
وقبيل اندلاع حرب يونيو 2025م، اغتالت إسرائيل اللواء «حسين سلامي» القائد العام للحرس الثوري، واللواء «محمد باقري» رئيس الأركان العامة، والعميد «سعيد إيزادي» قائد وحدة فلسطين بفيلق القدس والمنسق الميداني مع حركة حماس، والعميد «بهنام شهرياري» مسؤول نقل الأسلحة إلى حماس وحزب الله، وقائد الفرقة الثانية للطائرات المسيرة بالحرس الثوري. إضافة إلى قتل 15 ضابطاً وجندياً بسلاح الدفاع الجوي، و5 آخرين في منطقة «خرم آباد» بجنوب غربي إيران.
ثانيا: تداعيات التقويض من الداخل:
أدت الاغتيالات التي تمت حق علماء البرنامج النووي والصاروخي إلى دفع إيران لتشديد الإجراءات الأمنية على حساب الكفاءة؛ فاعتمدت على كوادر أقل خبرة على نحو أبطأ تقدم البرنامج النووي.
نجاح إسرائيل في اختراق منظومة إيران الأمنية ومؤسساتها الحساسة، ضمن استراتيجية تقويض إيران من الداخل، عبر شبكة تعمل بتنسيق مع الموساد وCIA ومنظمة مجاهدي خلق المعارضة.
أثار عجز أجهزة الأمن الإيرانية عن كشف العملاء بالداخل، تساؤلات حول كفاءتها، كما زعزع الثقة بين القيادة والأجهزة الأمنية من ناحية، وعمق الفجوة بين النظام والمجتمع وفاقم الإحباط العام من جهة أخرى. الأمر الذي قلل من قدرة النظام على التعبئة الشعبية وقت الأزمات.
أدى هذا الانكشاف الأمني إلى إحداث خلخلة في بنية النظام الإيراني على المستوى السياسي والأمني، وجعل الحرس الثوري مسيطرًا على القرارات السيادية المتعلقة بشئون الدولة الداخلية والخارجية.
شكل اغتيال سليماني نقطة تحول في الصراع بين إيران وإسرائيل، خاصة أنه كان الوجه الإقليمي لنفوذ إيران بغرب آسيا، والمسؤول عن تكوين وتمويل وتدريب وتسليح الميليشيات الموالية لها في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وبالتالي أربك اغتياله التنسيق الميداني بين محور المقاومة الإسلامية.
تراجع وزن إيران النسبي بمنطقة جنوب القوقاز، مقابل زيادة الوزن النسبي لتركيا (المنافس) وتعزيز دور إسرائيل (العدو) ونفوذها على حدود إيران الشمالية.
− اكتساب إسرائيل صفة الوجود الرسمي على السواحل العربية المقابلة لإيران؛ من خلال عمليات التطبيع مع دول الخليج، ضمن عملية تطويق النفوذ الإيراني على المستوى الإقليمي.
بدأت إيران تدخل مرحلة التحولات الهيكلية المتتابعة، في ظل تفاقم التحديات الاستراتيجية، التي تداخلت فيها الضغوط الداخلية مع الضغوط الخارجية المرتبطة بالتحولات الدولية، وعلاقاتها مع الصين وروسيا
أدت العقوبات القصوى التي فُرضتها الولايات المتحدة على إيران إلى إضعاف الاقتصاد الإيراني على نحو انعكس تصاعديًا على مستويات المعيشة، وأدى إلى تفاقم الغضب الشعبي، وارتفاع سقف المطالب الاقتصادية إلى المطالب الاجتماعية والسياسية الأوسع.
وضعت التحديات الداخلية والخارجية إيران أمام اختبار يتعلق بقدرتها على حماية استقرارها الداخلي، وإدارة الضغوط الخارجية المتزايدة، على نحو أصابها بحالة من الإرهاق الاستراتيجي.
ثالثا: استراتيجية قطع الرأس:
تمثل استراتيجية قطع الرأس إحدى أدوات القوة في العقيدة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، والتي استخدمتها في حربها الجارية ضد إيران؛ لتفكيك، أو إضعاف مراكز اتخاذ القرار، وإحداث انقسام داخل المؤسسة العسكرية والسياسية، على نحو يؤدي لعرقلة التنسيق بين مختلف الأفرع العسكرية، وإرباك منظومتها والعسكرية والأمنية، ومن ثم شل قدرتها على إدارة العمليات بشكل منظم، ومن ثم دفع النظام نحو الانهيار أو التغيير. وذلك عبر تصفية كبار قاداته وتدمير بنيتها الاستراتيجية. وعلى الرغم من أنها نجحت في تحقيق نجاحات تكتيكية في هذا الشأن، إلا أنها فشلت في تقويض هذا النظام حتى الآن. لعدة أسباب سوف نوردها في الحلقة السابعة.
وقد كشفت صحيفة «الأوبزيرفر» (The Observer) أن الولايات المتحدة وإسرائيل وزعا الأدوار والمهام بينهما؛ لتنفيذ هذه الاستراتيجية؛ فتولت إسرائيل ضرب مراكز القيادة بطهران وغرب إيران، بهدف قطع رأس النظام من خلال استهداف المرشد الأعلى وقادة الحرس الثوري القيادات الأمنية بأكملها. بينما تولت الولايات المتحدة ضرب مراكز القيادة والسيطرة، والبحرية الإيرانية، ومنصات وقواعد إطلاق الصواريخ، التي تهدد القواعد الأمريكية ومصالحها بمنطقة الخليج العربية.
وبالتالي بدأت القوات الأمريكية والإسرائيلية في شن هجوم كاسح على إيران يوم 28 فبراير 2026م، بموجة من الضربات المركزة التي أسفرت عن تصفية العشرات من القيادات العليا. إضافة إلى المئات من الضباط والقادة الميدانيين وكبار قادة القوات الحرس الثوري والبسيج وقادة أجهزة الأمن والاستخبارات. ناهيك عن المرشد الأعلى للثورة آية الله «علي خامنئي» ومعظم أركان السلطة السياسية.
ومن بين القادة الذين قضت عليهم هذه الضربات الفريق «عزیز نصیرزاده» وزير الدفاع، وخلفته «مجيد عبد الرضا» و«عبد الرحيم موسوي» رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، و«محسن درباغي» نائب رئيس هيئة الأركان للإمداد والتموين، و«بهرام حسيني مطلق» رئيس تخطيط العمليات بهيئة الأركان العامة، و«محمد باكبور» القائد العام للحرس الثوري، و«محمد شيرازي» رئيس المكتب العسكري للمرشد الأعلى و«صالح أسدي» رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية بمقر خاتم و«غلامرضا سليماني» قائد البسيج. و«حسين جبل عاملي» رئيس منظمة الابتكار والبحوث الدفاعية (SPND)و«رضا مظفري نيا» رئيسها الأسبق.
كما قُتل العشرات من قادة الأجهزة الأمنية، على رأسهم «إسماعيل خطيب» وزير الاستخبارات والأدميرال علي شمخاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وخليفته الدكتور «علي لاريجاني» و«إسماعيل أحمدي» رئيس وحدة الاستخبارات بقوات البسيج و«جلال بور حسين» رئيس هيئة التجسس بوزارة الاستخبارات، و«حسن علي تاجيك» رئيس هيئة الإمدادات بالقوات المسلحة، و«سيد يحيى حميدي» نائب وزير الاستخبارات للشؤون الإسرائيلية، و«غلامرضا رضائيان» قائد منظمة استخبارات شرطة الجمهورية الإسلامية، و«غلامرضا سليماني» قائد قوة البسيج، و«محمد باصري» مسؤول كبير بوزارة الاستخبارات.
كذلك استهدفت الضربات تدمير ما يلي:
مقرات القيادة، وشملت ديوان المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، مقر قيادة قوات البسيج، ومركز تحليل المعلومات، ومقر زارة الاستخبارات، ومقر مجلس الأمن القومي الأعلى ومبنى الإذاعة والتلفزيون
المقرات الاستراتيجية، وشملت مقر قيادة الأركان العامة المشتركة، ومقر قيادة العمليات المشتركة، ومقر قيادة فيلق القدس، ومركز تنسيق العمليات الخارجية، ومقر إدارة الحرب السيبرانية، ومقر إدارة الاتصالات العسكرية، ومقر خاتم الأنبياء ومعظم مراكز قيادة الموجودة تحت الأرض.
مراكز الصناعات العسكرية، وشملت مجمع صناعة الصواريخ الباليستية ومصنع الاليكترونيات والحرب السيبرانية ومركز إنتاج أنظمة الدفاع الجوي والرادارات ومجمع بارشين للصناعات العسكرية المتقدمة ومصنع المسيرات والمستودعات الاستراتيجية. إضافة إلى معظم قواعد الدفاع الجوي ومنصات الصواريخ الباليستية وقواعدها ومراكز القيادة والسيطرة ومخازن الوقود الصاروخي.
دور الذكاء الاصطناعي:
اجتمعت معظم مراكز الفكر والدراسات الاستراتيجية على فرضية مفادها أن هذه الضربات التي نفذتها القوات الأمريكية الإسرائيلي بدقة، يقف وراءها اختراق أمني لأعلى مستويات النظام الإيراني. وتضافر الجهود تكاملها بين المصادر الأرضية وخوارزميات الذكاء الاصطناعي. في تجسيد لهذا النموذج من الحروب الذي يُسمى «حرب الخوارزميات» (Algorithmic Warfare) التي تراقب فيها العيون الهدف دون الحاجة إلى اتصالات، وتحلل الخوارزميات البينات وتستخلص منها اللحظة الحاسمة، داخل غرف العمليات بشكل سريع ودائم. وأن هذا الاختراق الأمني تضمن عددا من العناصر الرئيسية، نشير إلى أهمها فيما يلي:
التحليل اللغوي؛ فقد عالجت الخوارزميات البيانات باللغة الفارسية (مكالمات، رسائل، توجيهات داخلية) وحللت أنماط التواصل والإشارات العاطفية، وكشفت عن مكان وزمان اجتماعات قادة الحرس الثوري، ومن ثم استهدافها
تتبع الاتصالات؛ فقد تتبعت وحدات الاستخبارات التقنية (الإشارات والمرئية) هواتف مرافقي كبار قادة الحرس الثوري والاستخبارات، عبر أقمار التصوير البصري والمسح الراداري واعتراض الإشارات ورسمت نمطهم السلوكي المعتاد، وتوقعت الثغرة الأمنية بدقة. وهو الأمر الذي كشف وموعد ومقر اجتماعات هؤلاء القادة، ومن ثم تدميرها.
التحقق الدقيق، فبعد أن جمعت العناصر المخترقة للهيكل الأمني المعلومات الدقيقة حول الموعد النهائي للاجتماع الطارئ الذي عقده المرشد الأعلى للثورة مع وزير الدفاع ورئيس الأركان كبار قادة الحرس الثوري ومستشاريه؛ تمت مقارنتها بالبيانات الفنية المتحصلة من أقمار التجسس والمسيرات الشبحية، وفور أن تأكدت دقة إحداثيات هذا الاجتماع تم تدميره على الفور. بعد تنفيذ غارات وهمية على موقعين آخرين بطهران لخداع غرفة العمليات وتضليلها عن الهدف الحقيقي.
اختراق كاميرات المراقبة، فقد تم اختراق معظم كاميرات مرور طهران وكاميرات المراقبة المنزلية، ومن ثم تشفير صورها وإرسالها إلى الخوادم الرئيسية بإسرائيل حيث قامت بتحديد عناوين حرس خامنئي، وساعات عملهم، والطرق التي يسلكونها؛ ومن ثم تحديد مداخل مقره المحصن بمنطقة شمرانات.
تعطيل الاتصالات، تمكنت إسرائيل من تعطيل نحو 12 برج هاتف محمول قرب شارع باستور، حيث جعلت الهواتف تبدو مشغولة عند الاتصال، مما منع ضباط الحراسة من تلقي أي تحذيرات. كما قدمت CIA بنك الأهداف والمراقبة الإلكترونية اللحظية، وأكدت أن خامنئي سيكون في مقره صباح يوم 28 فبراير. وقد تم تمهيد الطريق أمام المقاتلات المكلفة بضربه، من خلال محاكاة أنماط الطيران المألوفة للدفاعات الجوية الإيرانية لتكشف عن مواقع الرادار، ثم ضربتها بطائرات انتحارية.
التقييم المباشر؛ عقب الضربة، التقطت الأقمار الاصطناعية والمسيرات صورًا لتحليلها والتأكد من إصابة الأهداف، مع متابعة ردود فعل الدفاعات الجوية الإيرانية لضمان عدم شن هجوم مضاد أثناء انسحاب المقاتلات بعد تنفيذ مهامها.
رابعًا: الدلالات الاستراتيجية:
كانت الضربة الافتتاحية المشتركة التي نُفذت في 28 فبراير 2026م بمثابة البيان العملي للتحول الجذري في طبيعة الحرب غير المتماثلة بين إسرائيل ولولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. من حيث:
أنه إذا كانت حرب يونيو 2025م، قد أضعفت نظرية «الردع بالانتشار» التي تبنها إيران لربط أمنها الداخلي بتوجيه ضربات خارجية عبر وكلائها بمحور المقاومة، فإن استراتيجية قطع الرأس أضافت إلى التفوق العسكري، عنصر التفوق الحوسبي، الذي يقوم على منظومة هجينة تجمع بين شبكة اتصالات «ستارلينك» وخوادم تحليل البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحليل هذه الاتصالات؛ التي قلصت زمن تحليل لمعلومات واتخاذ القرار من أيام إلى دقائق. بعد أن استطاعت الخوارزميات معالجة آلاف الإشارات، وتحديد الفرصة، واقتراح الهدف، ومن ثم اتخاذ القرار أسرع من أكفأ العناصر البشري.
أكد القدرات التكنولوجية وأدوات الحرب السيبرانية، أن الردع لم يعد قائماً على كمية الصواريخ أو انتشار الوكلاء، وأن أي خلل في حماية الرأس السياسية والعسكرية يؤدي إلى ضعف استراتيجي.
أدت استراتيجية قطع الراس إلى تقويض مفهوم الملاذ الآمن للقيادة السياسية والملاجئ المحصنة لمراكز القرار. فقد تم استهداف اجتماع للمرشد الأعلى مع وزير الدفاع ورئيس الأركان داخل مجمع محصن بشمال طهران. على نحو وضع إيران أمام معضلة استراتيجية مفادها إما الرد بشكل تقليدي يفضي إلى حرب شاملة غير متكافئة أو القبول بأن معادلة الردع القديمة قد انهارت. بعد أن تحول الداخل الإيراني إلى ميدان رئيسي للحرب.
أكدت استراتيجية قطع الراس أن من يمتلك البيانات والذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على شل مركز الثقل السياسي للخصم وإفقاده القدرة على حماية بقائه. وأنها أصبحت اختبار نموذج قتالي جديد سوف يكون مرجعاً للحروب المستقبلية، التي تتضافر فيها جهود عناصر الاستخبارات مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية في عدم ترك أي وقت للقيادة المعادية للرد.
خامسا: التداعيات السياسية
أسفرت تصفية كبار قيادة إيران عن تداعيات على طبيعة نظامها السياسي، يمكن إيجازها فيما يلي:
أحدث اغتيال المرشد الأعلى للثورة فراغًا دستوريًا، بينما أظهرت استجابة مجلس خبراء القيادة لذلك، قدرة النظام على الحفاظ على استمرار بقائه، حتى ولو كان ذلك على حساب بعض الشروط أو الحسابات السياسية. عندما هرع إلى تعيين «مجتبى خامنئي» خلفًا لوالده في غضون أيام.
أدى اغتيال المرشد الأعلى إلى تحول ميزان القوى الداخلي لصالح الحرس الثوري؛ فأصبح مركز الثقل واللاعب الأقوى والأكثر نفوذاً. بوصفه رافعة استراتيجية قادرة على إدارة الدولة وقت الحرب.
أثبت النظام الإيراني أنه مرن أكثر مما كان متوقعًا في واشنطن وتل أبيب؛ إذ لم تؤدِ ضربة قطع الرأس إلى انهياره، بقدر ما أدت إلى زيادة تماسكه. خاصة أنه يقوم على توزيع مراكز القوة والقرار على وحدات متفرقة، من الحرس الثوري بفروعه، وقوات البسيج، والأجهزة الأمنية، لديها القدرة على مواصلة القتال حتى في غياب القيادة المركزية.
تحولت إيران من نظام يقوم على «ولاية الفقيه» تغلب عليه المؤسسة الدينية السياسية، إلى نظام يتحالف فيه «مجتبى خامنئي» مع الحرس الثوري، الذي تغلب عليه المؤسسة العسكرية ممثلة في الحرس الثوري، مما قد يضعها على أعتاب مرحلة من الحكم العسكري المستتر بغطاء ديني. خاصة أن المرشد الجديد، مُصاب من جراء الضربة الأولى، سوف يواجه تحديات جمة، من حيث إنه يفتقر إلى درجة المرجعية الفقهية التي كان يمتع بها والده، مما يجعله أقرب للاعتماد على القوة العسكرية. خاصة في ظل انقسامات المحتملة داخل النخبة حول الاستمرار في الحرب، أو البحث عن مخرج لها. ناهيك عن أنه سوف يظل، هدفًا رئيسيًا للقوات الإسرائيلية والأمريكية طوال مدة الحرب.

