الورقة الأولى: الحرب في إيران بعيون موسكو: مخاطر وفرص ودروس استراتيجية
نشرها «معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» (INSS) بتاريخ 17 مارس 2026م، للكاتبين «بت شين درويان فيلدمان» و«أركادي ميل-مان» وتتناول الموقف الروسي المعقد من الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. وتلقي الضوء على رؤية موسكو لها، والمخاطر التي تهدد مصالحه، والفرص التي تغتنمها، والدروس التي تستخلصها لنفسها منها.
وتعد هذه الورقة تحليلاً استراتيجياً رفيعًا، تمكن من فك شيفرة السياسة الروسية في هذه الأوقات الحرجة. وتكم قوة هذه الورقة في ربطها بين المصالح المتعددة والصراعات المتداخلة. لكنها تظل قراءة من منظور «مركزية الصراع مع الغرب» على افتراض أن موسكو لاعب عقلاني، قادر على إدارة التناقضات بهدوء، غير آبه بأي تكلفة أيديولوجية، أو سياسية لعلاقاتها مع حلفائها. ومن ثم تناولت هذه الورقة الموقف الروسي من خلال النقاط التالية:
شواغل روسيا ومخاوفها:
خسارة استراتيجية كبرى؛ تخشى روسيا من زعزعة استقرار النظام الإيراني، أو انهياره. فإيران ليست مجرد شريك، بل ركن أساس في «معسكر مناهضة الهيمنة الغربية» الذي تسعى روسيا لقيادته؛ وبالتالي فإن سقوطها سوف يكون بمثابة انتصار استراتيجي لأمريكا وإسرائيل.
ضغط جيوسياسي؛ لأن انهيار إيران سوف يخلق فراغاً ويزيد الضغط على روسيا في منطقة جنوب القوقاز، خاصة بعد تزايد النفوذ الأمريكي هناك.
الخطر النووي، قلق روسيا الأكبر من تعرض مفاعل «بوشهر» للقصف، وهي التي شيدته، مما يعرض خبرائها للخطر ويقوض مشروع التعاون النووي مع إيران وهو الأبرز في علاقاتهما الثنائية.
إدانة سياسية وحذر ميداني:
إدانة علنية، بادرت روسيا فوراً إلى إدانة الضربة ووصفها بأنها «انتهاك صارخ للقانون الدولي» خاصة بعد مقتل المرشد الأعلى للثورة «على خامنئي» وسعت لتقديم نفسها حامية لمبدأ السيادة في مواجهة «الفوضى الأمريكية».
تحرك دبلوماسي، أجرى الرئيس «بوتين» اتصالات مع قادة إيران والخليج، في إطار مساعي روسيا لعقد اجتماع طارئ لمجلس الوكالة الذرية ومجلس الأمن، وحاولت تمرير مشروع قرار لوقف إطلاق النار (لم يُعتمد)
حذر واضح، تتبنى موسكو موقفاً متوازناً وحذراً، فق صرح المتحدث باسم الكرملين بوضوح «هذه الحرب ليست حربنا». وهو الأمر الذي عكس رغبة موسكو في تجنب الانجرار إلى مواجهة مع واشنطن، خاصة أن أولويتها القصوى هي حرب أوكرانيا.
الفرص المتاحة أمام روسيا:
تحويل الأنظار عن أوكرانيا؛ فالحرب تلفت الاهتمام الغربي بعيداً عن الجبهة الأوكرانية، على نحو مريح لروسيا
مكاسب اقتصادية فورية؛ فأسعار النفط ترتفع بسبب الحرب، مما يدر على روسيا إيرادات إضافية، تقدر بنحو 150 مليون دولار يومياً، وهو شريان حياة لتمويل حربها في أوكرانيا.
تعزيز المكانة كبديل آمن للطاقة؛ فعدم استقرار طرق الملاحة بالخليج العربي يعزز مكانة روسيا كمورد طاقة موثوق وآمن للصين، عبر بنية تحتية برية مستقرة متوفرة لديها.
تعاون استخباراتي وتكتيكي؛ إذ قدمت روسيا مساعدات استخباراتية لإيران. خاصة بعد تعطيل أمريكا لشبكة الاتصالات الإيرانية، مثلما ساعدت إيران في نقل تكتيكات المسيّرات المُطوّرة إلى روسيا في حربها ضد أوكرانيا.
الدروس المستخلصة لروسيا:
نوهت الورقة إلى جدل في صفوف النخبة الروسية حول الدروس المستفادة من الحرب مع إيران مفاده:
العقوبات مجرد مقدمة للقوة؛ إذ استنتج الخبير «إيفان تيموفيف» المقرب من الكرملين، أن الغرب لا يكتفي بالعقوبات، بل يستخدمها تمهيداً للضربة العسكرية. وأن الحل الوحيد هو «الاعتماد على الذات» و«المرونة الداخلية» لأن الانقسامات الداخلية تُقرأ في الغرب على أنها نقاط ضعف تغري لهذه الضربة.
الردع النووي هو الضمانة؛ إذ رأى الكاتب «دميتري ترينين» أن الحرب عززت القناعة بأن «القنبلة النووية هي الضمان النهائي لبقاء النظام» خاصة أن مؤسسات النظام الدولي انهارت، وعلى روسيا بناء توازن ردع جديد مع الصين والهند.
عصر القوة الغاشمة؛ إذ اعتبر المحلل «فيودور لوكيانوف» الحرب دليلاً على الانتقال لعصر تُستخدم فيه القوة العسكرية كأداة مركزية دون شرعية دولية، مما يضعف النظام العالمي القائم.
التوصيات والتداعيات بالنسبة لإسرائيل:
توازن روسي دقيق: روسيا لن تضحي بعلاقتها مع إيران، لكنها لن تخاطر بمواجهة مع أمريكا من أجلها. هذا التوازن قد يبقي قنوات الاتصال مفتوحة، لكنه لا يجعل من موسكو وسيطاً لصالح إسرائيل.
تعقيد مستقبلي محتمل: إذا لم يتم تحييد البرنامج النووي الإيراني خلال الحرب، فستسعى روسيا للمشاركة في أي مفاوضات نووية مستقبلية، وهذا قد يكون معقداً لإسرائيل لأن موسكو غير ملتزمة بمصالحها.
التعليق على الورقة
تتميز هذه الورقة بقدرتها على تفكيك العقلية الروسية بدقة، والنظر إلى الحرب من منظور موسكو ليس كمراقب، بل كلاعب له مصالحه الاستراتيجية الخاصة. إنها قراءة هادئة للعلاقات الدولية خالية من الشعارات الرنانة. من حيث:
فهم الشراكة المحدودة بين روسيا وإيران: وصفت الورقة بدقة العلاقة بين روسيا وإيران، فهي ليست تحالفاً أيديولوجياً، بل شراكة مصالح، ضمن معسكر مناهض للغرب. وهذا يفسر قدرة روسيا على إدانة الهجوم سياسيا. بينما تعلن من ناحية أخرى وبكل وضوح أن هذه ليست حربنا.
ربط الساحات الأوكرانية والإيرانية: ربط التحليل بين انشغال روسيا بأوكرانيا وموقفها المحسوب مع إيران. كما ربط بين الدعم العسكري الروسي لها والخبرات الميدانية المستفادة من أوكرانيا. وهذا يُظهر كيف تتداخل الصراعات.
قراءة النخبة الروسية: أضفى اعتماد الورقة على تحليلات كبار المفكرين المقربين من الكرملين عمقاً، وقدمت للقارئ صورة عن كيفية تفكير صناع القرار في موسكو، ليس فقط فيما يخص إيران، بل بشأن المستخلصة لمواجهة الغرب.
إظهار التناقض الروسي: فقد كشفت الورقة هذا التناقض في إدانة علنية قاسية لأمريكا وإسرائيل، مع قبول ضمني بالواقع ورفض الانجرار لحرب. كما أظهرت كيف أن موسكو تستفيد اقتصادياً من أزمة تعتبرها حليفها (إيران) وجودية تجاهل البعد الأيديولوجي والداخلي الإيراني: ركزت الورقة على الواقعية السياسية والمصالح. دون التطرق إلى كيف تنظر النخبة الدينية في إيران إلى الدعم الحليف الروسي المحدود والربح من ارتفاع النفط على حساب دماء الإيرانيين. وهل هناك شعور بالخيانة أو عدم الثقة قد يؤثر على العلاقة المستقبلية بين البلدين؟
التركيز على النخبة فقط: قدمت الورقة صورة للسياسة الروسية. دون تحليل للرأي العام، أو تأثير الحرب على الداخل الروسي، أو كيف يتم تسويق الموقف الرسمي للشعب الذي يتعرض لعقوبات بينما يُربح” الكرملين من حرب الآخرين.
غياب سيناريوهات ما بعد الحرب: قدمت الورقة تحليلاً للحظة الراهنة، لكنها أغفلت عن استشراف سيناريوهات ما بعد الحرب. وكيف ستتصرف روسيا إذا انهار النظام الإيراني؟ كيف ستتعامل مع نظام جديد موالٍ للغرب؟ وكيف سيكون موقفها من الترتيبات الأمنية الجديدة في الخليج؟
الورقة الثانية: العلاقات الصينية-الإيرانية تحت اختبار الحرب: شراكة استراتيجية محدودة
نشرها أيضا «معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» (INSS) بتاريخ 15 مارس 2026م، للكاتب «جاليا ليفي» وتناولت
الموقف الصيني من الحرب على إيران، والذي وصفته بأنه «غير تدخلي» و«منضبط» بشكل لافت، خاصة بالمقارنة مع الدعم المتوقع من بكين لحليفها الاستراتيجي. كما قدمت تفسيرات لهذا الموقف واستخلصت تداعياته على إسرائيل. وتمثل هذه الورقة تحليلاً استراتيجياً هادئًا، شرح سلوك قوة عظمى في لحظة حرجة. وتكمن قوتها في قدرتها على قراءة أولويات الصين الحقيقية، بعيداً عن الشعارات. لكنها تظل محصورة في إطار البرجماتية المادية.
الموقف الصيني:
رد فعل فاتر: اكتفت الصين بدعوات عامة لوقف إطلاق النار وعودة الحوار، وإدانة عامة لانتهاك السيادة، دون دعم حازم أو إجراءات ملموسة لصالح إيران.
مفارقة لافتة: هذا الموقف يتناقض مع دعم الصين الواضح للفلسطينيين في حرب غزة، مما يثير تساؤلات حول عمق الشراكة مع إيران.
وقدمت الورقة أربعة أسباب رئيسية لتردد الصين وضبط النفس:
1. الانشغال بالشأن الداخلي: فقد تزامن الحرب مع انعقاد الدورتين السنويتين (اجتماعات المجلس الوطني والمؤتمر الاستشاري السياسي) وهو الحدث الأهم في الصين لوضع الخطط للسنوات القادمة. القيادة والرأي العام منشغلون بالاقتصاد والتكنولوجيا والصراع مع أمريكا، وليس بأحداث الشرق الأوسط. إضاقة إلى الاعتبارات الجيوسياسية:
تجنب التوتر مع أمريكا: في ظل رئاسة ترامب الثانية، تسعى الصين لتجنب المزيد من الاحتكاك مع واشنطن، خاصة مع زيارة مرتقبة للرئيس الأمريكي إلى بكين. دعم إيران قد يفسد الأجواء قبل محادثات حاسمة حول التجارة والتكنولوجيا.
توازن المصالح مع دول الخليج: الشركاء الخليجيون للصين (السعودية والإمارات) أهم اقتصادياً بكثير من إيران. حجم التجارة مع كل منهما يتجاوز 100 مليار دولار سنوياً، مقابل أقل من 15 ملياراً مع إيران. دعم طهران قد يضر بهذه العلاقات الحيوية.
سياسة التوازن التقليدية: تبنّي الصين التوازن وعدم الانحياز لأي طرف في صراعات المنطقة، كما تجلى في وساطتها لاستئناف العلاقات السعودية-الإيرانية. وبالتالي فإن دعم طرف ضد آخر ينسف هذا الدور.
3. عدم اليقين بشأن مستقبل النظام الإيراني؛ فالصين لا تعرف إذا كان هذا النظام سيبقى أم لا. وهي لا تريد تغيير نظام تفاهمت معه. ولكنها مستعدة للتعامل مع أي نظام جديد، خاصة إذا رفعت العقوبات وفتح المجال لاستثمارات أعمق. لذلك، تفضل عدم المجازفة بوضع كل بيضها في سلة طهران.
4. حسابات الطاقة والتجارة: تأثير محدود على المدى القصير: رغم أن 50% من نفط الصين المستورد يمر عبر مضيق هرمز، إلا أن الصين لديها مخزون استراتيجي ضخم (يكفي 3-6 أشهر) ومصادر طاقة متنوعة (منها روسيا). لذلك، الضرر المباشر محدود، بل وقد تستفيد من ارتفاع أسعار النفط لمكافحة الانكماش الاقتصادي!
التداعيات بالنسبة لإسرائيل:
الصين تنظر لما بعد الحرب: وتفكر في دورها المستقبلي في إعادة إعمار إيران والمنطقة، اقتصادياً وصناعياً.
توصية استراتيجية لإسرائيل: يجب على إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة، توجيه رسائل واضحة وحازمة للصين الآن، مفادها أن إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية (النووية، الصاروخية، برنامج المسيّرات) لن يُسمح به، وأي مساعدة صينية في هذا المجال ستقابل برد فعل إسرائيلي-أمريكي. يجب أن تكون هذه الرسالة جزءاً من جدول أعمال زيارة ترامب المرتقبة لبكين.
التعليق على الورقة
تميزت هذه الورقة بالواقعية في تحليل العلاقات الدولية، فجرت العلاقة بين الصين وإيران من أي شحن أيديولوجي
تفكيك مفهوم الشريك الاستراتيجي: أوضحت الورقة أن الشراكة مع الصين لا تعني دعماً غير مشروط في الأزمات. بكين لديها تسعيرة واضحة لمصالحها، وإيران لا تستطيع دفع الثمن المطلوب.
فهم الأولويات الصينية: تقدم الورقة شرحاً مقنعاً لكيفية عمل صنع القرار الصيني: الأولوية المطلقة للاستقرار الداخلي والنمو الاقتصادي، ثم العلاقة مع أمريكا، ثم باقي العالم. هذا الإطار يفسر “الفتور” تجاه حليف يتعرض لضربات قاسية.
الربط بين الملفات: التحليل يربط بذكاء بين حرب إيران والزيارة المرتقبة لترامب، وبين مخاوف الصين من التضخم والانكماش في نفس الوقت، وبين علاقاتها بإيران وعلاقاتها بالخليج. هذا يُظهر الصورة الكبيرة التي ترسمها بكين.
توصية عملية وواضحة: الورقة لا تكتفي بالتحليل، بل تقدم توصية استراتيجية قابلة للتنفيذ لإسرائيل وأمريكا: استغلال النفوذ الآن لوضع “خط أحمر” واضح أمام الصين بخصوص إعادة إعمار القدرات العسكرية الإيرانية. هذا انتقال من الشرح إلى الفعل.
إهمال البعد الأيديولوجي الصيني: ركزت الورقة فقط على المصلحة المادية والتوازنات. متغافلة عن أن الصين نظام سلطوي يرى في إيران حليفاً في معركة وجودية ضد النظام الليبرالي الغربي الذي تقوده أمريكا. هذا البعد الأيديولوجي قد يظهر بقوة إذا شعرت الصين أن الغرب يستهدف “حلفاءها” عموماً.
تجاهل التكلفة طويلة المدى لإضعاف إيران: تنظر الورقة من منظور إسرائيلي محض. لا تتناول كيف تنظر الصين إلى احتمال انهيار النظام الإيراني كـ”خسارة استراتيجية” طويلة المدى، حتى لو تعاملت مع النظام الجديد. انهيار أحد أعمدة “النظام العالمي البديل” الذي تسعى الصين لبنائه هو ضربة لسمعتها كحامية للحلفاء.
الافتراض المسبق بقدرة أمريكا على الضغط: تفترض الورقة أن الرسائل الأمريكية-الإسرائيلية ستكون مؤثرة. لكن مع تصاعد التنافس التكنولوجي والاقتصادي، قد تزداد صلابة الموقف الصيني واستعداده لتحدي النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، خاصة إذا شعر أن ترامب غير موثوق به.
الورقة الثالثة: الساعة الرملية لسوق الطاقة: لماذا قد يأتي الضغط الاقتصادي من دول الخليج بالتحديد؟
نشرها معهد دراسات الأمن القومي (INSS) الإسرائيلي، بتاريخ 11 مارس 2026م، للكاتبين «تومر فادلون» و«إستيبان إف. كلورفي» وتقدم هذه الورقة تحليلاً لاستراتيجية إيران في الحرب الراهنة، والتي تركز على استهداف سوق الطاقة العالمية كورقة ضغط رئيسية لإجبار الولايات المتحدة وحلفائها على إنهاء الحملة العسكرية. الفرضية الإيرانية هي أن إحداث صدمة في أسواق النفط والغاز سيولّد ضغطًا دوليًا لوقف الحرب، مما يحمي النظام.
الورقة هي تحليل ثاقب يكشف عن نقطة ضعف غير متوقعة في معادلة الصراع. قوتها تكمن في قدرتها على تحويل “المتغيرات الاقتصادية” إلى “محددات سياسية” ملموسة. لكن نجاحها في التنبؤ بمستقبل الأيام القادمة سيعتمد على مدى صحة افتراضين أساسيين: أولاً، استمرار إغلاق المضيق بشكل كامل، وثانيًا، سلوك الدول الخليجية ككيانات اقتصادية بحتة تتخذ قراراتها بناءً على سعة التخزين فقط، متجاهلة الاعتبارات السياسية والأمنية مع حليفها الأكبر (الولايات المتحدة) وعدوها اللدود (إيران). في كل الأحوال، تقدم الورقة إطارًا لفهم كيف يمكن لـ”صديق” (الخليج) أن يصبح مصدر الضغط الأكبر لإنهاء الحرب، وليس العدو.
منذ بداية الحملة، استهدفت إيران البنية التحتية للطاقة في الخليج، وهددت ناقلات النفط في مضيق هرمز، مما أدى إلى شلل شبه كامل في هذا الممر الحيوي (الذي يمر عبره 20% من إنتاج العالم). وقد انعكس هذا في قفزة حادة لأسعار النفط (35% إلى 91 دولارًا) والغاز (70% في أوروبا).
لماذا لم تنجح الاستراتيجية الإيرانية بعد؟
ترى الورقة أن السوق العالمي للطاقة أظهر مرونة أكبر مما توقعت إيران، وذلك لسببين رئيسيين:
1. نقطة انطلاق مستقرة: على عكس بداية حرب أوكرانيا (حيث كانت الأسعار مرتفعة أساسًا)، دخل العالم هذه الأزمة وأسعار الطاقة منخفضة نسبيًا بسبب وفرة المعروض. هذا أعطى الاقتصاد العالمي “وسادة أمان” لامتصاص الصدمة الأولية.
2. مرونة المستوردين: الدول المستوردة الكبرى، خاصة في آسيا (مثل اليابان والهند)، تملك مخزونات استراتيجية تكفي لشهور (اليابان لديها مخزون 9 أشهر). الهند حصلت على موافقة أمريكية لشراء النفط الروسي كبديل. هذا يعني أن ارتفاع الأسعار الحالي، رغم حدته، يمكن للاقتصاد العالمي تحمله على المدى القصير، كما حدث في 2022م.
أين يقع الضغط الحقيقي؟ (المفارقة المركزية)
تقلب الورقة النظرة التقليدية رأسًا على عقب. تقول إن الضغط الأكبر لإنهاء الحرب قد لا يأتي من المستهلكين في الغرب، بل من مصدري الطاقة أنفسهم في الخليج، وذلك لسببين:
1. توقف التصدير = انهيار داخلي: بسبب الهجمات الإيرانية وشلل مضيق هرمز، تراجعت صادرات النفط الخليجية بشكل حاد. المشكلة أن دول الخليج لديها طاقة تخزينية محدودة. إذا استمر تعذر التصدير، فإن خزاناتها التخزينية ستمتلئ بالكامل خلال أيام قليلة فقط. عند هذه النقطة، ستُضطر دول مثل السعودية والكويت والإمارات والعراق إلى وقف الإنتاج بالكامل، لأنها لن تجد مكانًا لتخزينه.
2. الضربة المزدوجة (الدخل + البنية التحتية): وقف الإنتاج ليس مجرد خسارة للدخل اليومي، بل قد يتسبب في أضرار طويلة الأمد للبنية التحتية للحقول ويجعل العودة للإنتاج عملية معقدة ومكلفة. بالنسبة لقطر، الوضع أكثر تعقيدًا بعد إعلان حالة القوة القاهرة بسبب تعطل منشآت الغاز، حيث إن إعادة تشغيلها عملية بطيئة وتستغرق أسابيع.
السيناريوهات المتوقعة:
السيناريو الأقرب: الضغط على واشنطن لإنهاء الحملة قد يأتي ليس من المستهلك الأمريكي (الذي سيتأثر بارتفاع الأسعار في المضخات) بل من حلفائها الخليجيين أنفسهم، الذين سيواجهون أزمة وجودية في اقتصاداتهم إذا توقف تصدير النفط بالكامل.
السيناريو الأسوأ: إذا وصلنا إلى نقطة توقف الإنتاج الخليجي، فسندخل في أزمة طاقة حقيقية (نقص وليس مجرد ارتفاع أسعار)، تمتد آثارها لسنوات بعد انتهاء الحرب.
الساعة الرملية الحقيقية لهذه الحرب ليست في الغرب أو آسيا، بل في صهاريج التخزين في الخليج. المفارقة أن “سلاح النفط” الذي تحاول إيران استخدامه ضد الغرب، قد ينقلب ليصبح الضغط الأكبر على الدول الخليجية نفسها، مما قد يجعلها الطرف الأكثر إلحاحًا لإنهاء الحرب، حتى لو كان ذلك يعني وقف الحملة العسكرية قبل تحقيق أهدافها الكاملة.
التعليق على الورقة
تقدم هذه الورقة تحليلاً اقتصاديًا استراتيجيًا بارعًا، يعيد تأطير فهمنا لكيفية عمل الضغط في الصراعات الحديثة.
1. قلب المعادلة: القيمة المضافة الكبرى للورقة هي تحويل الأنظار من التركيز التقليدي على “المستهلك المتألم” إلى “المنتج المهدد بالاختناق”. هذا تحليل غير بديهي لكنه منطقي تمامًا عند تطبيقه على بنية الاقتصاد الخليجي المعتمدة على التدفق المستمر للصادرات.
2. التحليل الكمي والنوعي: تستخدم الورقة بيانات دقيقة (نسب مساهمة النفط في الناتج المحلي، أسعار التخزين، مقارنات مع 2022م، لدعم فرضيتها. المقارنة مع حرب أوكرانيا فعالة جدًا في إظهار لماذا الوضع الحالي مختلف.
3. تحديد نقطة اللاعودة: مفهوم امتلاء صهاريج التخزين هو محدد زمني حاسم. بدلاً من الحديث عن ضغوط غامضة، تحدد الورقة أفقًا زمنيًا (أيام قليلة) قد يصل فيه الخليج إلى نقطة انهيار تشغيلي. هذا يعطي التحليل قوة تنبؤية.
4. البعد السياسي للاقتصاد: الورقة تربط بذكاء بين المتغيرات الاقتصادية المجردة (أسعار النفط، سعة التخزين) والسلوك السياسي المتوقع للدول. هي تشرح كيف أن عاملًا فيزيائيًا (سعة خزان) يمكن أن يتحول إلى ضغط دبلوماسي هائل على واشنطن.
5. التقليل من مرونة الخليج: تفترض الورقة أن الحل الوحيد هو التصدير عبر المضيق. لكنها تذكر بوجود خطوط أنابيب بديلة في السعودية والإمارات. قد لا تكون كافية لتصدير كل الإنتاج، لكنها تمنح هامشًا مناورة أطول من “أيام قليلة”. كما أن هناك احتمالية لاستخدام صهاريج تخزين عائمة (ناقلات راسية) كحل مؤقت لتخفيف الضغط. هذه التفاصيل قد تطيل الأمد أكثر مما تتوقع الورقة.
6. الافتراض باستمرار إغلاق المضيق: يعتمد التحليل على استمرار شلل مضيق هرمز. لكن الولايات المتحدة قد تبذل جهودًا عسكرية ودبلوماسية هائلة لإعادة فتحه، حتى ولو جزئيًا أو تحت حراسة مشددة. نجاح أو فشل هذه الجهود سيغير المعادلة بشكل جذري.
7. تجاهل بُعد الإرادة السياسية: التحليل اقتصادي إلى حد كبير. لكن هل ستوقف السعودية، على سبيل المثال، إنتاجها ببساطة لأن الخزانات امتلأت؟ أم أنها قد تستمر في الإنتاج وتحرق الفائض محليًا أو تتصرف بطريقة أخرى غير تقليدية لتحقيق مكاسب سياسية (مثل إظهار التضامن مع واشنطن)؟ الورقة تفترض أن القرار الاقتصادي (وقف الإنتاج) هو النتيجة الحتمية، لكن قد تتدخل عوامل سياسية لتغيير هذا الحساب.
8. الدور الأمريكي كمنتج: تذكر الورقة أن المنتجين الأمريكيين سيستفيدون من ارتفاع الأسعار. لكنها لا تستفيض في كيف أن هذا قد يخلق جماعة ضغط (لوبي) داخل الولايات المتحدة تفضل استمرار الحرب لتحقيق أرباح أكبر، مما قد يوازن ضغط المستهلك على الإدارة. هذا البعد الداخلي الأمريكي (صراع مصالح بين المستهلك والمنتج) كان يمكن تعميقه.
9. إهمال عامل الصين: المستورد الأكبر في آسيا هو الصين. الورقة تركز على اليابان والهند. موقف الصين، بعلاقاتها المعقدة مع كل من إيران والغرب، وكيف ستتعامل مع نقص الإمدادات الخليجية، هو متغير هائل يمكن أن يغير المعادلة الاقتصادية برمته.