الرئيسية » الدراسات » ايران بالعبري (11)

ايران بالعبري (11)

الكاتب:

الأولى، بعنوان: الحرب مع إيران: الالتزام القانوني لإسرائيل بمنع حصول إيران على أسلحة نووية
هي الورقة التي نشرها «مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية» (BESA) بجامعة «بار إيلان» في يونيو 2024 م، وأُعيد نشرها في مارس 2026م، للبروفيسور «لويس رينيه بيريس» الحاصل على دكتوراه من برينستون، والمستشار السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي (مشروع دانيال).
وهذه الورقة عبارة عن وثيقة مهمة؛ لفهم العقلية الاستراتيجية والقانونية لتيار قوي في إسرائيل. وتعد بمثابة تبرير مسبق لحرب محتملة. ولكنها تعاني من انحياز واضح وتفسير موسع للقانون الدولي مثير للجدل، وتتجاهل بشكل كبير العواقب الإقليمية والدولية الكارثية المحتملة لمثل هذه الحرب.
وتقدم الورقة حجة قانونية واستراتيجية مفادها أن الحرب ضد إيران لمنعها من امتلاك سلاح نووي ليست مجرد خيارًا لإسرائيل، بل «التزام لا مثيل له» وحتى «مقدس» استنادًا إلى عدة ركائز:
الخطر الوجودي والنية الإجرامية: وصف الكاتب إيران بأنها عدو «إبادي» سافر، مستشهدًا بهجومها المباشر على إسرائيل، في أبريل 2024م؛ كدليل على «النية الإجرامية» لهذا الهجوم، في رأيه؛ ليبرر الدفاع عن النفس.
شرعية الدفاع الاستباقي في القانون الدولي: ناقش الكاتب مفهوم «الدفاع عن النفس الاستباقي» في القانون الدولي، في عالم يوصف بأنه لا يزال في «حالة الطبيعة» حيث كل دولة تحمي نفسها بنفسها. ورأى الكاتب أن القانون الدولي العرفي يسمح، في ظروف معينة، بشن ضربات استباقية إذا كان الخطر وشيكاً. وهو يرى أن الخطر الإيراني مستوف لهذا الشرط.
المقارنة العقلانية للتكاليف: قدم الكاتب منطقاً لحساب التكاليف «مهما كانت تكلفة الحرب التقليدية ضد إيران باهظة، فإنها لا تُقارن بعواقب الحرب نووية معها» لذا، فإن خيار إسرائيل هو توجيه ضربة استباقية إليها.
الظروف الميسرة: أشار الكاتب إلى أن الحرب مع إيران لن تأتي من العدم؛ بل في سياق حرب قائمة بالفعل مع وكلائها في المنطقة، مما قد يسهل من التبرير القانوني ويوفر غطاءً عملياتياً.
تحذير شيشرون: ذكّر الكاتب بمبدأ الفيلسوف الروماني «شيشرون»: «سلامة الشعب هي القانون الأسمى». أي أن بقاء الدولة يعلو فوق أي اعتبارات أخرى، فالقانون ليس «ميثاق انتحار».
وهنا يتعين التنويه إلى أن الورقة لا تدعو إلى توجيه ضربة متهورة لإيران، بل تشترط أن تكون الضربة الاستباقية يجب أن تكون قانونية؛ وتتوافق مع شروط الدفاع عن النفس الاستباقي في القانون الدولي (خطر وشيك، ضرورة، تناسب).
ويجب أن تكون استراتيجية وفعالة عسكرياً وتحقق هدفها في تدمير القدرات النووية لإيران. بجانب أنها يجب أن تكون التكلفة المتوقعة لها، بما في ذلك الرد الإيراني، أقل من تكلفة عدم التحرك.
التعليق على الورقة: تعد هذه الورقة هي نموذجًا كلاسيكيًا لفكر المدرسة الواقعية المتطرفة في إسرائيل، وتستحق قراءة متأنية، من حيث:
التفسير الانتقائي للقانون الدولي: مفهوم الدفاع عن النفس الاستباقي هو من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في القانون الدولي. الورقة تتبنى أوسع تفسير ممكن له، متجاهلة أن ميثاق الأمم المتحدة (المادة 51) يقيد حق الدفاع الشرعي بحالة وقوع اعتداء مسلح. محاولة لتوسيع مفهومه؛ لتبرير حرب وقائية. هو موقف قانوني غير مستقر وغير مقبول على نطاق واسع.
اختزال الخطر الوشيك: لكي تكون الضربة الاستباقية قانونية وفي إطار القانون الدولي، كما في قضية كارولين، يجب أن يكون الخطر وشيكاً وساحقاً وليس له بديل. هل حيازة إيران المحتملة لسلاح نووي في وقت غير محدد في المستقبل يفي بمعيار الوشيك؟ والورقة هنا لا تقدم إقناعاً كافياً في هذا الشأن.
تجاهل العواقب الكارثية المحتملة: بينما تحسب الورقة تكلفة الحرب التقليدية مع إيران، فإنها تغفل أيضًا سيناريوهات ما بعد الضربة. فالضربة الاستباقية قد تؤدي إلى حرب إقليمية، وجر الولايات المتحدة وحلفائها، وانهيار الاتفاقات الدولية، وقتال واسع في الخليج. هل هذه النتائج فعلاً أكثر احتمالاً من سيناريو الردع النووي المتبادل الذي نجح في الحرب الباردة؟
تبني الرواية الإسرائيلية كحقيقة: تتبنى الورقة الرواية الإسرائيلية حول برنامج إيران النووي ودوافعه، وتصنف إيران كـ «عدو إبادي». متغاضية عن تعقيدات الملف النووي الإيراني ودوافع طهران الأمنية والسياسية. من وجهة نظرها، ويبني تحليلاً قانونياً على أساس سياسي بحت.
مخاطر الضرورة كمبرر مطلق: التركيز على مبدأ «سلامة الشعب هي القانون الأسمى» يمكن أن يتحول إلى مبرر لأي فعل، مهما كانت عواقبه. هذا المنطق يقوض فكرة القانون الدولي نفسه، الذي يضع قيودًا حتى في أوقات الحرب.
الثانية، بعنوان: منعطف ترامب الحاسم في الحملة ضد إيران والتداعيات على إسرائيل:
نشرها معهد دراسات الأمن القومي (INSS) بتل أبيب، في 5 مارس 2026م، للكاتبين «إلداد شافيت» و«أفيشاي بن ساسون» وتمثل دليلًا لقراءة العقل الاستراتيجي الإسرائيلي في لحظة حاسمة؛ لإنها تنتقل من مرحلة «كيف ننتصر؟» إلى مرحلة «كيف نضمن ألا يتركنا حليفنا الوحيد في منتصف الطريق نحو النصر؟» وتكمن قيمة هذه الورقة في مناقشتها الصريحة للتوترات داخل الإدارة الأمريكية، ووعيها بأن مصير الحرب قد تقرره متغيرات بعيدة عن ساحة القتال، مثل أسعار الوقود في أمريكا. ولكنها تظل تحليلًا ضيقًا يغيب عنه البعد الإنساني والقانوني للصراع.
وتبحث الورقة في المعضلة الاستراتيجية التي تواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خضم الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة ضد إيران. وترى أن نجاح ترامب السياسي والعسكري يتوقف على قدرته على تحقيق «نجاح سريع وقابل للتسويق» دون الانجرار إلى حرب طويلة ومكلفة، وهي نفس المعضلة التي واجهتها إدارات أمريكية سابقة. ومن مظاهر التوتر التي رصدتها الورقة داخل الإدارة الأمريكية، ظهور تيارين متقاطعين:
تيار الضغط العسكري الأقصى: الذي يمثله ترامب ووزير الحرب هيجسيث ورئيس هيئة الأركان دان كين ويدعو لمواصلة الحملة حتى تدمير قدرات إيراني الأساسية (نووية، صاروخية، بحرية، شبكة الوكلاء) بشكل كامل.
تيار احتواء المخاطر: الذي يمثله نائب الرئيس فانس المرتبط بدوائر «أمريكا أولاً» ويركز على تجنب التورط في حرب طويلة قد تستنزف الموارد وتقوض شرعية ترامب لدى قاعدته الانتخابية.
وذكرت الوقة أن هذا التوتر يخلق غموضاً في الاستراتيجية الأمريكية، خاصة مع غياب خطة واضحة لـ «اليوم التالي» أو تغيير النظام مثل فنزويلا. ثم حددت خمسة متغيرات هي التي سوف تحدد متى وكيف ينهي ترامب هذه الحملة:
تقييم الأضرار (BDA): مدى فعالية الضربات في تدمير القدرات الإيرانية.
الخسائر البشرية الأمريكية: أي خسائر كبيرة ستولد ضغطاً جماهيرياً للانسحاب.
الاقتصاد العالمي ومضيق هرمز: فاضطراب إمدادات النفط وارتفاع الأسعار في الداخل الأمريكي سوف يدفع لإنهاء سريع.
ضغوط دول الخليج: قلق دول الخليج من اتساع رقعة الصراع سيترجم ضغوطاً على واشنطن.
استنزاف المخزون العسكري: نضوب الذخائر الدقيقة والصواريخ الاعتراضية.
أصوات الداخل: تصاعد الأصوات داخل تيار أمريكا أولاً ضد حرب تخدم مصالح إسرائيل لا أمريكا.
وبناء على هذا، قدمت الورقة سيناريوهات النهاية المحتملة للحرب الدائرة
إعلان النصر: يكتفي ترامب بالنتائج المحققة ويعلن النصر مع توجيه تحذيرات للمستقبل.
إطار دبلوماسي تحت النار: يستغل ترامب الضغط العسكري لإجبار إيران على العودة إلى المفاوضات بشروط أمريكية، ليظهر كـ «صانع صفقات».
تصعيد إقليمي شامل: انهيار كامل للوضع يؤدي لحرب واسعة قد تستدعي تدخلاً برياً.
وفي النهاية وجه الكاتبان توصيات واضحة لصانع القرار الإسرائيلي:
الحفاظ على تنسيق استراتيجي وثيق مع واشنطن حول تعريف النصر ونقطة التوقف المقبولة.
الترويج للحملة على أنها خدمة للمصالح الأمريكية (حرية الملاحة، استقرار الطاقة) لا كمغامرة إسرائيلية.
الاستعداد لانسحاب أمريكي مفاجئ لمنع فراغ استراتيجي يسمح لإيران بإعادة بناء قدراتها.
الحفاظ على الشرعية الدولية عبر حشد دول الخليج.
التعليق على الورقة: تختلف هذه الورقة عن الورقات السابقة (الصادرة عن مركز بيغن-السادات) من حيث المنهج واللغة والزاوية من حيث التحليل من الداخل، لا التبرير من الخارج: بينما كانت ورقة مركز بيغن-السادات بمثابة تبرير قانوني وأخلاقي لخيار الحرب، فإن ورقة INSS هي تحليل برجماتي لمعادلات القرار داخل البيت الأبيض. وهي لا تسأل: هل الحرب عادلة؟ بل تسأل: كيف سيتخذ ترامب قراره؟ وما هي المتغيرات التي ستؤثر عليه؟
الاعتراف بالهشاشة الأمريكية: ناقشت الورقة صراحة إمكانية انسحاب أمريكا المفاجئ؛ إذا ارتفعت أسعار النفط أو سقط جنود أمريكيون، ونصحت إسرائيل بالاستعداد لهذا السيناريو. وهذا اعتراف مهم بحدود القوة الأمريكية وبأن “أمريكا أولاً” تعني حقاً ذلك، حتى على حساب الحليف الأقرب.
غياب البعد الإنساني والقانوني: مثل معظم التحليلات الاستراتيجية، ناقشت الورقة الحرب كمباراة شطرنج حيث القطع هي القدرات العسكرية والأسعار والسياسة الداخلية. دون ذكر للخسائر البشرية الإيرانية، أو الدمار، أو تداعيات الحرب على المدنيين في المنطقة. فالحرب تُرى من خلال منظار المصالح الإسرائيلية الأمريكية فقط.
الواقعية مقابل المثالية: الورقة لا تتبنى الخطاب الحماسي لـ”تحرير إيران” الذي ظهر في بعض التحليلات الأخرى. بدلاً من ذلك، ترى أن تغيير النظام ليس خطة أمريكية منظمة، وأن الولايات المتحدة قد تكتفي بـ”تجميد الوضع” إذا كان ذلك يحقق مكاسب سياسية سريعة لترامب. هذه نظرة أكثر تشاؤماً وواقعية تجاه عمق التزام واشنطن.
قراءة في العقل الإسرائيلي القلق: تكشف التوصيات عن قلق استراتيجي فالخشية ليست خسارة الحرب، بل من أن يتركها الحليف الأكبر في منتصف الملعب النصيحة بـتأطير الحملة كخدمة للمصالح الأمريكية هي اعتراف ضمني بأن إسرائيل قد تكون الطرف الأكثر حاجة لاستمرار الحرب، مما يجعلها في موقف ضعف في العلاقة مع واشنطن.
الثالثة، بعنوان: الحرس الثوري الإيراني يواجه الهزيمة
نشرها مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية (JCFA) في 5 مارس 2026م، للكاتب «أوديد عيلام» رئيس سابق لشعبة مكافحة الإرهاب في الموساد. وهي عبارة عن مقالة تأملية في علم نفس انهيار الأنظمة، وتقدم قراءة درامية وشاعرية للحظة الراهنة من وجهة نظر استخباراتية إسرائيلية. وقيمتها الأساسية ليست في تقديم بيانات جديدة، بل في صياغة سردية مقنعة عن هشاشة العدو الداخلية، وهي سردية تخدم الغرض الاستراتيجي في حرب نفسية واعية. لكن يجب التعامل معها كـ”نافذة على عقلية المحلل” بقدر ما هي “نافذة على الواقع الإيراني”.
وتختلف هذه الورقة عن الدراسات الأكاديمية السابقة. فهي أقرب إلى مقالة تحليلية تعتمد لغة استعارية وصور بلاغية قوية لوصف ما يراه الكاتب حالة الانهيار الداخلي للنظام الإيراني، وخاصة الحرس الثوري. لا تقدم الورقة توصيات سياسية مفصلة، بل ترسم صورة درامية لحظة “ما قبل السقوط”. وتركز على الجوانب الداخلية والأيديولوجية للنظام، بعيداً عن التفاصيل العسكرية التكتيكية، على النحو التالي:
التناقض الجوهري: يرى أن النظام الذي حوّل الشيعة من أقلية مضطهدة إلى محور قوة إقليمي، أصبح ضحية لأوهامه. فالقصر الزجاجي الذي بناه بدأ يتهاوى بسبب أخطاء استراتيجية كبرى (سوء تقدير الإدارة الأمريكية، الاعتماد على روسيا والصين).
رد الفعل غير العقلاني: يفسر الكاتب توسيع إيران لهجماتها ضد دول الجوار بأنه ليس قوة، بل غضب لاعب يدرك أن اللعبة انتهت، مثل “لاعب شطرنج يقلب الرقعة” عندما يصبح مكشوفاً.
أزمة الخلافة: يسلط الضوء على أزمة شرعية الخلافة، خاصة تداول اسم مجتبى خامنئي (نجل المرشد) يراه كـ”كرسي بلا أرجل” يفتقر للشرعية الدينية والخبرة، وسيكون مجرد دمية بيد الحرس الثوري. كما يذكر أحمد وحيدي كلاعب أمني محتمل، مما يؤكد هيمنة ثقافة العنف.
تفكك داخلي وشيك: يتنبأ بسيناريوهات تصدع: انسحابات صامتة في الجيش، وتمرد الأقليات، واحتجاجات شعبية متصاعدة. “عندما يتوقف القلب عن ضخ الدم، تبدأ الأطراف بالتحرك وفق قوانينها الخاصة”.
التعليق على الورقة
تمثل هذه الورقة النقيض الأسلوبي والمنهجي لورقتي (INSS وBESA)، وذلك لما اتصفت به من حيث:
الأسلوب الأدبي غير الجاف: بينما كانت ورقة INSS عبارة عن تحليل سياسي – عسكري قائم على متغيرات القرار، وورقة بيريس تبرير قانوني، فإن هذه الورقة هي نص تعبوي – نفسي. لغة الكاتب (“زلزال ثقافي”، “قصر يغرق في الرمال”، “شمعة تحترق”) تهدف إلى خلق شعور حتمي بالانهيار. هي تخاطب العاطفة لا العقل التحليلي فقط.
التركيز على الجبهة الداخلية: الانتقال بالتحليل من ساحة المعركة العسكرية إلى ساحة المعركة النفسية والداخلية الإيرانية. لمحاولة تفكيك الروح المعنوية للنظام عبر التركيز على نقاط ضعفه الوجودية مثل: أزمة الشرعية وخلافة المرشد، وهشاشة التحالف مع الوكلاء (خاصة حزب الله الذي وُضع بين المطرقة والسندان).
قوة الاختزال وضعفه: فالقوة تكمن في اختزال الصراع في صورة “كربلاء” التي يراها الحرس الثوري في كل معركة هو تحليل عميق للعقلية الأيديولوجية للخصم. أما الضعف؛ فقد يصل الاختزال إلى حد التبسيط المفرط. قراءة تعقيدات النظام الإيراني وصراعاته الداخلية من خلال استعارات أدبية قد تخفي حقائق ملموسة عن مرونته وقدرته على الصمود، وهو ما حذر منه ليمبرت في دراسته السابقة.
مصدر الكاتب وموقعه: كون الكاتب رئيساً سابقاً لمكافحة الإرهاب في الموساد يضفي على التحليل وزناً استخباراتياً، لكنه أيضاً يجعله جزءاً من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي لها رؤيتها وأهدافها. الورقة قد تكون جزءاً من “الحرب النفسية” التي تتحدث عنها دراسات أخرى، أي محاولة لتعزيز رواية الانهيار داخل النخبة الإيرانية ذاتها.
غياب خطة العمل: على عكس ورقة INSS التي تقدم توصيات واضحة لإسرائيل، تكتفي هذه الورقة بـ “قراءة النبض” والتشخيص. هي لا تسأل “ماذا نفعل؟” بل تقول “انظروا، هذا ما يحدث في داخل غرفة المحرك الإيرانية”. هذا يجعلها مفيدة لفهم السياق، لكنها غير كافية لبناء استراتيجية.

اترك تعليقا