(3) حرب يونيو 2025م
الكاتب:
أولا: متغيرات البيئة الخارجية:
سبقت الإشارة إلى أن محور المقاومة أسهم في توفير بيئة مؤاتية؛ لإيران كي تنشئ لنفسها عمقا استراتيجيا بمنطقة غرب آسيا، بإجمالي مساحة تبلغ 1,551,852كم، تضم العراق (437,072كم) وسوريا (185,180كم) وجنوب لبنان (929,6كم) وذلك تطبيقا للمقاربة الأيديولوجية التي تبنتها لمنطقة الشرق الأوسط، بعد قيام الثورة الإسلامية، ونجحت من خلالها في أعادة انتاج الهوية في هذه الدول على أسس طائفية، وتكوين فصائل وجماعات مسلحة؛ لتكون أداة للدفاع والردع وإدارة الحرب غير المتكافئة. وأن هذا المحور اكتسب تدريجيًا ديناميكيات التحالف العسكري القادر على الموازنة بين التهديدات ومتطلبات الأمن الجماعي والتكامل الدفاعي.
وقد استغلت إيران الانكماش الاستراتيجي الذي تبناه الرئيس الديموقراطي «باراك أوباما» (Barack Obama) محجمًا عن تدخل بلاده في الصراع الذي اندلع بسوريا، في 2011م، وإعلان انسحابها من العراق وأفغانستان، بحلول عام 2014م، وإبرام الاتفاق النووي مع إيران (أبريل 2015م) في ترسيخ عمقها الاستراتيجي في غرب آسيا، وتعزيز محور المقاومة بشبكة من الميليشيات الطائفية العابرة للحدود مثل «زينبيون» الباكستانية و«فاطميون» الأفغانية. على نحو جعل توازن القوى الإقليمي يميل لصالحها ويجعلها قوة إقليمية غير قابلة للردع.
وكان من الطبيعي أن يشكل هذا الوضع، إضافة إلى طموح إيران المتزايد لامتلاك القدرات النووي، تحديا للمصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة ولكل القوى الإقليمية الحليفة لها وعلى رأسها إسرائيل. مما جعل الرئيس الجمهوري «دونالد ترامب» (Donald Trump) يسعى، خلال ولايته الأولى (2017 – 2021م) إلى تكوين تكتل إقليمي؛ لمواجهة طموحات إيران النووية وكبح نفوذها الإقليمي، وجعله هدفا استراتيجيا واحد لكل خصوم إيران. بعد أن حول برنامج إيران النووي إلى قضية ساخنة؛ تبرر كل ما سوف يتخذه ضدها من إجراءات. خاصة أنه أعلن لن يسمح لها بامتلاك أي أسلحة نووية؛ وأنه سوف يوفر الضمانات الكاملة إسرائيل للدفاع عن نفسها ضد أي تهديد يمكن أن تشكله إيران، أو حلفائها بمحور المقاومة.
وفي هذا الإطار، أعلن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي (مايو 2018م) وفرض عقوبات صارمة على إيران، شملت كبرى مؤسساتها الاقتصادية الداعمة لمحور المقاومة، مثل الحرس الثوري (أبريل 2019م) والبنك المركزي (سبتمبر 2019م) و«مؤسسة المستضعفين» (نوفمبر 2020) و«لجنة تنفيذ أوامر الإمام الخميني» ومؤسسة «العتبات الرضوية» وهيئة الصناعات البحرية والجوية والطيران (يناير 2021م) الأمر الذي أدى إلى منع إيران من الوصول إلى شبكة المصارف الدولية، وحرمانها من أي مصادر مالية، أو عوائد تجارتها الخارجية. ناهيك عن تقلص صادراتها النفطية؛ حتى أصبح اقتصادها على حافة الانهيار.
كما ضم إسرائيل إلى قيادة المنطقة العسكرية الوسطى «سينتكوم» (CENTCOM) المسئولة عن منطقتي الشرق الأوسط وآسيا الوسطي في مايو 2021م، تمهيدا لقيام تكتل إقليمي مناوئ لإيران ورعى تطبيع علاقاتها مع البحرين والإمارات، عام 2020م، بموجب «اتفاقات ابراهام» التي ألحقت ضررا بمصالح إيران الجيوسياسية بالمنطقة، خاصة أنها منحت إسرائيل صفة الوجود التعاقدي على سواحلها الجنوبية.
وكان من المفترض أن تعزز هذه الاتفاقات تقارب إسرائيل الاقتصادي مع هذه الدول على نحو يؤدي إلى تقارب سياسي، يشجع المزيد من الدول العربية على تبني موقف منفصل عن القضية الفلسطينية؛ الأمر الذي دفع «حماس» إلى تنفيذ عملية عسكرية مباغتة ضد إسرائيل، يوم السابع من أكتوبر 2023م، لتندلع بعدها جولة جديدة من الصراع بقطاع غزة، الذي ما لبث أن اتسع نطاقه بانخراط محور المقاومة، وتشن هجمات متكررة على إسرائيل وعلى أهداف عسكرية أمريكية؛ مما أدى إلى تدهور الوضع الأمني بالمنطقة بصورة أكثر تعقيدا.
ومن ناحية أخرى، سعى الرئيس دونالد ترامب لتطويق روسيا جيوسياسيا واحتواء الصين تكنولوجيا. وفي المقابل، سعت روسيا لتحقيق أهدافها الاستراتيجية بمنطقة الشرق الأوسط، ولإجبار الولايات المتحدة على الاعتراف بمكانتها العالمية بوصفها دولة عظمى، وكسر احتكار حلف الناتو لمنطقة الشام والجزء الجنوبي من شرق المتوسط، استنادا إلى قواعدها العسكرية الموجودة في سوريا
وقد كانت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على روسيا، والصراع الروسي الأوكراني دافعا لأن ترفع موسكو وطهران تعاونهما إلى المستوى الاستراتيجي، والاتفاق على استخدام العملة المحلية في التجارة الثنائية. إضافة إلى عقد صفقات تسليح بقيمة 1.7 مليار دولار، أواخر عام 2022م، زودت إيران بموجبها روسيا بالطائرات المسيرة، وزودت روسيا إيران بمقاتلات سوخوي سو-35، وطائرات هليكوبتر هجومية من طراز ‹ميل مي-28› وطائرات تدريب نفاثة من طراز ‹ياك-130› كما ساندت انضمام إيران لتجمع البريكس مع مصر والسعودية والإمارات وإثيوبيا، مطلع 2024م، مما فتح المجال أمام إيران للانضمام إلى بنك التنمية التابع لهذا التجمع العالمي الصاعد.
وعندما اندلع الصراع بمنطقة الشرق الأوسط، كانت حسابات الموقف الروسي منه محكومة بجذب اهتمام الغرب بعيداً عن الصراع في أوكرانيا. وعلى الرغم من احتياج روسيا لإيران أكثر من حاجتها لإسرائيل، إلا أنها حرصت على علاقاتها بالدولتين. ولكنها حذرت إسرائيل من شن أي هجوم على منشآت إيران النووية، عندما صرح وزير خارجيتها «سيرجي لافروف» بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تجد أي مؤشرات على أن إيران بدأت في تحويل برنامجها النووي إلى برنامج عسكري. مؤكدًا أنه: «إذا تم تنفيذ أي خطط، أو تهديدات بمهاجمة المنشآت النووية السلمية لجمهورية إيران الإسلامية فإن ذلك سيكون في الواقع استفزازاً خطيراً للغاية «.
أما الصين، أكبر مشترى للنفط الإيراني، فقد أبرمت معها إيران اتفاقية تعاون استراتيجي، في 27 مارس 2021م، ولكن كان موقفها محكومًا بالحرص على مواصلة مساعي تحقيق السلام والتنمية. خاصة أنها سبق وأطلقت «منتدى التعاون العربي الصيني» عام 2022م، لتعزيز أوجه التعاون مع الدول العربية أيضًا. كما تكللت مساعيها بالنجاح في إتمام المصالحة بين إيران والسعودية، في مارس 2023م، كما حرصت على عدم خسارة شريك اقتصادي مهم مثل إسرائيل، والمحافظة على استثماراتها الضخمة فيها.
ولهذا، كانت استجابة الصين للصراع بالشرق الأوسط ضمن هذا التوازن الذي طالما حافظت عليه، ما بين الدعوة إلى حل الدولتين ورفض إدانة حماس، وبذل جهود رمزية لوقفه. مع استغلال المشاعر المعادية لإسرائيل لترسيخ مكانتها هي بين دول الجنوب العالمي. وإحباط المساعي الأمريكية الرامية إلى تشويه سمعتها لدى دول العالم الثالث، وتعزيز مكانتها بوصفها قطبا عالميا صانعا للسلام. خاصة بعد فشل استراتيجية الرئيس «جو بايدن» (Joe Biden) في تحقيق الاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط. مما تسبب في اندلع الصراع فيها مرة أخرى، بعد فشل الآلية الرباعية، وتأثر مبادرة إنشاء الممر الاقتصادي بين الهند وأوروبا. خاصة أنه تجاهل تدهور الوضع الإنساني في غزة، وقدم الدعم الشامل لإسرائيل، على نحو أثار المشاعر المعادية أكثر لبلاده وألحق الضرر بسمعتها بين الدول العربية والإسلامية
وفي هذا الإطار، طالبت الصين بالوقف الفوري لإطلاق النار، وتصدت لمشاريع القرارات الأمريكية التي كانت ترى فيها مساسا بقرارات الأمم المتحدة السابقة الخاصة بالقضية الفلسطينية. ثم أطلقت مبادرة للمصالحة بين الفصائل الفلسطينية، في 23 يوليو 2024م، تكللت بالاتفاق بين فتح وحماس على وحدة الفصائل تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، حتى نيل فلسطين العضوية الكاملة بالأمم المتحدة.
ثانيا: ديناميكية المواجهات:
بما أن إيران وإسرائيل خصمان إقليميان يتمتعان بفائض قوة، ويدركان أن التنافس بين القوى الدولية الفاعلة أثر على تفاعلات منطقة الشرق الأوسط، وجعلها تمر بتحولات جذرية، تقتضي منهما سرعة العمل على تأمين مصالحهما الاستراتيجية. حتى ولو أدى ذلك إلى نشوب مواجهة مباشر بينهما، أو الإخلال بالتوازن التقليدي بالمنطقة. وبالتالي، كانت تفاعلاتهما كاشفة لنوايا كل منهما الاستراتيجية حيال تشكيل أنماط جديدة للقوة، وتحقيق طموحاتهما التوسعية. فإيران مُصرّة على أن تصبح «قوة إقليمية عظمى» مهيمنة، تحفظ بقاء نظامها، وتضمن له قدرته على التأثير على شتى التفاعلات التي تجري بمنطقتي غرب آسيا والقرن الأفريقي وفضائه الأوسع بشرق أفريقيا؛ بما يحقق أهدافها المختلفة. ولعل هذا ما يفسر لنا حرصها الدائم على دفع الأقلية الشيعية داخل دوائر اهتمامها إلى الظهور المُخل بالاستقرار السياسي، أو النشاط العسكري المهدد للأمن الإقليمي.
وفي المقابل، كان إصرار إسرائيل يزداد على أن تظل القوة الإقليمية القادرة على تحقيق متطلبات بقاء الدولة داخل حدود آمنة معترف بها دولياً، وحماية أمنها الجيواستراتيجى، وضمان تفوقها التكنولوجي والعسكري، سواء في المجال التقليدي، أو فوق التقليدي. على نحو يحقق لها أهدافها السياسية والاقتصادية. ولعل هذا ما يفسر أسباب استهدافها المستمر لعلماء إيران العاملين بالبرنامج الصاروخي والنووي، وتدمير جانب من منشأة «نطنز» النووية ومجمع «بارچين» للصناعات العسكرية. فضلا عن شن عملية ستوكسنت (Stuxnet) السيبرانية التي أعطبت عددا كبيرا من أجهزة الطرد المركزي، والسطو على وثائق البرنامج النووي والصاروخي من منطقة «تورقوز آباد» ناهيك عن الاستهداف المتكرر لعناصر الحرس الثوري وقادة المليشيات التابعة له داخل سوريا.
لهذا، يمكن القول إن المواجهات التي حدثت بين إسرائيل وإيران وحلفائها بمحور المقاومة، تدخل ضمن محاولات كل منهما إعادة تعريف الجغرافيا السياسية بمنطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. وأنها أدت إلى تدهور الاستقرار الإقليمي. ناهيك عن تعطل سلاسل الإمداد العالمية. واضطرار حركة التجارة العالمية إلى الابتعاد البحر الأحمر؛ مما زاد من تكلفة الشحن والتأمين.
ولم تخل هذه المواجهات من دلالة سياسية وجيوسياسية؛ مفادها أن قوى محور المقاومة أصبحت هي الأداة الأهم في إدارة الصراع وتشكيل أنماط القوة الإقليمية وهيكل السلطة، حتى ولو على حساب منطق الدولة وخارج نطاق التوازنات. بدليل أن حركة حماس شنت، يوم 7 أكتوبر 2023م، هجوما مباغتا على إسرائيل؛ لترد إسرائيل بغارات انتقامية، لم تتوقف حتى قضت على الآلف من مقاتلي حماس وقادتها الميدانيين ودمرت قدراتها العسكرية والإدارية، ومارست إبادة جماعية ضد المدنيين وشردت أكثر من 90% من سكان قطاع غزة، على نحو جعله غير قابل للعيش فيه.
وكان انخرط محور المقاومة، أحد خيارات إيران الاستراتيجية لمواجهة إسرائيل؛ لتثبت أنها تمتلك القدرة على القتال المتزامن على جبهات إقليمية متعددة. عندما بدأ حزب الله في شن هجمات تدريجية على إسرائيل، تبعها إطلاق جماعة «أنصار الله» الحوثي صواريخ ومسيرات من مناطق سيطرتها بشمال اليمن، باتجاهها، واستهداف حركة الملاحة المتجهة إليها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. بينما استهدفت فصائل عراقية بعض القواعد الأمريكية. الأمر الذي أنذر بنشوب مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران.
ومن ثم تحولت هذه المواجهات إلى أول مواجهة عسكرية مباشرة بينهما بالفعل، عندما قصف سلاح الجو الإسرائيلي، يوم 1 أبريل 2024م، مبنى ملحق بالقنصلية الإيرانية بدمشق، أودى بحياة 16 شخصًا، من بينهم العميد ‹محمد رضا زاهدي› القائد الميداني لقوات فيلق القدس بسوريا ولبنان، ومعه سبعة من ضباط الحرس الثوري. وردا على ذلك شنت إيران هجمات صاروخية على أهداف إسرائيلية بمدينتي أربيل بالعراق، وإدلب بسوريا. ثم شنت أول هجوم صاروخي في تاريخها على إسرائيل، يوم 13 أبريل، أطلقت عليه اسم «الوعد الصادق1» لترد إسرائيل بقصف منشآت دفاع جوي وقواعد عسكرية داخل الأراضي الإيرانية، كي تثبت أنها الدولة الوحيدة القادرة على ردع إيران وتدمير وكلائها بالمنطقة.
ثم أخذت تستهدف كبار قادة حزب الله، فاغتالت «فؤاد شكر» (30 يوليو 2024م) ثم رئيس المكتب السياسي لحماس «إسماعيل هنية» بقلب طهران (31 يوليو) عقب حضوره مراسم تنصيب الرئيس «مسعود بزشكيان» وقبل أن تتاح لإيران أي فرصة للانتقام، نجحت في تفجير متزامن للآلاف من أجهزة الاستدعاء والاتصال اللاسلكي، التي كانت كان بحوزة قادة وعناصر حزب الله في كل من لبنان وسوريا، يوم 19 سبتمبر 2024م، ثم شنت ضربة جوية مركزة، يوم 27 سبتمبر 2024م، أودت بحياة أمين عام حزب الله «حسن نصر الله» ومن معه من قادة الحزب. إضافة إلى نائب قائد العمليات بالحرس الثوري العميد «عباس نيلفورشان» أعقبها شن هجوم بري على جنوب لبنان، يوم 30 سبتمبر، مكثفة غاراتها الجوية على الضاحية الجنوبية لبيروت، حتى أودت بحياة الأمين العام الجديد لحزب الله «هاشم صفي الدين» يوم3 أكتوبر 2024م.
وكانت إيران قد نفذت هجومها الثاني «الوعد الصادق2» على إسرائيل يوم 1 أكتوبر، بصواريخ باليستية وفرط صوتية من طراز «فتاح» أصابت محطة رادارات وثلاث قواعد جوية بالقرب من تل أبيب هي ‹نوفاطيم› و‹تل نوف› و‹حاتسريم› وفي المقابل، شنت إسرائيل ضربة جوية مركزة ضد ثلاث قواعد عسكرية إيرانية مهمة في طهران وإيلام وخوزستان، يوم 26 أكتوبر.
وكان لهذه المواجهات تداعيات تتعلق بتشكل أنماط القوة الإقليمية، من حيث إنها أسفرت عن:
أولاً: تحول استراتيجية الردع الإيرانية من الاعتماد على محور المقاومة، إلى الردع والانتقام المباشر متخلية عن الصبر الاستراتيجي. على نحو جسد رغبتها في التأكيد على أنه لم يكن مرادفا للضعف. وفي المقابل لم يعد هدف إسرائيل مقتصرًا على فرض تسويات سياسية على إيران، بل بات يهدف إلى فرض واقع إقليمي دائم، بعد أن غيرت استراتيجيتها من «الاحتواء» إلى «الاقتلاع الكامل» للقوى التابعة لإيران. الأمر الذي زاد من احتمالات تجدد المواجهات مع إيران مرة أخرى
ثانيا: بروز نمط جديد للمواجهة بين إيران «قوة جيوسياسية» التي تتمتع بمزايا جيوسياسية تفتقدها إسرائيل؛ وفضلت تنفيذ عملياتها عبر حلفائها، وعبر شن هجمات صاروخية مباشرة على إسرائيل، نجحت في تجاوز أنظمة دفاعاتها المتقدمة. وبين إسرائيل «قوة تكنولوجية» فضلت تنفيذ ضرباتها استنادا إلى تفوقها التكنولوجي والأمني معتمدة على الذكاء الاصطناعي وقدراتها السيبرانية لتعويض ضيق عمقها الاستراتيجي وضعفها الديموغرافية، على نحو منحها قدرة على فرض الهيمنة دون الانخراط في حروب تقليدية واسعة.
وبناء عليه، أصبحت المنطقة مقبلة على توازن للقوى ونظام إقليمي، لن يكون فيه مكان للنظام السوري، أو العراقي. بعد أن نجحت إسرائيل في تنفيذ إزاحة جيوسياسية لنفوذ إيران من غرب آسيا؛ حتى أصبح موقفها أكثر تعقيدا داخليا خارجيًا. خاصة أن سقوط نظام بشار الأسد بسوريا، يوم 8 ديسمبر 2024م، أفقدها آخر ما تبقى لها من نفوذ فيها نظرًا لأنه كان أحد أهم وسائل الدعم بالنسبة لها لتعزيز المقاومة. ومع هذا حاولت تعويض ذلك بزيادة الدعم النوعي لأنصار الله الحوثي، وإجراء تغييرات جوهرية داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، كي تحافظ على توازن القوى مع إسرائيل القوات الأمريكية بالمنطقة
ثالثا: حرب الاثني عشر يوما:
تجددت المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران وإسرائيل، عندما شنت القوات الإسرائيلية، فجر يوم 13 يونيو 2025م، ضربة عسكرية واسعة، استهدفت خلالها البنية الاستراتيجية في عمق الأراضي الإيرانية، شملت منشآتها النووية وبنيتها العسكرية من قواعد للصواريخ، ومراكز القيادة التابعة للحرس. وقد كشفت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية «ايرنا» أن هذه الضربات نُفذت بصواريخ دقيقة ومسيّرات، سبقها اختراق استخباراتي؛ نجح في تحديد الأهداف الحساسة، والتخطيط العسكري متعدد المستويات لاستهدافها.
وقد مثلت الضربة الإسرائيلية في العمق الإيراني تحوّلًا نوعيًا في طبيعة الصراع بين الطرفين، كما نقلت المواجهة بينهما من «حرب الظل» إلى الحرب المباشرة وأن الضربة الأولى لم تكن مجرد استهداف منشآت عسكرية، بل إعادة رسم لقواعد الاشتباك. خاصة أنها قصدت تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة: تعطيل البرنامج النووي الإيراني، وإضعاف قدرة الردع الصاروخي، وفرض معادلة ردع جديدة بالقوة العسكرية.
أما من حيث التوقيت، فقد أكدت التقديرات الإيرانية أن اختيار ساعة بدء الهجوم لم يكن مجرد قرارًا عابرًا، بل نتيجة تقديرات استراتيجية دقيقة، ومن ثم قرارًا استراتيجيًا محسوبًا؛ لإعادة تشكيل ميزان القوة بالإقليم، لا مجرد رد فعل أمني محدود. كما أنه وضع القيادة السياسية والعسكرية في طهران أمام معضلة استراتيجية تمثلت في كيفية الرد دون الانزلاق لحرب شاملة طويلة الأمد، أو حرب تستنزف قدراتها. وهنا أشارت مصادر إيرانية إلى أن قرار الرد اتُّخذ على أساس الردع وليس تحقيق النصر العسكري؛ انطلاقا من أن هذه الحرب هي صراع إرادات أكثر من كونها مواجهة عسكرية تقليدية.
وفي هذا الإطار، بدأ الحرس الثوري في إطلاق موجات متتابعة من الصواريخ الباليستية والفرط صوتية باتجاه أهداف عسكرية الإسرائيلية، مساء 13 يونيو 2025م، ثم أكد البيان الرسمي الصادر عن قيادة الحرس، أن إيران تعمّدت تجاوز الخطوط الحمراء التقليدية التي حكمت «حرب الظل» وأدخلت الصراع مع إسرائيل مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة. وأنها اعتمدت بكثافة، على إطلاق موجات متتابعة من المسيّرات الانتحارية؛ بهدف إنهاك الدفاعات الإسرائيلية وفرض ضغط نفسي على الجبهة الداخلية. وأنها لم تكن تستهدف دائمًا إصابة أهداف نوعية، بل تشتيت منظومات دفاعاتها من طراز «القبة الحديدية» و«حيتس» لخلق فجوات زمنية في استجابتها. خاصة أن بعض الصواريخ عالية الدقة تمكنت من اختراقها؛ وإصابة المنشآت العسكرية وبنيها الحيوية.
كما حمل الرد رسائل للداخل الإيراني لاستعادة الثقة بالمؤسسة العسكرية بعد الضربة الموجعة التي تلقتها، وإلى الولايات المتحدة، وحلفاء إسرائيل بالمنطقة، مفادها أن إيران لديها القدرة والإرادة على الرد المباشر على إسرائيل. ولكن دون تحمّل كلفة حرب مفتوحة معها.
وقد تباينت التقديرات الإيرانية حول مدى نجاح هذا الرد في تحقيق أهدافه. فقد رأي الدكتور «صادق زيبا كلام» أنه أعاد التوازن العسكري مع إسرائيل، بينما رأى آخرون أنه مكن إيران فقط من استعادة الردع السياسي، ولم يمكنها من تغيير ميزان القوى عسكريا لصالحها.
غير أن هذه الحرب شهدت تطورًا حاسمًا؛ عندما نفذت القوات الأمريكية ضربات دقيقة ضد منشآت إيران النووية في «فوردو» و«نطنز» و«أصفهان» لتعطيل البنية الحساسة لبرنامجها النووي ومنعها من الاقتراب من العتبة النووية. وقد اعتبرت إيران هذه الضربات انتهاكا لسيادتها ومخالفا لمبادئ القانون الدولي، معلنة أنها تحتفظ لنفسها بحق الرد عليها. وقد ذكرت وكالة «تسنيم» التابعة للحرس الثوري أن هذه الضربات جاءت ضمن تنسيق أمريكي–إسرائيلي، هدفه تغيير قواعد الاشتباك مع إيران وإعادة فرض الردع بالقوة. مؤكدة أن المنشآت التي تم استهدافها محصّنة بأشد إجراءات الحماية الصارمة والتوزيع الهندسي دقيق، الذي يقلل من إصابتها بخسائر استراتيجية، وأن قدرات إيران النووية لا يمكن القضاء عليها بأي عمل عسكري. ومن جانبه، أكد تقرير لمركز دراسات مجلس الشورى الإسلامي، أن الضربات لم توقف البرنامج النووي، وأنها مجرد انعكاس لفشل الضغوط القصوى على إيران، وأدت إلى تعزيز خطاب التيار الداعي إلى تقليص التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وربط أي التزامات نووية في المستقبل بضمانات أمنية ملموسة.
وعلى كل، فإن تدخل الولايات المتحدة كان حاسمًا في إنهاء هذه الحرب؛ ومنع الطرفين من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية مفتوحة؛ قد تكون لها تداعيات أمنية واقتصادية عالمية.
وقد أسفرت الحرب بين إيران وإسرائيل عن خسائر بشرية ومادية للطرفين، فقد كشفت تقارير إيرانية أن الخسائر البشرية كانت أعلى بكثير مما أُعلنته طهران، وأن بعضها كان ناجما عن استهداف مستودعات الصواريخ والمنشآت العسكرية القريبة من المناطق السكنية أما استشهاد بعض كبار القيادة بالحرس الثوري والعلماء فيمثل ضربة موجعة للمؤسسة الأمنية الإيرانية. وذكرت وكالة «إيسنا» أن البنية التحتية من منشآت إنتاج الصواريخ، ومنشآت «نطنز» و«أصفهان» النووية لحقت بها أضرارًا جسيمة. فضلا عن الخسائر الاقتصادية الباهظة. خاصة في مجال الطاقة والتجارة الخارجية؛ نتيجة تعطّل الموانئ وارتفاع كلفة التأمين والنقل.
وفي المقابل، كانت خسائر إسرائيل البشرية محدودة. وعلى الرغم من تفوقها الدفاعي، فقد أشارت وكالة «إيرنا» إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى؛ نتيجة اختراق بعض الصواريخ الإيرانية لدفاعاتها الجوية. وأوضحت تقارير عربية أن التأثير الحقيقي لم يكن في عدد القتلى الإسرائيليين، بل في شلل الحياة اليومية وتوقف النشاط الاقتصادي في مناطق واسعة. خاصة أن الصواريخ الإيرانية عطّلت الحياة في تل أبيب وحيفا، وأجبرت ملايين الإسرائيليين على الدخول إلى الملاجئ، وهو أثر استراتيجي لا يقل أهمية عن الخسائر البشرية. ناهيك عن الخسائر التي أصابت منشآتها العسكرية وقواعدها الجوية. إضافة إلى تضرر البنية التحتية المدنية. بجانب الخسائر الاقتصادية الناجمة عن توقف حركة الطيران والسياحة.
على الرغم من أن حرب الاثني عشر يوما كبدت إيران خسائر بشرية ونوعية في الكوادر والمنشآت، كما كبدت إسرائيل كلفة اقتصادية ونفسية عالية، إلا أنها أعادت تشكيل ميزان الردع بينهما، وزادت من احتمالات دخولهما مرحلة جديدة من الصراع، قد تكون أكثر خطورة. إضافة إلى أنها رفعت مستوى التوتر الإقليمي إلى أعلى درجاته، منذ عقود. خاصة أن الحرب كانت بين قوتين إقليميتين مركزيتين. ومن ثم دخلت منطقة الشرق الأوسط في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار الهيكلي. بينما تعاملت دول الإقليم مع الحرب بوصفها إنذارًا مبكرًا لانهيار منظومة الردع التقليدية وفضلا عما سبق، فقد أعادت هذه الحرب البرنامج النووي الإيراني إلى صدارة الاهتمام الدولي مرة أخرى، وسط مخاوف من انهيار اتفاقية منع الانتشار النووي على اعتبار أن استهداف منشآت إيران النووية في إيران مثلت تحديا خطيرا لهذه الاتفاقية. ولهذا حذّرت تقارير دولية من أن هذا الاستهداف شكّل سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، كما فتح بابًا خطيرًا في الصراعات الدولية المستقبلية.
ويرى بعض المراقبين الإيرانيين أن هذه الحرب لن تكون الأخيرة مع إسرائيل، ولن تؤد إلى بناء سلام معها، ولكنها أسست لنمط جديد من المواجهات يقوم على: الردع المتبادل المحدود، والتصعيد المنضبط دون الانزلاق إلى حرب شاملة، مع تركيز أكبر على العمليات الأمنية الدقيقة.
وأخيرا، يمكن القول إن المواجهات الإيرانية الإسرائيلية جعلت منطقة الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للتفاعلات الأمنية والتحالفات المتغيرة، كما جعلت مستقبل الاستقرار فيها رهنًا بتوازنات القوى الكبرى المتنافسة، أكثر من كونه نابعًا من إرادة دول الإقليم نفسه. ولهذا فإن مستقبل العلاقات الإيرانية الإسرائيلية أصبح، بعد هذه الحرب، محكومًا بثلاثة محددات رئيسية: طبيعة التوازن الدولي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا ومدى انعكاسه على سياسات المنطقة. وقدرة كل من طهران وتل أبيب على إدارة أزماتهما الداخلية دون تصديرها إلى الخارج. ومستوى انخراط القوى الإقليمية العربية في ترتيبات الأمن الجماعي مستقبلاً.

