التصعيد الإيراني في الشرق الأوسط حسابات القوة وحدودها وتداعياتها الاستراتيجية
الكاتب:
وتحاول هذه الورقة تحليل دوافع التصعيد الإيراني، والحسابات العسكرية وراء استهداف الأردن وبلدان الخليج العربي ودول الخليج، وحدود القدرة الصاروخية الإيرانية، ودور الدعاية في إدارة الحرب، وانعكاسات هذه السياسة على مكانة إيران الإقليمية، فضلًا عن احتمالات تأثير الحرب في مستقبل النظام السياسي الإيراني وعقيدة ولاية الفقيه.
أولًا: استهداف الأردن ودول الخليج وحسابات توسيع الحرب
يمثل استهداف الأردن تطورًا يتجاوز البعد العسكري المباشر؛ إذ يمكن أن يكون جزءًا من محاولة إيرانية لإيصال رسالة إلى الدول العربية مفادها أن ارتباطها الأمني والاستراتيجي بالولايات المتحدة سيجعلها عرضة لتداعيات المواجهة. وينطبق هذا المنطق على دول الخليج التي تعرضت أو يمكن أن تتعرض لهجمات إيرانية، بما فيها الكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية.
وتسعى طهران، من خلال توسيع دائرة الاستهداف، إلى رفع كلفة الوجود والتحالف الأمريكي في المنطقة، وإقناع الدول العربية بأن استمرار شراكتها مع واشنطن سيحول أراضيها ومصالحها الحيوية إلى أهداف محتملة. لكن هذه السياسة تحمل مفارقة استراتيجية؛ إذ إن الضغط العسكري على الدول العربية قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة تمامًا، تتمثل في دفعها إلى مزيد من التقارب والتنسيق مع الولايات المتحدة، وتعزيز منظومات الدفاع المشترك، بدلًا من إبعادها عن واشنطن.
ويحظى الأردن بموقع جغرافي واستراتيجي حساس، ويشكل أمنه جزءًا من منظومة الأمن الإقليمي المرتبطة بالعراق وسوريا والخليج وفلسطين. ومن المحتمل أن يكون استهدافه محاولة لإحداث ضغط سياسي وشعبي على الدولة الأردنية، أو التأثير في موقفها من التحالفات الإقليمية والدولية. إلا أن استهداف دولة ذات سيادة قد يؤدي إلى نتيجة مختلفة؛ إذ يمكن أن يعزز التماسك الداخلي والالتفاف حول مؤسسات الدولة، خصوصًا عندما ينظر إلى الهجوم باعتباره اعتداءً خارجيًا على الأمن الوطني.ثانيًا: من فلسطين إلى هرمز.. تحول في أولويات الاستراتيجية الإيرانية
تكشف مسيرة الحرب عن تحول واضح في أولويات الخطاب والاستراتيجية الإيرانية. فبعد السابع من أكتوبر، ارتبط الخطاب الإيراني بدرجة كبيرة بالقضية الفلسطينية ومواجهة إسرائيل، إلا أن التطورات اللاحقة دفعت طهران إلى التركيز بصورة أكبر على مواجهة الولايات المتحدة، والعقوبات، وحماية صادرات النفط، وأمن الملاحة ومضيق هرمز.
ويعكس ذلك انتقالًا من الخطاب الأيديولوجي إلى حسابات بقاء النظام والمصالح الوطنية المباشرة. وهنا تظهر إحدى أبرز مشكلات الاستراتيجية الإيرانية؛ فكلما اتسعت الحرب وتزايدت الضغوط، أصبح الحفاظ على الدولة والنظام ومصالحهما الاقتصادية والعسكرية أكثر إلحاحًا من الشعارات الأيديولوجية التي شكلت جزءًا أساسيًا من الخطاب الإيراني لعقود.ثالثًا: القدرات الصاروخية الإيرانية وحدود القوة العسكرية
تمتلك إيران ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، وتمكنت خلال العقود الماضية من تطوير قدرات بعيدة ومتوسطة المدى. لكن امتلاك القدرة على إطلاق الصواريخ لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تحقيق إصابات استراتيجية مؤثرة.
فالفاعلية العسكرية تقاس بدقة الإصابة، والقدرة على اختراق الدفاعات، وحجم الأضرار التي تلحق بالهدف، وتأثير الضربة في القدرات العسكرية للخصم. وفي مواجهة القوات الأمريكية، تواجه إيران منظومة عسكرية متقدمة تشمل قواعد ومنشآت محصنة، وقدرات استخبارية واستطلاعية، وأنظمة دفاع جوي وصاروخي متطورة، فضلًا عن القوات البحرية والجوية المتقدمة.
ومن هنا يمكن تفسير لجوء إيران إلى أهداف أقل تحصينًا في دول المنطقة، ولا سيما الدول القريبة جغرافيًا من الأراضي الإيرانية.
فالكويت، مثلًا، تقع على مسافة قريبة من إيران، وكذلك البحرين، بينما ترتبط الإمارات بإيران بعلاقات جغرافية واقتصادية متشابكة. ولذلك لا تحتاج إيران، في بعض هذه الحالات، إلى استخدام أقصى قدراتها الصاروخية بعيدة المدى.
لكن المشكلة أن سهولة إصابة الهدف عسكريًا لا تعني أن العملية تحقق مكسبًا استراتيجيًا؛ فقد يكون الثمن السياسي والأمني أكبر بكثير من المكسب العسكري.رابعًا: لماذا تتجنب إيران استهداف القوة الأمريكية بصورة مباشرة؟
إذا كانت الولايات المتحدة هي الطرف الرئيسي في المواجهة، فإن السؤال المركزي هو: لماذا لا تركز إيران عملياتها على القوات والقواعد الأمريكية؟
السبب المحتمل يرتبط بتفاوت القدرات العسكرية؛ فالمنشآت والقواعد الأمريكية محمية بدرجات عالية من الدفاع الجوي والصاروخي، كما أن القوات البحرية الأمريكية تتمتع بقدرات متقدمة في مجال الرصد والاعتراض والضربات بعيدة المدى. كما أن أي هجوم إيراني ناجح ومؤثر على سفينة أمريكية كبرى أو قاعدة استراتيجية قد يؤدي إلى رد أمريكي واسع ومدمر.
وبالتالي، فإن إيران تواجه معادلة صعبة: فهي تحتاج إلى إظهار قدرتها على الرد، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب ضربة أمريكية قد تهدد بنيتها العسكرية والاقتصادية.
وهذا يفسر جزئيًا التوجه نحو أهداف إقليمية أقل تحصينًا، لكنه في المقابل يجعل إيران تواجه اتهامًا بأنها تنقل كلفة الحرب إلى الدول العربية المجاورة.خامسًا: الدعاية العسكرية الإيرانية وحرب الروايات
لا تدور الحرب على الأرض فقط، وإنما تدور أيضًا في المجال الإعلامي والنفسي. وتستخدم إيران خطابًا عسكريًا يركز على إعلان إصابات كبيرة في القوات الأمريكية، والحديث عن استهداف مدمرات أو حاملات طائرات، في محاولة لإظهار قدرة النظام على مواجهة قوة عسكرية أكبر بكثير.
وتؤدي هذه الدعاية وظيفة داخلية مهمة، لأنها تهدف إلى المحافظة على معنويات الجمهور الإيراني وإقناعه بأن الدولة تحقق الانتصارات رغم الضغوط. لكن الدعاية لا تستطيع أن تحل محل النتائج العسكرية. فإذا كانت البيانات الرسمية تتحدث باستمرار عن انتصارات كبرى، بينما لا تظهر نتائج استراتيجية موازية على الأرض، فقد تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع.
وهذه الفجوة يمكن أن تصبح أكثر خطورة مع استمرار الحرب، لأن الجمهور يستطيع بمرور الوقت مقارنة الرواية الرسمية بالنتائج الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية التي يعيشها بصورة مباشرة.سادسًا: استراتيجية النفوذ الإيراني وتحولها إلى مصدر للاستنزاف
اتبعت إيران خلال العقود الماضية استراتيجية تقوم على بناء شبكة واسعة من الحلفاء والفصائل المسلحة في المنطقة، خصوصًا في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وقد منحت هذه السياسة طهران قدرة كبيرة على التأثير الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه خلقت بيئة من الصراعات والاستقطابات التي جعلت النفوذ الإيراني موضع مقاومة متزايدة.
وفي العراق، برزت مطالب متزايدة بحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سيادة المؤسسات الرسمية، بينما أصبحت قضية الفصائل المسلحة جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل الدولة وعلاقاتها الخارجية.
وفي سوريا، تعرض النفوذ الإيراني لتحديات كبيرة نتيجة التحولات السياسية والعسكرية. أما في اليمن ولبنان، فقد أصبحت الكلفة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للحفاظ على النفوذ الإيراني جزءًا من معادلة الاستنزاف الإقليمي.
وبذلك، فإن الأدوات التي اعتُبرت في مرحلة سابقة عناصر قوة إيرانية يمكن أن تتحول، في ظل اتساع المواجهة، إلى مصادر ضغط واستنزاف.
سابعًا: التصعيد الإيراني وأثره في الأمن العربي
تؤدي الهجمات على الدول العربية إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المنطقة. فبدلًا من إضعاف التحالفات الأمريكية، يمكن أن تؤدي هذه الهجمات إلى تعزيزها، من خلال زيادة التعاون في الدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وتعزيز حماية المنشآت الحيوية والطاقة والموانئ والمطارات.
كما أن استهداف دول ترتبط بعلاقات اقتصادية ومالية واسعة مع أوروبا والولايات المتحدة قد يؤدي إلى توسيع دائرة الأطراف المتضررة من التصعيد الإيراني.
فالأضرار التي تلحق بالبنية التحتية أو الطاقة أو التجارة أو المؤسسات المالية في دول الخليج لا تقتصر آثارها على الدولة المستهدفة، وإنما تمتد إلى الاقتصاد الدولي وسلاسل الطاقة والتجارة. وبذلك قد تتحول الاستراتيجية الإيرانية إلى عامل يؤدي إلى زيادة عزلة إيران بدلًا من توسيع نفوذها.ثامنًا: الحرب وعقيدة ولاية الفقيه ومستقبل النظام الإيراني
لا يمكن فهم المواجهة الحالية بصورة كاملة من دون التوقف عند طبيعة النظام السياسي الإيراني وعقيدة ولاية الفقيه. فالجمهورية الإسلامية ليست مجرد دولة تتبنى سياسة خارجية تقليدية، وإنما قامت على مشروع أيديولوجي يرى أن الثورة الإسلامية تمتلك رسالة تتجاوز حدود إيران.
ويؤدي الحرس الثوري دورًا محوريًا في حماية هذا المشروع وترجمته إقليميًا من خلال بناء شبكة من القوى الحليفة والفصائل المسلحة. ولكن المشروع الأيديولوجي يواجه حدود النظام الدولي الحديث، الذي يقوم على سيادة الدول وتعدد الهويات والثقافات والنظم السياسية. فليس من الممكن عمليًا فرض نموذج سياسي أو ديني واحد على شعوب العالم التي تمتلك هويات وطنية وثقافية ودينية متباينة. ومن ثم، فإن فكرة تحويل ولاية الفقيه إلى نموذج عالمي تصطدم بالواقع الدولي وبمبادئ السيادة والتعددية.تاسعًا: هل يمكن أن تؤدي الحرب إلى تغيير النظام الإيراني؟
إن استمرار الحرب قد يفتح الباب أمام تغيرات سياسية داخل إيران، لكنه لا يعني بالضرورة سقوط النظام بصورة مباشرة. فالضربات الواسعة قد تؤدي في بعض الحالات إلى تعزيز الالتفاف الشعبي حول القيادة السياسية، خصوصًا إذا جرى تصوير الحرب باعتبارها مواجهة وطنية ضد قوة خارجية.
ولكن استمرار الضغوط العسكرية والاقتصادية، وتزايد الخسائر، وتراجع القدرة على تحقيق الأهداف المعلنة، يمكن أن يؤدي تدريجيًا إلى ظهور خلافات داخل مؤسسات النظام، ولا سيما بين مراكز القوة السياسية والأمنية والعسكرية. وهنا يصبح مستقبل النظام مرتبطًا بثلاثة عوامل رئيسية:
قدرة القيادة على تحمل الاستنزاف العسكري والاقتصادي.
مستوى الدعم الشعبي واستمرار الثقة بالنظام.
طبيعة التوازنات داخل الحرس الثوري ومؤسسات الدولة.

