2

الرئيسية » الدراسات » حزب توده ودوره في الحياة السياسية الإيرانية

حزب توده ودوره في الحياة السياسية الإيرانية

الكاتب:

إذ تأسس هذا الحزب في ظل بيئة استثنائية؛ فرضها غزو الجيوش البريطانية والسوفييتية للأراضي الإيرانية؛ في أغسطس 1941م، وما ترتب عليه من عزل رضا شاه بهلوي وانهيار هيبة النظام الملكي؛ وضعف سلطة الدولة المركزية؛ على نحو أفضى في مجمله إلى ظهور فراغ سياسي؛ سمح بصعود تيارات جديدة بالمجتمع. خاصة تلك التي كانت تحمل لواء العدالة الاجتماعية والإصلاح السياسي. وهو الأمر الذي مثل بدوره بيئة مواتية لأن ينجح حزب توده في استقطاب العمال، وإقناع قطاع واسع من المثقفين والطلاب وجانبا من النخبة الوطنية؛ بفضل مقولاته العمالية والإصلاح الاشتراكي؛ حتى أصبح أداة فاعلة للتعبئة السياسية، في مجتمع كانت فيه الطبقة العاملة لاتزال في طور النضج الطبقي، الذي يدفعها للانضمام إلى حزب يساري ذي توجه ماركسي يحمل ملامح الوطنية الإيرانية، لا سيما أن منابره المتعددة نجحت في خلق تفاعل بين الأيديولوجيا الماركسية والبيئة السياسية والاجتماعية الإيرانية.
لهذا شكّل الحزب مرحلة مهمة في تاريخ إيران السياسي من حيث إنه أسهم في تأطير الطبقة العاملة سياسيًا، ونشر ثقافة التنظيم والنضال الجماهيري، كما ترك تأثيرًا واضحًا في الفكر القومي والإصلاحي بالمجتمع الإيراني. ومن ثم تعددت أدواره بين النضال السياسي والمشاركة في الحركات الإصلاحية وقيادة الاتحادات النقابية والإضرابات العمالية والفئوية. ناهيك عن المشاركة بقوة في تشكيل تنظيمات محلية؛ أسهمت في وقت من الأوقات في خلق أزمة سيادة في أذربيجان وكردستان. إضافة إلى تورطه في أنشطة سرية داخل الجيش والأجهزة الأمنية، خاصة أنه كان يؤمن بضرورة أن يكون له تنظيم عسكري خاص؛ يعينه على تحقيق غايته الكبرى وهي السيطرة على نظام الحكم في الوقت المناسب.
غير أن ارتباط حزب توده الوثيق بالاتحاد السوفييتي وافتقاره إلى المرونة الأيديولوجية، كان سببا لأن يكون عرضة للرفض من فقهاء المؤسسة الدينية. بقدر ما دفعت شعاراته المختلفة رجال الحاشية الملكية والنبلاء وكبار الملاك والإقطاعيين والتجار ضمن خصومه الأشداء. خاصة أن هذا الحزب افتقد القدرة على التفاعل الإيجابي مع قضايا الوطن وأزماته وتحولاته المصيرية، مثلما حدث أثناء أزمة أذربيجان، وأزمة تأميم صناعة النفط، والانقلاب الذي أطاح بالحكومة الوطنية. وبالتالي تعرّض لموجات انتقاد شعبية وقمع متواصل من الدولة، ولحملات تشهير واسعة؛ استندت إلى معلومات استخبارية أمريكية وبريطانية، قُدمت للحكومة الإيرانية، ضمن خطة مدروسة للتعامل مع هذا الحزب بوصفه ممثلا حقيقيا لـ «الخطر الشيوعي»

 

أهمية الدراسة:
تُعدّ دراسة حزب توده، مفتاحًا لفهم طبيعة الصراع بين مشاريع الاستقلال الوطني، والشيوعية العالمية، وتأثير التنافس بين القوى العظمى على إيران خلال مدة الدراسة. خاصة أنه لم يكن يوما مجرد تنظيم سياسي يحمل التعاليم الماركسية اللينينية، بقدر ما كان ظاهرة فكرية واجتماعية عميقة، ارتبطت بتحولات الداخل الإيراني وتفاقم الاستقطاب الدولي، الذي مهّد لظهور هذا المزيج المتداخل من التيارات الفكرية الأخرى، التي مازجت بين ما يسمى الماركسية الإسلامية والقومية اليسارية.
وتتجلى أهمية هذه الدراسة في أنها تكشف مدى تأثير أيديولوجية هذا الحزب ومقولاته الفكرية على تشكيل اتجاهات النخبة في إيران، كما توضح كيفية تفاعله مع القضايا الوطنية والأزمات المجتمعية بأبعادها العرقية والدينية. إضافة إلى أنها تحاول تحليل نشأته، وتفسر تأثير نشاطه على الحياة السياسية الإيرانية، من خلال إعادة بناء سرد تاريخي مدعوم ببعض الوثائق المصرية غير المنشورة، والوثائق الإيرانية والأمريكية والبريطانية المنشورة، التي تلقي الضوء على ديناميكيات هذا الحزب ودوره الداخلي، وصدامه المتواصل مع سلطات الدولة، إلى جانب تفاعلاته مع القضايا والمواقف الخارجية المختلفة.

 

الإطار الزمني:
يبدأ الإطار الزمني لهذه الدراسة من عام 1941م، الذي تأسس فيه حزب توده، حتى عام 1983م، الذي نجحت فيه سلطات الثورة الإسلامية، في تفكيك هذ الحزب تماما، والإجهاز على وجوده داخل خريطة الأحزاب السياسية في الدولة.

 

فرضية الدراسة:
تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن: حزب توده أدى دورًا محوريا في إدخال الفكر اليساري والخطاب التنظيمي الماركسي إلى المجال السياسي الإيراني، وأسهم بشكل فعال في تشكيل الوعي الجمعي في إيران، غير أن ارتباطه بالأيديولوجيا السوفييتية وصدامه مع البنية الدينية للمجتمع الإيراني حدّ من قدرته على الاستمرار في التأثير.

 

إشكالية الدراسة:
تدور هذه الإشكالية حول تفسير كيف أثّر حزب توده في تشكيل الحياة السياسية والفكرية في إيران، من خلال نشاطه الحزبي والسياسي والعسكري، وكيف جمع بين قاعدة جماهيرية ونفوذ نقابي واسع وقدرات تنظيمية سرّية داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، وعلى الرغم من كل هذا أخفق في التعامل مع قضايا الوطن وأزماته وتحولاته المصيرية.

 

تساؤلات الدراسة:
ينبثق عن إشكالية الدراسة جملة من التساؤلات الفرعية، أبرزها:
  1. ما الجذور الفكرية التي شكّلت هوية حزب توده، وكيف تم توطينها؟
  2. ما العوامل التاريخية والاجتماعية التي أسهمت في نشأة هذا الحزب؟
  3. كيف تطور نشاط الحزب في مراحل مختلفة من التاريخ الإيراني؟
  4. ما العوامل التي أدت إلى تراجع نفوذ الحزب وانحسار دوره؟
أهداف الدراسة:
  1. تحليل ظروف نشأة حزب توده وتطوره الأيديولوجي والتنظيمي.
  2. رصد طبيعة نشاطه السياسي والعسكري وأثره في التحولات السياسية الإيرانية.
  3. دراسة تأثير علاقة الحزب بالاتحاد السوفييتي على مواقفه السياسية
  4. تقييم دوره في تاريخ إيران السياسي وأسباب تراجع نفوذه في المجتمع الإيراني.
منهج الدراسة:
تعتمد الدراسة على المنهج التاريخي؛ لرصد نشأة الحزب وتطوره عبر المراحل المختلفة وموقفه من القضايا المصيرية. وعلى المنهج الوصفي؛ لتحليل بنيته الفكرية ومقارباته الأيديولوجية وبنيته التنظيمية. كما وظفت مقاربة سوسيولوجية؛ لفهم علاقته بقواعده الاجتماعية المختلفة.

 

تقسيمات الدراسة
تنقسم الدراسة، فضلا عن التمهيد والمقدمة والخاتمة، إلى ثلاثة مباحث:
  • المبحث الأول: نشأة حزب توده
  • المبحث الثاني: التنظيم العسكري لحزب توده
  • المبحث الثالث: وضع حزب توده بعد الثورة الإسلامية
  • ملحق الوثائق
تمهيد
تعد الأحزاب السياسية إحدى ركائز الأنظمة الديمقراطية؛ من حيث إنها تشكل حلقة اتصال بين الشعب والسلطة. ومن المعروف أن أول حزب سياسي نشأ كان في بريطانيا، عام ١٨٣٢م، ومنها انتقلت فكرة نشأة الأحزاب إلى معظم الدول الأوروبية الأخرى تباعًا، حتى أصبحت من بين أكثر المؤسسات تأثيرا في عمليات صنع القرار.
وللحزب السياسي Political Party)) بمفهومه المتعارف عليه، تعريفات انبرى لها علماء ومفكرون كُثُر من أمثال «ماكس فيبر» (Max Weber) و«جوزيف لا بالومبارا» (joseph La Palombara) و«جورج بوردو» (Georges Burdeau) و«موريس دوفيرجيه» (Maurice Duverger) الذين اتفقت مقولاتهم في أن الحزب منظمة تسعى لاعتلاء السلطة أو الفوز بمناصب في السلطة التنفيذية.
كما اتفقوا على أنه يجب أن تتوفر للحزب، على المستوى التنظيمي، أربع خصائص أساسية: 
  1. أن يكون له تنظيم مستمر ومستقر، قادر على مواصلة حياته التنظيمية، حتى في غياب مؤسسيه.
  2. أن تكون له فروع وأمانات ومكاتب محلية، وأن يكون تنظيمه واسع الانتشار على المستوى الوطني.
  3. أن يسعى قادته إلى التربع على السلطة، أو المشاركة فيها، أو التأثير عليها بشكل عام.
  4. أن يسعى إلى توسيع قاعدته الجماهيرية، وزيادة عدد ناخبيه وأنصاره 
ويمكن تصنيف الأحزاب بإيجاز، وفقًا لوظيفتها وأيديولوجيتها وأهدافها وأنظمتها، ونمط عضويتها، إلى:
أحزاب النخبة (elite party) وتضم غالبًا أبناء الطبقة البرجوازية ولا تعنيها الجماهير؛ نظرا لاهتمامها بطبقة معينة، واستنادها إلى الثروة ومكانة أعضائها الاجتماعية. ولكنها تتسم بالضعف وعدم التزام أعضائها الحزبي. وترى نخبتها أنها تمتلك من الخبرة والقدرة على إدارة الحملات الانتخابية ما يمكنها من إيصال أي مرشح لها إلى مقاعد السلطة.
أحزاب الجماهير (Mass Parties) تستقطب الجماهير؛ لتحقيق أهدافها السياسية والمالية وغاياتها الاجتماعية، ولذا فإنها تعمل على تثقيف الجماهير وزيادة وعيها السياسي، وإعداد نخبة منها لتولي المناصب المختلفة بالحزب والدولة. ويندرج ضمن هذا النوع الأحزاب الشيوعية والقومية والدينية
أحزاب برجماتية (pragmatic parties) تتميز بوجود تنظيم حزبي ذي برنامج عملي وواقعي ومرن قادر على التكيف مع المتغيرات لتحقيق أهدافه. ولديه قدرة على تغيير هذا البرنامج، أو الخط العام للحزب، وفقاً لتطور الظروف. ويشمل هذا النوع من الأحزاب أحزاب المصالح والأقليات.
أحزاب شاملة (catch-all parties) نوع من الأحزاب الجماهيرية التي تحولت إلى أحزاب شاملة من خلال تقليص الالتزامات الإيديولوجية لتجاوز الانقسامات، وتقليل دور العضوية الفردية. وذلك وفقا لما ذهب إليه العالم الألماني «أوتو كيرشهايمر» (Otto Kirchheimer) وتسعى هذه الأحزاب إلى استقطاب قاعدة أوسع من الناخبين وجذب دعمها. ويتم تمويل هذا النوع من الأحزاب جزئياً من الدولة أو من التبرعات
أحزاب إيديولوجية (Ideological Parties) هي أحزاب تتمسك بمبادئ، أو أيديولوجيات وأفكار برامج محددة وشروط عضوية واضحة. مثل الأحزاب الاشتراكية والشيوعية والدينية.
أحزاب أشخاص (Individual Parties) ترتبط بشخص، أو زعيم مؤسس، يقودها ويحدد مسارها ويغيره، دون خشية انحسار ولاء الأعضاء. ومرد الانتماء للزعيم هو قدرته الكاريزمية، أو الطابع القبلي، أو الطبقي الذي يمثله. ويوجد هذا النوع من الأحزاب في بعض دول الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، حيث البيئة القبلية، ومستوى التعليم المنخفض.
وقد أجمع علماء السياسة أن للأحزاب وظائف مهمة في الدولة، منها:
  1. التجنيد السياسي وممارسة الضغط من الأسفل إلى الأعلى.
  2. توفير الفرص لتشكيل تحالفات ذات مصالح سياسية قوية للحفاظ على الحكومة وإدامتها.
  3. تعبئة الجماهير وحثها على المشاركة في مشاريع التعاون على المستوى الوطني.
  4. معارضة حكومة الأغلبية ومحاولة منع انحرافها عن القيم والمصالح الوطنية.
  5. زيادة دقة القرارات السياسية والسياسات الاستراتيجية وتقليل احتمالية الخطأ.
  6. الحفاظ على الاستقرار السياسي، وتقديم المرشحين وتوجيه وتعبئة الأصوات بالانتخابات.() أما في إيران، فيمكن القول إن الحزب السياسي بمفهومه الحداثي لم يكن معروفا في أدبياتها السياسية من قبل. إلا أن المحفل الماسوني ‹فراموشخانه› الذي أسسه المثقف الأرميني ميرزا «مالكم خان ناظم الدولة» في طهران، عام 1895م، زمن «ناصر الدين شاه» كان أول تنظيم يتماثل مع مفهوم الحزب ووظيفته. على الرغم من أن هذا المحفل لم يكن مسماه حزبا.()  وتذكر مراجع إيرانية أن مفهوم الحزب (Party) انتقل إلى إيران من الأدبيات السياسية العثمانية، بمسميات، منها «فرقه» (fürk) و«جمعيت» (Jami’at) و«جامعت» (Jama’at) و«حركت» (Harakat) و«جبهه» (Jabhe) للتدليل على كيان سياسي ما، سواء جمعية، أو تنظيم، أو حركة وطنية.() 
الجدير بالذكر أن هذه الجمعيات والحركات الوطنية كانت في بادئ أمرها، تُشكَل سرا، في ظل التعسف السياسي، الذي كان سمة مميزة لعهد «ناصر الدين شاه» وكان قوامها مجموعات صغيرة بضع نفر، يعقدون اجتماعاتهم سرًا بمنزل أحد الأعضاء؛ لتدارس أوضاع البلاد المتردية، أو أنظمة الحكم الحديثة بالعالم؛ ومن ثم المناداة بالإصلاح السياسي وتحسين شامل للأحوال العامة. ولا شك أن هذه الجمعيات كان لها دور بارز في بلورة أفكار الحداثة بالمجتمع. خاصة أنها رفعت مستوى الوعي السياسي داخل المجتمع، ودفعته نحو المطالبة بالملكية الدستورية وإرساء الحياة النيابية، عام 1906م
وإذا أرجعنا البصر يوما في تاريخ نشأة الأحزاب السياسية بإيران، بوصفها آلية تنظيمية غربية، فسوف ندرك من فورنا أن نشأتها كانت مدفوعة بعوامل داخلية ارتبطت بتغير المفاهيم التقليدية حيال مسألة «نظام الحكم» والاستبداد، والتفاوت الطبقي، وسيادة النظام الإقطاعي، الذي سمح باستغلال الإقطاعيين وكبار المُلاك للقرويين والفلاحين؛ على نحو زاد من معاناتهم. كما كانت مرتبطة بظهور طبقة عمال جديدة، ممن فروا من وطأة العمل بالسخرة لدى ملاك الأراضي الزراعية؛ للعمل بآبار النفط ومعامل تكريره ومناجم التعدين في مدينة «باكو» الأذربيجانية بجنوب القوقاز، التي تحولت تدريجيا إلى مركز صناعي يستوعب هذه الأيدي العاملة. ناهيك عن أن هذه النشأة ارتبطت أيضا بالهيمنة الأجنبية على البلاد.
وفي هذا الإطار، بدأت تظهر جملة من الأحزاب، التي تشكل مؤشرًا على انتقال الاتجاهات اليسارية إلى المجتمع الإيراني، ونمو الوعي الطبقي، مقترنا بالنمو التدريجي للطبقة العاملة في أذربيجان وجيلان وخراسان وتبريز ومشهد. بينما ظلت طهران تحت سيطرة القوى المحافظة من الفقهاء والإقطاعيين وكبار الملاك والتجار وأمراء العائلة المالكة وزعماء القبائل الكبيرة، الذين باتوا يشكلون بدورهم عائقا أمام التنمية السياسية والاجتماعية. لذا، كانت آمال هذه الأحزاب معقودة بتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وإرساء قواعد الحرية والديموقراطية لتحقيق الاستقلال الوطني.
وإذا سلمنا أن نشأة الأحزاب وتطورها في إيران كانت استجابة للمتغيرات الداخلية، فعلينا أن ندرك أنها كانت رد فعل للمتغيرات الخارجية أيضا. وأن جميع الأحزاب التي تشكلت في إيران، منذ مطلع القرن العشرين، وحتى قيام الثورة الإسلامية، عام 1979م، يمكن تصنيفها من حيث البنية الفكرية والانتماء العقيدي، إلى:
  1. أحزاب يسارية، موالية لروسيا مثل «فرقه اجتماعیون عامیون» و«توده» و«فدائي خلق».
  2. أحزاب يمينية، موالية لبريطانيا مثل «اراده ملي» بزعامة «سيد ضياء الدين طباطبائي»
  3. أحزاب وسط، ذات اتجاه وطني، مثل «ميهن پرستاران» و«اتحاد ملي» و«ايران»
  4. أحزاب وطنية، مثل «جبهه ملي» و«نهضت ازادي»
  5. أحزاب قومية متطرفة مثل «آريا» و«سومكا» (حزب العمال الوطني الاشتراكي الإيراني) 
  6. أحزاب صنيعة السلطة، مثل «ملت» و«مردم» و«إيران نوين» و«رستاخيز» 
  7. جماعات دينية متطرفة، مثل «فدائيان اسلام» و«فرقان»
وكانت الجمعيات الوطنية، التي تأسست في طهران، مع بداية الحركة الدستورية، بمثابة نواة لتشكيل أحزاب مطالبة بالإصلاح السياسي وتحطيم أغلال العبودية والاستبداد خاصة أنها كانت عبارة عن فروع، أو امتدادات للحركة الحزبية التي كانت فعالة بين العمال والمثقفين الإيرانيين المقيمين بمدينة «باكو» بأذربيجان، قبل الثورة الدستورية. ومن أبرز هذه الأحزاب «الحزب الديمقراطي الاجتماعي» (فرقه اجتماعیون عامیون) الذي أسسه المهاجرون الإيرانيون بمنطقة القوقاز، عام 1905م، باسم «اللجنة الاشتراكية الديمقراطية الإيرانية» (کمیته سوسیال دموکرات ایران)و«حزب المعتدلون الاجتماعيون» (فرقه اجتماعيون اعتداليون) الذي كان أول حزب يميني بإيران، يدعو إلى التمسك بمبادئ الإسلام وحماية القيم الاجتماعية وحظر عمل الأطفال، واحترام الملكيات الزراعية الكبيرة؛ ما لم تكن ضارة بالمجتمع. كما نادي بإصلاحات عسكرية وقضائية واقتصادية، وبحرية تشكيل الجمعيات والصحافة وتحديد ساعات العمل. لذا كانت الطبقة الوسطى والأرستوقراطية والإقطاعيين وتجار البازار والفقهاء المستنيرين هي قاعدته الجماهيرية. ويبدو أن الغرض منه لم يكن تنفيذ برنامج حزبي محدد، بقدر ما كان مناوأة الحزب الديمقراطي؛ الذي كان يمثل تهددًا لمصالح طبقة الملاك والفقهاء.
وكان تأثير كلا الحزبين في المجتمع الإيراني منحسرا؛ خاصة أن «الوعي الطبقي» لم يكن قد بلغ مستوى النضج في ذلك الوقت المبكر. ولهذا ظل الاتجاه اليساري مفتقرا إلى ركيزة بروليتارية مؤهِلة لمولد حزب متماسك تنظيميًا أو مؤثر سياسيا. خاصة أن أغلبية المجتمع كانت من سكان الريف المتطلعين لعدالة التوزيع. حتى الطبقة الصغيرة من عمال النفط والمناجم في باكو، كانت من فقراء المزارعين الذين يتقاضون أجورًا زهيدة، وكان همهم منحصرًا في تحسين أحوالهم المعيشية. ولذلك كانت الكثرة الغالبة من اليساريين تنتمي إلى البرجوازية الصغيرة وليس إلى طبقة الموظفين والمثقفين. بدليل أن أعضاء الحزب الديمقراطي كانوا من التجار والحرفيين والمرابين وفقهاء من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة وصغار ملاك الأراضي، والعمال.
ومن ناحية أخرى، كانت سياسة روسيا تجاه اليسار الإيراني، تتسق في المقام الأول ومصالحها الخاصة. ولعل هذا ما أضر بنمو الاتجاه اليساري داخل المجتمع المحافظ بطبيعته. فعلى سبيل المثال عندما كانت روسيا في حاجة إلى تعزيز التجارة مع الدول الرأسمالية، أثناء الحرب العالمية الأولى، اضطرت إلى تقليص دعمها لليسار، والتعهد بعدم دعم ثورات الشرق ووقف الدعاية المعادية لبريطانيا. وبعد انتصار الثورة البلشفية، عام 1917م، وقيام الاتحاد السوفييتي، وقعت موسكو معاهدة صداقة مع إيران، في 26 فبراير 1921م، وأعلنت أنها لن تدعم الحركات الانفصالية على أراضيها. وأجبرتها، في المقابل، على منع تقدم القوات البريطانية بعد انسحابها، حفاظًا على أمن أذربيجان ومكاسبها في بحر قزوين. وهو الأمر الذي كان يمثّل تحولًا في السياسة السوفييتية تجاه إيران، أدى بدوره إلى حرمان اليسار الإيراني من تلقي دعمه الخارجي المباشر.
وعلى الرغم من هذا، ولدت الثورة البلشفية، لدى اليسار الإيراني، طموحا للقيام بثورة اجتماعية مماثلة في إيران، والمطالبة بإسقاط رأس المال الأجنبي والملكية، والقضاء على الاحتكار والإقطاع والبرجوازية الوطنية؛ الأمر الذي مثل تهددًا للاستقرار الاجتماعي، وكشفا للتناقض الطبقي الكامن بالمجتمع. ونتيجة لهذا عُد اليسار عدوا للثورة الوطنية والديمقراطية البرجوازية. وفي ظل هذه الوضع المتناقض، تأسس حزبان، الأول هو «الحزب الاشتراكي الإيراني» (فرقه سوسیالیست ایران) الذي اسسه «سليمان ميرزا اسكندري» عام 1922م برفقة «محمد رضا مساوات» و«قاسم خان صور» و«محمد صادق طباطبائي» وألغته الدولة عام1926م، وكان يضم بعضويته ائتلافا من أعضاء سابقين بالحزب الديمقراطي الاشتراكي والمعتدلون() ونادى بـ: «خلق مجتمع متساو، وتأميم وسائل الإنتاج، والإصلاح الزراعي ودعم المزارعين، وتعزيز الحكومة المركزية، وتشكيل إدارات حكومية منصفة للجميع، دون تمييز أساس عرقي أو ديني أو جنسي. كما دعا إلى حرية التعبير والفكر والنشر والتجمهر، والحق في تكوين النقابات وتنظيم الإضرابات، وإجراء انتخابات حرة، وفرض التعليم الإلزامي، واستخدام اللغة الأم في المدارس الابتدائية، وإعطاء المرأة الحق في التعليم، وتحديد ساعات العمل اليومي بثماني ساعات، والقضاء على البطالة. كما كان أول حزب في تاريخ إيران يدعو صراحة إلى إلغاء عقوبة الإعدام، وإلى المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات.
أما الحزب الثاني، فهو «الحزب الشيوعي الإيراني» (حزب کمونیست إيران) الذي أُعلن عن قيامه، عام 1920م، بديلا لحزب «عدالت» الذي عقد مؤتمره الأول في مدينة «أنزلي» لإعادة تنظيم نفسه من جديد باسم «الحزب الشيوعي الإيراني»  واعتماد برنامجه السياسي، وتشكيل لجنته المركزية من كل من: «آوتیس سلطان زاده» و«جعفر جوادزاده» و«کامران آقازاده» و«باتربیک لقمانویچ آبوکوف» و«ماتیلدا بولا» و«سید قلی حدادزاده» و«نعمت بصیر» و«محمد قلی علیخانوف» وقد نادى هذا الحزب بالتحرر الوطني وتخليص إيران من الهيمنة الأجنبية، وإلغاء المعاهدة الأنجلو-إيرانية، التي وقعها رئيس الوزراء «وثوق الدولة» مع الحكومة البريطانية، عام 1919م، وإلغاء النظام الملكي، وتنفيذ إصلاح زراعي يلغي النظام الإقطاعي والملكيات الزراعية الكبيرة. كما أعلن دعمه لجمهورية جيلان الاشتراكية (جمهوری سوسیالیستی گیلان) الانفصالية بزعامه «ميرزا كوچک خان» قبل أن يُقضي عليها، عام 1921م.
وقد تم حظر الحزب الشيوعي وملاحقة جميع أعضائه، بعد اعتلاء «رضا شاه» العرش، عام 1925م؛ مما اضطره إلى العمل السري بالداخل، وإصدار صحف بلسانه في الخارج، فأصدر في ألمانيا والنمسا صحف «پيكار» (المناضل) و«بيرق انقلاب» (راية الثورة) و«ستاره سرخ» (النجم الأحمر) كما نجح، فيما بين عامي 1929 و1931م، في تنظيم إضرابات عمالية بمصانع النسيج بأصفهان، وعمال السكك الحديدية بمازندران، ومعامل السجاد بمشهد، وشركة النفط الأنجلو إيرانية. الأمر الذي اقتضى إصدار قانون بحظر النشاط الشيوعي في جميع أنحاء إيران، في مايو 1931م.
ومع هذا، واصل هذا الحزب نشاطه السري حتى استرد عافيته بحلول عام 1934م، بزعامة المفكر اليساري «تقي آراني» الذي أصدر مجلة «دنيا»  لتكون منبرا للتثقيف السياسي والتلقين الأيديولوجي. غير أن سلطات الأمن أطلقت حملة اعتقالات واسعة، عام 1937م، ضد العناصر الشيوعية وتنظيماتهم الحزبية والنقابية، وجرت محاكمة قادة الحزب الشيوعي، عام 1938م، عرفت بما يسمى «محاكمة الـ 53» وقد توفي بعدها «تقي آراني» بمحبسه عام 1940م، بينما أصبح المتبقون منهم قادة لحزب «توده» الذي تأسس بعد ذلك، في 29 سبتمبر 1941م، خلفا للحزب الشيوعي

 

المبحث الأول
نشأة حزب توده
في ظل ظرف استثنائي من تاريخ إيران الحديث؛ نجم عن اجتياح القوات البريطانية والسوفييتية للأراضي الإيرانية، في 25 أغسطس 1941م، وإجبار «رضا شاه» على التنازل عن العرش لولي عهده؛ صدر عفو عام عن عدد كبير من المعتقلين، من بينهم مجموعة الدكتور «تقي أراني» المعروفة باسم «مجموعة الثلاثة والخمسين» التي نجحت في تأسيس حزب توده، خلال مؤتمر عقدته بطهران لهذا الغرض، يوم 29 سبتمبر 1941م، برئاسة «سليمان ميرزا إسكندري».
وكان اجتياح جيوش الحلفاء للأراضي الإيرانية وعزل الشاه، قد أحدث فراغًا سياسيًا، أتاح للمرة الأولى، منذ اعتلاء رضا بهلوي العرش، الفرصة لإحداث تغييرات هيكلية بالمجتمع وزيادة الفرص لتأسيس جماعات وأحزاب سياسية تمثل التنوع الفكري وتعدد الخطاب الاجتماعي. من بينها حزب توده، الذي انبرت لتأسيسه نخبة من المثقفين اليساريين من أمثال: «سليمان ميرزا اسكندري» و«إيرج اسكندري» و«رضا روستا» و«مرتضى يزدي» و«نور الدين كيانوري» و«عبد الصمد كامبخش» و«خليل ملكي» و«رضا رادمنش» و«إحسان طبري» و«ابو القاسم اسدي» و«جعفر بیشه وري» و«محمد بهرامي» و«أرتاشيس أفانيسيان» (Artashes Avanesian) وغيرهم من ذوي الخلفية الفكرية المتأثرة بالماركسية اللينينية، الذين طالما سعوا إلى تكييف الماركسية مع خصوصية السياق الإيراني بما فيها البعد الديني، والقبلي، والطابع الريفي.
وكان مؤتمر تأسيس حزب توده قد جاء، وفقا للوثائق الموجودة بأرشيف «الكومنترن» بموسكو، تتويجا لاتصالات سرية أجرتها المخابرات السوفييتية مع «سليمان ميرزا اسكندري» ولمساعي خلية العمل التي شكلتها لمساعدته في هذا الشأن. بعد أن استقرت على عدم إحياء الحزب الشيوعي الإيراني مرة أخرى، وتجنب رفع أي شعارات اشتراكية، أو سوفييتية، والعمل في إطار حزب جماهيري ذي طابع ديمقراطي يضطلع بنشر الماركسية اللينينية بين الشباب بـ «حكمة وحذر» وينشئ نقابات وجمعيات للدفاع عن حقوق العمال والفلاحين ولتعزيز العلاقات الإيرانية السوفييتية.
ويبدو أن الحزب قد حدد عدة أهداف أولية تمثلت في إطلاق سراح باقي معتقلي مجموعة الـ 53، وتقنين وضعه وإصدار صحيفة ناطقة باسمه، وصياغة برنامج مؤقت من شأنه جذب أوسع قاعدة مؤيدة له بالمجتمع. ووضع بنية تنظيمية ذات مفهوم متكامل للعضوية، وإرساء مبادئ من شأنها تعزيز الالتزام العقائدي بالماركسية اللينينية، وترسيخ الأسس الأيديولوجية والفكرية للحزب، واستخدام مفهوم الطبقة الاجتماعية في الخطاب السياسي على نحو يساعد على استقطاب الطبقة العاملة والأقليات العرقية والدينية والجماعات اليسارية والتنظيمات السرية النشطة بمناطق شمال غرب إيران. والأهم هو عدم التسبب في إثارة معارضة فقهاء الحوزة، أو الجماعات الدينية المحافظة. ولعل هذا ما سوف يتضح مما نورده على النحو التالي:

 

بنيته الفكرية:
تُعد البنية الفكرية لحزب توده من أكثر الجوانب التي أثّرت على مسيرته التاريخية، سواء على مستوى صعوده السياسي أو في إخفاقاته المتكررة. فقد جمع الحزب بين الالتزام العقائدي من جهة، والتكيّف العملي المتوازن مع خصوصية المجتمع الإيراني من جهة أخرى. إلا أن هذا التوازن ظل هشًا أمام المتغيرات المحلية والدولية، على نحو أدى لاحقًا إلى انقسامات بين صفوفه، وكثرة اتهام الحزب بالجمود العقائدي تارة، وبالتبعية الخارجية تارة أخرة. إذ تبنّى، منذ نشأته، الماركسية اللينينية بوصفها إطارًا نظريًا لتحليل المجتمع وتفسير واقعه الطبقي، مع التأكيد على مركزية دوره في قيادة الجماهير نحو الاشتراكية. متأثرا بل ومتماهيا في الرؤية الاستالينية لتنظيم الحزب والمجتمع والاقتصاد.
كما تبنى حزب توده مفهوم الأممية الماركسية اللينينية بوصفها مفهوما واسعا لاستيعاب الأقليات العرقية والدينية بإيران، وكان هذا المفهوم جاذبا للأقليات؛ على أمل أنه يمثل إطارا يسمح لها بالتحرر من الحكومة المركزية بطهران. ولهذا افترض الانفصاليون الأذربيجانيون، على سبيل المثال، أنهم سوف يحصلون على مزيد من الحرية والاستقلال الذاتي من حيث الحفاظ على لغتهم وثقافتهم، أكثر من كونهم أعضاء في الأمة الإيرانية. كذلك تبنت بعض الحركات الانفصالية إطارا مماثلا للتعبئة الجماهيرية القائمة على حق تقرير المصير للأقليات العرقية يقوم على أنه الحق في استخدام اللغات المحلية في النظام التعليمي الذي تديره الدولة
وفي هذا الإطار، أدى المفكر الماركسي البارز «إحسان طبري» دورًا محوريًا في التأصيل الفكري للحزب، باعتباره «منظّر الثورة البروليتارية الإيرانية» الذي أعاد قراءة النصوص الماركسية من زوايا متعددة، وأعاد صياغتها ضمن سياق إيراني بثقافته الإسلامية وقومياته المتعددة. وعلى الرغم من جهوده في المواءمة بين الفكر اليساري والسياق المحلي، ظل الحزب متهمًا من التيار القومي والديني بأنه ماركسي أكثر من اللازم، وإيراني أقل مما ينبغي.
خاصة أن توده تبنّى تفسيرًا ماديًا للتاريخ الإيراني، فرأى أن التحالف بين الإقطاع ورأس المال التابع يعد سببا في تخلّف البلاد. كما عُد الدين، بصيغته الحوزوية، أداة بيد العناصر الرجعية. وهي مقاربة زادت الافتراق بينه وبين القوى الدينية، خاصة بعد صعود تيار الإسلام السياسي، في الخمسينيات والستينيات. وعلى الرغم من محاولات توده اللاحقة لتدارك نقده للمقدسات والتخفيف منها، إلا أنه لم ينجح في بناء جسور الثقة مع القواعد الشعبية المحافظة.
مع بداية الحرب الباردة، دخل توده مرحلة جديدة اتّسمت بعمّق ارتباطه الأيديولوجي والسياسي بالاتحاد السوفييتي، على نحو جعله منخرطًا بشكل شبه كلي في المنافسة بين المعسكرين الدوليين. ومن ثم لم يعد مجرد فاعل محلي، بل أصبح جزءًا من شبكة أوسع تنتمي إلى الكتلة الشرقية بقيادة موسكو. وقد تجلّى هذا الانخراط في تبنّيه لمواقف موسكو في معظم القضايا الدولية، مثل دعم الثورات الاشتراكية في آسيا وأمريكا اللاتينية، ومعارضة سياسات واشنطن حيال الشرق الأوسط، لا سيّما موقفها الداعم لإسرائيل، ودعمها لإنشاء أحلاف عسكرية بالمنطقة مثل «حلف بغداد».
إلى جانب ذلك، انخرط توده في الترويج لمفاهيم «السلام العالمي» كما صاغها الخطاب السوفييتي وتبنّى أدبيات سياسية مثل «نزع السلاح» وحق الشعوب في مقاومة الاستعمار، وهي مفردات كانت مهيمنة على خطابه الإعلامي والأيديولوجي آنئذ. غير أن انحيازه الكامل للاتحاد السوفييتي لم يكن دون تبعات داخلية، إذ أدى إلى تراجع جاذبيته لدى قطاع كبير من اليسار الإيراني، الذي كان يسعى إلى نموذج أكثر استقلالًا عن المركز السوفييتي، خاصة مع تصاعد حركات فدائية اعتمدت النضال المسلح ضد نظام الشاه، بدلًا من الاصطفاف الصارم مع توجهات موسكو. وقد ساهم هذا التباين في إضعاف مكانة الحزب داخل الخارطة اليسارية الإيرانية.

 

مبادئه الحزبية:
استفاد توده مبكرًا من المناخ الليبرالي، الذي فرضته الهيمنة السوفييتية المؤقتة على شمال البلاد، في تكوين قواعد جماهيرية ذات وعي سياسي ومؤمنة بمبادئه وقيمه الحزبية، فأصدر شبكة واسعة من المطبوعات والمنشورات، أبرزها جريدة «رهبر» ونظم فعاليات اجتماعية وتثقيفية، ركّز فيها على قضايا العدالة الاجتماعية، وحقوق العمال، وحرية التعبير، وهو الأمر الذي منحه قاعدة دعم شعبي واسعة، خاصة في أوساط العمال والمعلمين والمثقفين والطلاب
وبما أن حزب توده كان يستهدف تعبئة قطاعات واسعة من الجماهير العاملة، وحشد القوى التقدمية في جبهة موحدة على أساس المصلحة المشتركة. فقد طرح شعارات تكتيكية، منها نضال الطبقات المحبة للحرية، والمناضلة ضد الاستبداد. خاصة أن اللجنة المؤقتة للحزب قد اعتمدت المبادئ الأساسية التالية:
  • حماية استقلال إيران وسيادتها
  • إقامة نظام ديمقراطي يضمن الحق في حرية التعبير والرأي وتكوين النقابات والجمعيات
  • النضال ضد جميع أشكال الديكتاتورية
  • سرعة تنفيذ الإصلاح الزراعي المطلوب وتحسين حياة الفلاحين وغيرهم من الجماهير الكادحة.
  • إصلاح نظام التعليم؛ لتوفير تعليم إلزامي ومجاني للجميع، وتوفير خدمات طبية مجانية
  • إصلاح النظام الضريبي؛ بما يخدم مصالح الجماهير
  • إجراء إصلاحات اقتصاد وتجارية، وتوسيع الصناعة والتعدين، وتحسين مرافق النقل من خلال بناء شبكات الطرق والسكك الحديدية وصيانتها.
  • مصادرة ممتلكات الشاه السابق بما يخدم مصالح الشعب.()
وفي أكتوبر 1942م، اعتمد الحزب برنامجه الجديد، أثناء انعقاد مؤتمره التأسيسي بطهران، بحضور 120 مشاركًا، والذي حدد فيه مجالات جديدة للعمل الحزبي. فبالإضافة إلى النضال من أجل تأمين استقلال وسيادة إيران، استند البرنامج الجديد إلى الحاجة إلى توحيد العمال والفلاحين والمثقفين والحرفيين. والنضال ضد الاستعمار في إيران. كما تمت إضافة مادة جديدة إلى البرنامج تعترف بالحقوق السياسية للمرأة، واعتماد صحيفة «سياست» بدلًا عن «رهبر» وانتخاب خمسة عشر عضوًا بلجنة طهران، التي كُلفت بمهمة التحضير لمؤتمر الحزب كمسألة ذات أولوية والقيام بمهام اللجنة المركزية.
وبعبارة أخرى، صمم الحزب هذا البرنامج لجذب جميع طبقات المجتمع الإيراني. فاقترح لاستقطاب الفلاحين، مشروعا لقانون إصلاح الأراضي وإنشاء جمعيات تعاونية بالقرى ومدارس ووحدات صحية فيها وتطوير مشاريع الري التي كانت تديرها الدولة. كما طرح خططا لضمان الأمن الوظيفي ونادى بتوظيف خريجي المدارس الثانوية، وتحديد أوقات العمل اليومي بثماني ساعات وبأجر لساعات العمل الإضافية وسن قوانين للتأمين الاجتماعي ومعاشات التقاعد ومنع عمل الأطفال. كما دعا لتقديم إعانات حكومية وحمائية للحرفيين والتجار، والسيطرة على أسعار المواد الغذائية والإيجارات.

 

بنيته التنظيمية:
عقد حزب توده مؤتمره الأول بطهران، في أغسطس 1944م، حيث اعتمد بيانه وبرنامجه، واٌنتخب أعضاء اللجنة المركزية وأمنائه العامين، بعد وفاة «سليمان ميرزا ​​إسكندري» وحدد المبدأ الأول في أنه: «حزب الطبقات الكادحة» من العمال والفلاحين والحرفيين والمثقفين. () كما اعتمد هيكلًا تنظيمياً، على الغرار البلشفي، الذي يقوم على «المركزية الديمقراطية» التي تصدر فيها القرارات من «اللجنة المركزية» (کمیته مرکزی) و«المكتب السياسي» (دفتر سياسي) وتُلزم بها القواعد كافة. وكانت اللجنة المركزية والمكتب السياسي يشكلان بطبيعة الحال مركز اتخاذ القرار بالحزب، فيما تشكّل المكاتب الفرعية والأمانات الإقليمية خلايا نضال موجهة من القيادة العليا باللجنة المركزية.
وكانت اللجنة المركزية مكونة من 21 عضوًا، يشرفون على التخطيط السياسي العام، والإشراف على الصحف والمنظمات التابعة والأمانات الإقليمية والفرعية، التي كانت تمثل الحزب في كل المحافظات الكبرى، أهمها:
    1. أمانة أذربيجان، ومقرها مدينة تبريز، وهي التي أدت دورًا بارزًا في دعم حركة «جعفر بيشوري» الانفصالية، عام 1946م.
    2. أمانة العمال، ومقرها مدينة طهران، وكانت معنية باستقطاب العمال بتعبئتهم، ونظّمت إضرابات واسعة في المصانع والموانئ، مثل ميناء «خرمشهر».
  • أمانة الطلاب، وكانت بمثابة ذراع الحزب داخل الجامعات لاستقطاب الطلاب، خاصة طلاب جامعة طهران ()
كما كانت بنية الحزب تضم منظمات واتحادات نوعية أخرى، كان لها دور حيوي في استقطاب الجماهير للحزب، منها:
  1. منظمة شباب توده، التي أسسها الحزب عام 1943م، بوصفها التنظيم المسؤول عن التعبئة الأيديولوجية للشباب.
  2. اتحاد النساء الديمقراطي الإيراني، والذي تأسس عام 1944م، للمناداة بمساواة حقوق المرأة في المجتمع، تحت شعار «حقوق برابرى برای زنان «
  3. اتحاد العمال والنقابات، الذي كان يقوده «رضا روستا» وكان له دور حاسم في إدخال الحزب إلى الحركة النقابية الإيرانية ().
والأهم، أنه أنشأ تنظيما عسكريًا سريًا داخل الجيش والشرطة عُرف بـ «تنظيم الضباط» الذي يعد من أبرز أدواته لفرض النفوذ والسيطرة، بقدر ما كان مدخلا لسقوطه أيضا؛ فور اكتشافه بعد الانقلاب المضاد الذي أطاح بالحكومة الوطنية بزعامة «محمد مصدق» عام 1953م، وكان هذا الجناح يعمل بتنسيق مع المخابرات السوفييتية الـ (KBG) مما برر الاتهام الموجه للحزب بالخيانة الوطنية والعمالة للخارج
وعلى الرغم مما أتاحته هذه البنية التنظيمية من انضباط داخلي، إلا أنها أنتجت أيضاً مركزية، منعت حرية النقاش الداخلي، وأسهمت في قمع الآراء المخالفة، وهو ما ظهر جليًا خلال الأزمات الفكرية التي عصفت بالحزب في الستينيات والسبعينيات، وأدّت إلى انشقاقات مثل انشقاق «خليل ملكي» الذي انتقد تبعية الحزب العمياء للاتحاد السوفييتي وغياب الوازع الوطني المستقل لدى قيادة الحزب

 

قواعده الاجتماعية:
على الرغم من أن عدد أعضاء الحزب لم يكن يتجاوز المئات حتى عام 1943م، إلا أنه تحول إلى قوة سياسية صاعدة؛ بفضل نشاطه المتواصل، وإدراكه لطبيعة المتغيرات التي طرأت على المجتمع، وسرعة استجابته لمطالب الجماهير وخبرة أعضائه السابقين بالحزب الشيوعي المنحل في تشكيل نقابات فئوية في المصانع. وفتح مكاتب له في أذربيجان وگيلان ومازندران وخراسان وأصفهان وطهران. بجانب الخلايا السرية بالمدن الواقعة على ساحل بحر قزوين. حتى أن تقديرات الدبلوماسيين الأجانب، الذين كانوا يعملون بسفارات بلادهم لدى إيران، كانت تفيد بأن 33% من السكان كانوا يدعمون هذا الحزب () خاصة أنه كان أول حزب يُدخل مفهوم الطبقة الاجتماعية والمساواة في الخطاب السياسي. ولهذا حظي بشعبية لدى الأقليات العرقية والدينية، على رأسهم أبناء القومية التركية الآذرية بشمال غرب إيران.
الأمر الذي زاد من قدرته على حشد الجماهيرية، حتى أنه حشد، أثناء احتفاله بالذكرى الثانية لتأسيسه، في 21 أكتوبر 1943م، حوالي 40.000 شخص، في تجمع وصفته صحيفة «مردم» التي كانت تصدرها شركة النفط الأنجلو إيرانية، بأنه أكبر مظاهرة في تاريخ طهران. كما حشد حوالي 35000 شخصًا، عام 1944م، في مسيرة نظمها خارج مبنى البرلمان لدعم منح الاتحاد السوفييتي امتياز نفط الشمال، كما سترد الإشارة لاحقا. فضلا عن المسيرات التي نظمها بمناسبة ذكرى إقرار دستور 1907م، وبمناسبة عيد العمال، عام 1946م، التي حشد لها 60.000 شخصًا
لقد تمكن حزب توده من كسب ثقة شريحة واسعة من العمال والمعلمين والموظفين الذين كانوا يتمتعون بواعي سياسي نسبي؛ حتى أصبح القوة الحزبية المؤثرة في إيران، مقارنة بغيره من الأحزاب الأخرى، مثل «حزب عدالت» (حزب العدالة) و«حزب اراده ملى» (حزب الإرادة الوطنية) و«حزب استقلال» (حزب الاستقلال) و«حزب إيران» فضلا عن أن ظروف إيران السياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت بمثابة الحاضنة المواتية للإقبال عليه والانضمام إليه. فقد كانت أحوال العمال صعبة وأجورهم متدنية، ويكابدون سوء معاملة أرباب العمل وأصحاب المصانع. بينما لم تكن هناك قوانين، أو نقابات تحمي مصالحهم وتحفظ حقوقهم.
ولم يجتذب حزب توده طبقة العمال والموظفين والطلاب فحسب، بل اجتذب أيضا النخبة المثقفة، التي كانت ترى أن سقوط رضا شاه أسفر عن بروز طبقة «أوليجارشية» (Oligarchy) فاسدة من الإقطاعيين وكبار الملاك والأثرياء ورجال الحاشية والعائلة المالكة. فانضمت إليه مجموعة من الأدباء والمفكرين والمثقفين من أمثال «فریدون توللی» و«سیاوش کسرائی» و«فریدون تنکابنی» و«علی اکبر دهخدا» و«جلال آل احمد» و«بزرگ علوی» و«نادر نادرپور» و«مهدی بامداد» و«سعید نفیسی» و«پرویز ناتل خانلری» و«غلامحسین ساعدی» و«هوشنگ ابتهاج» و«عبد الحسین نوشین» و«فریدون تفضلی» و«اسنفدیار منفردزاده» و«احمد شاملو» (انسحب من الحزب بعد شهرين تقريبا)
وعلى الرغم من كل ما سبق، افتقد حزب توده للطبقة الأوسع بالمجتمع وهي المزارعين والفلاحين، التي ظلت الطبقة الوحيدة التي لم يستطع جذبها أو اختراقها، مع أنها كانت تُشكل غالبية المجتمع الإيراني، مقارنة بالطبقة العاملة، التي كانت لا تزال صغيرة، تضم عمال حقول النفط والمصانع، الذين لم تنضج بعد هويتهم الطبقية، ولم يستيقظ وعيهم الطبقي. بل إن أكثرهم كانوا لا يزالون عمالًا زراعيين من أصول ريفية يتقاضون أجورًا زهيدة

 

أداؤه الحزبي ومواقفه السياسية:
تكاد تجمع المصادر والمراجع، التي تناولت مسألة حزب توده وتأثيره في الحياة السياسية الإيرانية، على أنه سعى إلى التسلل التدريجي إلى أجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة عبر نقابات العمال والروابط الفئوية والاتحادات الطلابية ومكاتبه العلنية والسرية بالمدن الكبرى والحيوية ذات الكثافة العمالية، مثل طهران وتبريز ورشت وزنجان وقزوين وخلخال ومرند وأردبيل، تمهيدا للاستيلاء على السلطة في الدولة ونقلها إلى البروليتاريا، ومن ثم إحداث تغيير جذري بها على المستويات كافة. وفي هذا الإطار، خاض حزب توده الانتخابات البرلمانية، التي أجريت عام 1944م، وحصل فيها على ثمانية أعضاء على مقاعد بمجلس الشورى الوطني، هم: «اردشیر آوانسیان» ممثلا عن آرامنة الشمال و«محمد پروین گنابادی» عن دائرة «سبزوار» و«عبدالصمد کامبخش» عن دائرة «قزوین» و«ایرج اسکندری» عن دائرة «ساری وتنکابن» و«رضا رادمنش» عن «لنگرود ولاهیجان» و«ولی الله شهاب فردوسى» عن «فردوس وطبس» و«فریدون کشاورز» عن «بندرپهلوی» و«تقی فداکار» عن «اصفهان».
وقد وأعلن الحزب وقتها أن نوابه ليس لهم هم سوى الدفاع عن مصالح الشعب وحقوقه، والزود عن استقلال البلاد وصون سيادتها، وأنهم إذ يرفعون «الحرية للجميع؛ الخبز للجميع؛ الثقافة للجميع؛ الرعاية الصحية للجميع» شعارا لهم، يتعهدون بالنضال في سبيل تلبية مطالب الشعب في صياغة قانون للعمل، وإصلاح قانون التوظيف، ومراجعة قانون الانتخابات، وإصلاح النظام القضائي، وإجراء إصلاح زراعي، وإصلاحات اقتصادية تساعد على تصنيع البلاد. إضافة إلى مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات. وبالفعل خرج حزب توده من الحملة الانتخابية بقوة سياسية واجتماعية ملموسة في ذلك الوقت.
وقد ترك هؤلاء النواب سجلاً حافلا بالنضال من أجل تأمين المطالب الاقتصادية للطبقة العاملة وجذبها إلى ساحة النضال السياسي، خاصة أنه ركز نشاطه الرئيس بالمدن وبين الطبقة العاملة، حتى شكل العمال 75% من أعضائه، بينما شكل المثقفون 23%، والفلاحون 2% فقط منهم. بينما بلغ عدد أعضائه في ذلك الوقت 25,000 عضو. لا سيما أنه نجح في دمج جميع النقابات العمالية القائمة في تنظيم واحدة، أطلق عليه «المجلس المركزي الموحد لعمال وكادحي إيران» له مجلس قوامه 55 عضوًا، يُنتخب منهم 15 ممثلا باللجنة المركزية للحزب، يُعيّن 5 منهم أمناءً. علما أن هذا المجلس بدأ بخمسين ألف عضو، ولكنه سرعان ما توسّع ليشمل أكثر من 90% من الطبقة العاملة في إيران.
ومن ناحية أخرى، كان ارتباط حزب توده بالاتحاد السوفييتي على مستوى التمويل والدعم الإعلامي والتدريب التنظيمي عاملا حاسما في تحديد مواقفه السياسية، لدرجة أن هذا الارتباط تحول تدريجيًا إلى تبعية سافرة، دفع الحزب ثمنها، بعد أن خيبت آمال قواعده الجماهيرية، سواء أثناء تفاقم أزمة امتياز نفط الشمال، وتأميم صناعة النفط في البلاد، أو حتى أثناء الأزمات المصيرية، التي كادت تعصف بالسيادة الوطنية على إقليمي كردستان وأذربيجان. 
  • امتياز نفط الشمال: كان مسالة كاشفة لأداء الحزب ومواقفه المعكوسة؛ فقد كان نوابه في المجلس يعارضون صراحة منح أية امتيازات نفطية للأجانب، ولكنهم سرعان ما غيروا موقفهم؛ بعد فترة وجيزة من طلب موسكو امتياز نفط الشمال، في سبتمبر 1944م، فلم يدخروا وسعا لدعم هذا الطلب، بل وذهبوا إلى حد تنظيم مسيرات ضخمة ضد الحكومة. وقد برر «نور الدين كيانوري» هذا الموقف بقوله: «إن روسيا تقدّمت بطلب الامتياز؛ للحيلولة دون أن يصبح شمال إيران منطقةً خاضعةً لهيمنة الولايات المتحدة» وقال إحسان طبري: «للاتحاد السوفييتي مصالح في إيران، وشمال البلاد منطقة أمنية سوفييتية، ويجب منحه هذا الامتياز!» وكان ذلك سببا في انسحاب «خليل مالكي» و«جلال ال أحمد» من الحزب. 
ولعل الملفت هنا، أنه لم يمضِ وقت طويل على موقف حزب توده من مسالة امتياز نفط الشمال، حتى شنّ ضباط موالون له تمردا مسلحا في خراسان، في أغسطس 1945م، قضت القوات المسلحة الإيرانية عليه، وقتلت العديد من الضباط المتمردين. بينما لجأ من تبقى منهم إلى الاتحاد السوفييتي. وكان هدف هؤلاء الضباط إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة «تركمن صحرا» بدعم سوفييتي، على الرغم من أن قادة الحزب تنكروا لهذا الإجراء لاحقًا معلنين جهلهم به.
  • أزمة أذربيجان: حدثت خلال الحرب العالمية الثانية، وتبنى توده، موقفًا ضبابيًا من هذه المحاولة الانفصالية التي قادها بدعم سوفييتي، العضو السابق بالحزب الشيوعي وحزب توده «جعفر بيشه وري» بعد ثلاثة أشهر من تأسيسه «الحزب الديموقراطي الأذربيجاني» كجناح أذري لحزب توده، عندما أعلن قيام حكومة أذربيجان المستقلة، 12 سبتمبر 1945م، التي ما لبث أن انضم إليها الضباط الموالون لتوده، وسبق أن لجأوا إلى الاتحاد السوفييتي، بعد فشل تمردهم في خراسان، كما سبقت الإشارة.
وقد تعاملت الحكومة الإيرانية مع هذه الأزمة بحكمة؛ فقد وعد «أحمد قوام السلطنة» فور توليه رئاسة الوزراء، بحلها، وحل قضية نفط الشمال بالتفاوض. ومن ثم توجه في مارس 1945م، إلى موسكو على رأس وفد سياسي واقتصادي وثقافي رفيع المستوى، حيث أجرى مفاوضات مفصلة مع «ستالين» واضطر، أمام الضغط السوفييتي، أن يتعهد بتعيين أعضاء من حزب توده في حكومته، وتوقيع اتفاقا لنقل نفط الشمال إلى الاتحاد السوفييتي، مقابل عدم دعمه للحزب الديمقراطي الأذربيجاني الانفصالي وسحب قواته من إيران. ومن ثم، عاد إلى طهران ليصدر بيانا مشتركا مع السفير السوفييتي بطهران، في 15 أبريل 1946م، شدّد فيه على أربع نقاط رئيسة، هي:
  • على الحكومة الإيرانية تقاسم السلطة مع حزب توده.
  • على الجيش السوفييتي إخلاء جميع الأراضي الإيرانية، خلال شهر ونصف.
  • بما أن الأحداث في أذربيجان شأن داخلي، يجب التوصل إلى اتفاق سلمي لحلّها.
  • على البرلمان التصديق على اتفاقية إنشاء شركة النفط الإيرانية السوفييتية خلال سبعة أشهر.  وبناء عليه، نفذ «قوام السلطنة» الفقرة الأولى من الاتفاق، ومنح حزب توده ثلاث حقائب وزارية بحكومته، التي شكلها، في 10 أغسطس 1946م، إذ كلف «إيراج إسكندري» بوزارة التجارة والصناعات اليدوية والفنون و«فريدون كشاورز» بوزارة المعارف و«مرتضى يزدي» بوزارة الصحة. وفي المقابل، حُرم الحزب الديمقراطي الانفصالي من الدعم السوفييتي. أما من جانبه، فقد رحّب الحزب بهذا التطور، وعَدّه فرصة للاستيلاء على السلطة. غير أن عمر هذه الحكومة لم يدم طويلًا، فقد تقدم قوام السلطنة باستقالته، في أكتوبر 1946م، وشكّل حكومةً جديدة، أزاح منها وزراء توده. وفي 21 ديسمبر 1946م، سيطر الجيش الإيراني على أذربيجان بالكامل، فاضطرت القوات الأذرية، التي فقدت آلافًا من أنصارها إلى الفرار إلى موسكو، التي أوقفت بدورها بث إذاعة «صوت الشعب» (صدای مردم) السرية التي كانت تبث من «باكو»  كما سيطر الجيش الإيراني أيضا على «مهاباد» بعد أن سحق الجمهورية الكردية التي تشكلت بمساعدة سوفييتية. 
وكانت موسكو قد دعت ثلاثين من وجهاء وشيوخ العشائر والقبائل الكردية من «مهاباد» للعاصمة الأذربيجانية «باكو» في نهاية عام 1941م، لبناء جسور التواصل معهم، وتقديم الدعم المالي إليهم، وظل هذا الاتصال مستمرا حتى الاعلان عن قيام «جمهورية مهاباد» عام 1945م، التي أطلق عليها اسم «الجمهورية الكردية الشعبية» ثم أسس المثقفون الأكراد، في العام التالي، حزبا سياسيا باسم «كومه له ى زيانه وه ی کورد» (حزب البعث الكردي) في 16 سبتمبر 1942 م، شعاره الحكم الذاتي، وأصدر مجلة بالكردية، ناطقة باسمه هي «نیشتمان» (المواطن) ثم انضم إليه السياسي الإيراني البارز «قاضي محمد» في أكتوبر 1944م، وأصبح أكبر تجمع يساري كردي بإيران.
وقد تسبب القضاء على محاولة انفصال أذربيجان وكردستان في تلقى حزب توده ضربة قاضية، فقد فر كثير من قادته إلى موسكو، منهم و«فريدون كشاورز» و«أردشير أوانسيان» و«عبد الصمد كامبخش» و««إحسان طبري» و«إيرج إسكندري» إلا أن هذا لم يعن نهاية أنشطته، فقد أجرى الحزب تغييرات على هيكله، وأفسح الأمناء الثلاثة الأوائل للحزب الطريق لمجلس جديد قوامه سبعة أعضاء لقيادة الحزب حتى تشكيل المؤتمر الثاني للحزب. والذي انعقد في طهران عام 1948م، حيث تم انتخاب أمناء جدد للحزب ولجانه الداخلية. ولكن مع محاولة اغتيال الشاه «محمد رضا بهلوي» في حرم جامعة طهران، يوم 4 أبريل 1949م، على يد «ناصر فخرآرئي» العضو السابق بالحزب؛ حظرت السلطات الحزب وأعلنت أن وجوده غير قانوني؛ ومن ثم بدأ يفقد مصداقيته أمام قواعده الجماهيرية بوصفه حزب عميل للسوفييت. () ومما أضعف من شعبيته أكثر أن الشاه أكد أن «توده مجرد أداة سوفييتية لا أكثر» خاصة أنه دعم السياسات السوفييتية في الداخل الإيراني، على الرغم من تعارضها مع المصالح الإيرانية
ومن ناحية أخرى بدأت السلطات في ملاحقة قادة الحزب وأعضائه ومحاكمتهم، غير أن ثلاثة منهم، وهم «رضا رادمانش» و«إحسان طبري» و«فريدون كشاورز» لجأوا إلى موسكو. الجدير بالذكر أنه قبل محاولة اغتيال الشاه، كان الحزب قد تورط في اغتيال «محمد مسعود» رئيس تحرير صحيفة «مرد امروز» ولكن قادة حزب توده تمكنوا من الفرار من سجن «قصر» بمساعدة أعضاء التنظيم العسكري للحزب؛ ليواصلوا أنشطتهم السرية. حتى تولي الدكتور مصدق رئاسة الوزراء، في أبريل 1951م ليعاود الحزب أنشطته في العلن مرة أخرى، عبر تنظيم مؤقت أطلق عليه «الجمعية الوطنية لمكافحة الاستعمار» 
  • تأميم صناعة النفط: على الرغم من أن توده ظل متبنيا لخطاب مناهض للنفوذ البريطاني في إيران، وانتقد بشدة امتياز شركة النفط الأنجلو إيرانية. إلا أنه اتخذ موقفًا مترددا حيال قرار التأميم، مما أصاب بعض مثقفي الحزب بخيبة أمل من هذا الموقف؛ فقد كانت علاقة الحزب بحكومة محمد مصدق تتسم بالتذبذب، لأن ديناميكيات الحزب كانت تحول دون استخدامه لأي خطاب مؤيد لمصدق، لأنه كان يرى أن «البرجوازية الوطنية» لمصدق مثيرة للشكوك حول عمق مشروعه الوطني؛ الأمر الذي أسهم في إضعاف الجبهة الوطنية في مواجهة الانقلاب المضاد الذي نفذته الولايات المتحدة وبريطانيا، للإطاحة بمصدق وحكومته الوطنية، عام 1953م. 
كما كان حزب توده يرى أن مصدق مثله مثل «أحمد قوام السلطنة» عميل للولايات المتحدة. بينما كان مصدق يعتقد أنه طالما أن بريطانيا، أو أي قوة أجنبية لديها مصالح اقتصادية مباشرة في إيران، مثل نفط الجنوب، فإن إقامة حكومة وطنية ضروري؛ لتأميم صناعة النفط. ولكن توده كان يروج في الظاهر، وفقا لأيديولوجيته أن التحرر من الاستعمار يكمن في قيام ثورة برجوازية ديمقراطية، وليس في تأميم صناعة النفط. لكنه في حقيقة الأمر كان يرى أن تأميم صناعة النفط سوف يحرم الاتحاد السوفييتي من امتياز نفط الشمال أيضا، ولعل هذا كان هو السبب في وصف مصدق بأنه خادم للإمبريالية. بينما كان مصدق يدرك أن تحالفه مع حزب توده سوف يتسبب في استياء الولايات المتحدة الأمريكية ويجعلها تقطع مساعداتها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية عن إيران. لذا، تجنب التحالف معه. وعلى الرغم من هذا، اضطر توده في نهاية المطاف لدعم جهود تأميم النفط.
على الرغم من هذا، ظل حضور حزب توده راسخًا في الذاكرة السياسية الإيرانية، باعتباره أكبر قوة جماهيرية يسارية عرفتها البلاد، وفاعلًا مؤثرًا في مرحلة مفصلية من تاريخها السياسي والاجتماعي. فقد تسبب صعوده في المجتمع، في قيام ائتلاف معارض له، ضم نبلاء الأسرة الملكية وكبار ملاك الأراضي الزراعية والبرجوازيين وقادة المؤسسة العسكرية والنخبة السياسية المقربة من الولايات المتحدة وبريطانيا ومعظم الفقهاء والجماعات الدينية المحافظة. والتي ساندت موقف الشاه أثناء خلافه مع محمد مصدق، حول السيطرة على القوات المسلحة، وإصلاح النظام الانتخابي، وتأميم النفط.

 

المبحث الثاني
التنظيم العسكري لحزب توده
تأسس «التنظيم العسكري لحزب توده» (سازمان نظامی حزب توده) على يد كل من «عبد الصمد كامبخش» و«خسرو روزبه» و«عزت الله سيامك» أوائل عام 1944م، وكان خاضعًا، خضوع الحزب، للسياسات والمصالح السوفييتية. وكان له دور في تمرد ضباط الفرقة الثامنة بخراسان، في 14 أغسطس1945م ومحاولة انفصال أذربيجان()وأمام الضغوط التي تعرض لها الحزب؛ تم حل هذا التنظيم بناءً على اقتراح «خليل مالكي» غير أن عددا من الضباط، بمن فيهم النقيب «خسرو روزبه» اعترض على قرار الحل هذا؛ وكونوا بشكل مستقل «تنظيم الضباط الأحرار الإيرانيين» ولكنه لم يكن قادرا على فعل أي شيء، وبالتالي طُرحت فكرة إعادة ادماج هذا التنظيم في حزب توده، بعد المؤتمر الثاني لحزب توده وتغيير قيادته، ومن هنا أصبح أمر التنظيم العسكري للحزب قائما، عام ١٩٤٨م
وبدأ في استقطاب الضباط اليساريين بالأفرع الرئيسة بالجيش، وخاصة القوات الجوية، لتتشكل منهم النواة الأولية للتنظيم العسكري للحزب. وكانت كلية الضباط، هي مركز فرز وتجنيد الطلاب الجدد وصغار الضباط، بفضل جهود العقيد «آذار» الذي نجح في ضم عددًا كبيرًا منهم إلى الحزب. ومن أهمهم «خسرو روزبه» الذي أصبح لاحقًا قائدًا للتنظيم.
أما فما يخص عدد الضباط المنضمين لهذا التنظيم، فكان يشهد تزايدا متدرجا، فبلغ حوالي أربعمائة وثمانين ضابطًا. منهم 131 ضابطًا بالمدفعية والمدرعات والمشاة، و120 ضباط بالشئون الهندسية والفنية والاتصالات والخدمات الطبية، و32 بالقوات الجوية. منهم 53 ضابطا كانوا يخدمون بوحدات بالقرب من طهران وضواحيها، والآخرون بمحافظات أخرى. ثم ما لبث عدد التنظيم أن ارتفع إلى 600 ضابط في الجيش وقوات إنفاذ القانون. منهم قادة الوحدات القتالية، على مستوى السرايا والكتائب، وحتى بين صفوف الحرس الملكي. فضلا عن بعض أساتذة الجامعة والعاملين بالسلك القضائي والإداري بالدولة وخلايا الحزب التي كانت متغلغلة داخل المصانع والمدارس والجامعات.
وقد نجح هذا التنظيم، في تكوين فهم موضوعي وحقيقي لطبيعة المؤامرات ومخاطرها، التي كانت تُحاك ضد الحركة الوطنية في صفوف الجيش والشرطة. كما أعدّ خططًا لمواجهة أية محاولة للانقلاب على هذه الحركة، منذ أواخر عام ١٩٥٢م، كما أهل مجموعات عسكرية مدربة «طليعية» لهذه الهمة.
وناشدت «شجاعت» إحدى صحف الحزب، في افتتاحيتها يومي 11 و12 أغسطس 1953م، الشعب «الاستعداد لسحق المؤامرة الغادرة» ضد حكومة مصدق.  غير أن أعضاء حزب توده لم يحركوا ساكنا؛ ليشهدوا سقوطَ الحكومة وانتصارَ مُدبّري الانقلاب في 18 أغسطس، ليضيع قادة الحزب هذه الفرصة التاريخية عمدًا، بعد أن حيدوا أي تحرك ضد هذا الانقلاب.
وذكرت بعض الدراسات أن من بين أسباب عدم تحرك التنظيم العسكري، على الرغم من إعلان الحزب الاستنفار لمجابهة أي انقلاب ضد الحكومة الوطنية، مراعاة الأهداف والمصالح السوفييتية. خاصة أن موسكو لم يوافق على تأميم صناعة النفط، إضافة إلى وفاة «جوزيف ستالين» في نفس التوقيت تقريبا، مما أدى إلى عدم إصدار الحزب أوامر بالتدخل في انقلاب أغسطس 1953م، على الرغم من أنه كان يتمتع بالقوة اللازمة لمواجهة هذا الانقلاب. أما ما قام به بعض الضباط المنتسبين للحزب وبعض ضباط الجناح العسكري خلال الانقلاب، فكانت جهودًا فردية، طوعية، خارج أوامر وسياسات الحزب
وعلى الرغم من ذلك، كثّف حزب توده تحركاته، فور تشكيل حكومة عسكرية، وإعلان الأحكام العرفية، وزاد التنظيم العسكري من تدريباته، وتوسيع نطاق واجباته، لتشمل حماية الحزب من قرارات الحاكم العسكري، ومساعدة الحزب على مواصلة أنشطته. ومن ثم تبارى أعضاء التنظيم المتغلغلين بسلك القضاء العسكري وجهاز الشرطة، وإدارة السجون، في ذلك؛ فنجحوا في إخفاء الدكتور «حسين فاطمي» وتهريب أبرز قيادات الحزب من المعتقل: الدكتور «نورالدین کیانوری» والدكتور «مرتضى یزدي» والدكتور «حسین جودت» والمهندس «علی علوي» و«محمود بقراطی» و «أحمد قاسمي» و«علی اکبر شاندرمنی» و«صمد حکیمی» و«عبدالحسین نوشین» و «خسرو روزبه»
كما بدأ التنظيم العسكري في تنفيذ عدد من العمليات التي تدفع الشعب إلى النضال؛ لإسقاط حكومة الانقلاب. في ظل تفاقم غضب العمال والمثقفين ورجال البازار والموظفين وكثير من ضباط الجيش والشرطة، وجميع أنصار مصدق والجبهة الوطنية، اعتقادا منهم أن تنفيذ مثل هذه العمليات، يمكن أن يؤدي إلى تعبئة جميع قوى المعارضة لحمل السلاح ضد النظام. ولكن بمرور الوقت، أدرك الحزب أن السواد الأعظم من الشعب وأنصار مصدق أذعنوا للوضع، فتوقفت هذه العمليات عند حد معين، حتى تم الكشف عن هذا التنظيم
من بين هذه العمليات، محاولة تخريب قاعدة قلعة «مرغي» الجوية وإحراق الفرقاطة «ببر» بمياه الخليج، والبدء في التخطيط لحرب العصابات، وخطة لصنع القنابل اليدوية، ولكن هذه التحركات في النهاية لم تُسفر عن أية نتائج حتى تمكنت السلطات من اكتشاف هذا التنظيم، وشفرته السرية، واعتقال جميع ضباطه، وحله فعلياً. وإعدام نحو 27 ضابطا رمياً بالرصاص والحكم على المئات منهم بعقوبات مختلفة، ولم يتمكن سوى 37 عضواً بالتنظيم من الفرار إلى الاتحاد السوفييتي
وكانت عملية إحراق الطائرات بقاعدة قلعة «مرغي» إحدى العمليات التي نفذها ضباط التنظيم، في إطار خطة تدمير منشآت ومعدات الجيش، واستهداف رجال قوات إنفاذ القانون، التي كان الحزب قد بدأها تحت إشراف غرفة عمليات يديرها كل من «خسرو روزبه» و«محمد علي مبشري» والدكتور «حسين جودت» والدكتور «نور الدين كيانوري» والمهندس «علي علوي» وقيادي آخر يُدعى «آرش» ولكن بفضل يقظة رجال أمن المطار المذكور، فشلت المحاولة
وكان اكتشاف السلطات الإيرانية للجناح العسكري أشبه بالمصادفة، عندما كلف «خسرو روزبه» من مخبئه، صديقه المقرب، النقيب «أبو الحسن عباسي» بمهمة نقل حقيبة منشورات ومطبوعات التنظيم من أحد المنازل بشارع «جمال الحق» إلى مكان آخر أكثر أمانا، فجر يوم 11 أغسطس 1954م، فاشتبه به أحد رجال الشرطة، ليتم القبض عليه؛ ليجدوا أن الحقيبة التي بحوزته تحتوي على كتب ومنشورات حزبية. فأبلغوا على الفور إدارة الحاكم العسكري لطهران، ليتم اقتياده والتحقيق معه، الذي كشف فيه عن المنزلين السريين لتنظيم الضباط. كما أرشد تحت التعذيب عن العقيد «محمد علي مباشري» والنقيب «مختاري» والنقيب «محقق زاده» وعدد من أعضاء التنظيم الآخرين. وعن كتاب شفرة يحتوي على أسماء جميع أعضاء التنظيم. الذين اعتُقل العديد منهم وبحوزتهم كميات هائلة من الوثائق والأدلة. ومع اكتشاف مخابئ جديدة للتنظيم والحزب وعدد من مستودعات الأسلحة، بدأت الصحف، يومًا بعد يوم، تنشر أخبار ومعلومات أثارت ضجة كبيرة بالمجتمع للانقلاب.
(انظر الملحق، تقرير الكشف عن التنظيم العسكري، الوثيقة رقم 1)
أولا: أهداف التنظيم العسكري ومهامه:
كشفت وثائق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أن هذا التنظيم كان على اتصال مباشر بالسفارة السوفييتية في طهران، وكان يستهدف إضعاف نفوذ الشاه داخل القوات المسلحة بينما كانت مهامه التكتيكية منحصرة في البداية في ضمان بقاء الحزب، ومساعدة معتقليه على الهرب، والمشتبه بهم على الإفلات من العقاب، وتحييد أية إجراءات حكومية ضده، والتمهيد، على المدى الطويل للاستيلاء على السلطة، حال سمحت الظروف. غير أن هذه المهام تطورت لتشمل ما يلي:
  1. تدريب العناصر المنتقاة من المدنيين المنتمين للحزب، وتوفير الأسلحة والمعدات والمناطق اللازمة.
  2. التخطيط لعمليات تستهدف رجال الشرطة وأجهزة حفظ النظام. 
  3. تخريب المنشآت والمعدات العسكرية. 
  4. سرقة الذخيرة والأسلحة من مستودعات الجيش وقوات حفظ النظام. 
  5. مساعدة الضباط وضباط الصف على الهرب من خدمتهم العسكرية، وإخفاء الجنود المطلوبين.
  6. التخطيط للتمرد والعصيان وإثارة الشغب والفوضى في المدن وعاصمة البلاد 
  7. تزويد الحزب بمعلومات عسكرية سرية
  8. دراسة الوسائل المناسبة لتقديم الرشاوى للقيادات العسكرية، أو تكوين خلايا تابعة داخل الجيش. 
  9. تحريض الجنود الذين يمكن أن يُكلفوا بقمع مظاهرات حزب توده على عدم إطاعة أوامر قادتهم 
وفي إطار هذه الأهداف، وقع الاختيار على حوالي ألفي عضو موثوق بهم من أعضاء الحزب؛ لتلقي التدريبات العسكرية، وتم تقسيمهم إلى 100 مجموعة، كل مجموعة تضم 20 عضوا. يتولى تدريب كل مجموعة خمسة أعضاء، ممن هم أكثر ملاءمة واستعدادًا لهذه المهمة. كما تم اختيار عدد من الضباط غير المعروفين داخل تنظيم الضباط للتواصل مع المجموعات، بعد أن تلقوا تدريبا متخصصا على يد عدد من كبار الضباط. والذي شمل: الرماية، والقنص، واستخدام البنادق والمسدسات ومدافع الهاون، وصناعة القنابل اليدوية، وزجاجات المولوتوف والمتفجرات الأخرى، وأساليب القتال في المدن، والاشتباك مع قوات الشرطة، والإسعافات الأولية.

 

ثانيا: الهيكل التنظيمي للتنظيم العسكري:
في البداية، انتخب الحزب الهيئة التنفيذية للتنظيم العسكري، حتى وقوع انقلاب 1953م، وكانت موزعة على خمسة فروع، هي:
  1. فرع التشكيلات 
  2. فرع الدعاية 
  3. فرع التلقين 
  4. الفرع المالي
  5. فرع الاستخبارات
مجلس أمناء الجناح العسكري، من إعداد الباحث
ثم تطورت الهيئة التنفيذية إلى سبعة أفرع، تديرها أمانة مكونة من ثلاث قيادات، تابعة مباشرة للجنة المركزية: 
  1. فرع الاستخبارات تحت مسؤولية «خسرو روزبه»
  2. فرع الشرطة تحت مسؤولية العقيد «محمد علي مباشري» 
  3. فرع الدرك تحت مسؤولية العقيد «عزت الله سيامك»
  4. فرع الطيران والطب والمدن تحت مسؤولية «منوجهر بختياري» 
  5. الفرع 29 تحت مسؤولية العقيد «إسماعيل محقق دواني»
  6. الفرع 17 تحت مسؤولية النقيب «أبو الحسن عباسي»
  7. الفرع 9 تحت مسؤولية الرائد «جعفر وكيلي»
وقد ورد بالوثائق السرية المصرية أن السفير المصري لدى طهران «عبد الشافي اللبان» بعث كتابا بتاريخ 19 سبتمبر 1954م، رقم (123) ملف رقم (9/2/22) إلى «السيد السفير وكيل وزارة الخارجية» مشفوعا بمذكرة وافية، أعدها السكرتير الثاني بالسفارة «محمد خير الدين نصار» بعنوان «اكتشاف خلية شيوعية كانت ترمى إلى الأعداد للقيام بانقلاب عسكري» ولعل ما لفت انتباهي في هذه المذكرة هو دقة معلوماتها المفصلة. ونظرا لأهميتها فسوف نوردها نصا
إذ ذكر السفير «عبد الشافي اللبان» في كتابه المذكور: –
«في أثناء مقابلتي الأخيرة لجلالة الشاه، بتاريخ أول سبتمبر الجاري، ذكر جلالته أنه سعيد بتبليغي أنه في هذا اليوم تم القبض على جماعة من ضابط الجيش والبوليس الشيوعيين، الذين كانوا يهدفون إلى التآمر على قلب نظام الحكم، وأن التحريات قد كشفت عن بؤرة هذه الخلية الشيوعية وتوصلت إلى معرفة رؤسائها وأنه مما يدعو إلى الأسف أنه وجد بينهم بعض ضباط ممن يعملون في الحرس الإمبراطوري»
ثم استدرك السفير «اللبان» بقوله:
«وكانت الصحف قد سبق أن أعلنت هذا النبأ في شيء من التحفظ يقتضيه المقام؛ إذ إن السلطات كانت غير راغبة في نشر أخبار المؤامرات؛ لما في هذا التريث من فائدة في تسهيل القبض على أفراد الخلية. ثم ما لبثت الأخبار أن تواترت عن هذا الموضوع وعن القبض على المشتركين في المؤامرة، الذين قيل إن عددهم من العسكريين بلغ نحو خمسمائة ضابط. وقد كلفت زميلي السيد محمد خيرالدين نصار سكرتير ثاني السفارة ببحث هذا الموضوع فتفضل بإعداد المذكرة التي أتشرف بإرفاقها مع هذا مصحوبة ببعض تعليقات وجيزة»
وقال السفير «اللبان»
«ذكر لي جلالة الشاه أنها كانت ترمي لقلب نظام الحكم ولا يبعد أنها كانت ستصل في ذلك إلى أعمال لا تقل خطورة عن ثورة أذربيجان وعقب على ذلك بأن التغلغل الشيوعي في الجيش بدأ منذ نحو ثلاثة عشر عاماَ. ولذلك يعتبر الكشف عن خلاياه اليوم حدثاَ من أهم الأحداث التي وقعت في تاريخ إيران الحديث بل ولعله أهمها. كما ذكر أن الجوار بين الاتحاد السوفييتي وإيران – وهي حالة لا تتعرض لها مصر – من العوامل التي تساعد على نشر الشيوعية بتلك البلاد، مضافاَ إلى ذلك حالة الفقر والمرض التي تعانيها إيران وهي حالة تقوى من جانب المروجين لتلك المبادئ. كما تقوى من خطر دعايتهم التي ترمى إلى أهداف متطرفة، ولذلك فهو يعمل جاهداَ على محاربة الفساد والجهل والفاقة راجياَ بهذه الوسائل أن يحد من هذا النشاط الهدام»
وعلق السفير المصري على هذه المؤامرة وأبعاد الكشف عنها بقوله:
«يذهب الكثيرون من الإيرانيين مذهب جلالة الشاه فيما يتعلق بأهداف المؤامرة، ولو أن الدوائر الدبلوماسية ترى فيها رأياَ آخر. فالبعض يميل إلى الظن بأن المؤامرة مفتعلة وقصد بها إثارة ضجة تساعد على خلق جو من الإرهاب يتيح بتمرير اتفاقية البترول في البرلمان الإيراني، والبعض الآخر يرى أن المؤامرة حقيقية ولكن من المبالغة أن يقال إن أهدافها كانت ترمى إلى خلع الشاه وتغيير نظام الحكم. وكل ما في الأمر أنها كانت تعبيراَ شعبياَ عن التذمر والقلق من الحالة الحاضرة في إيران. وانه قد بولغ في تصويرها واستغلال ظروفها لتسهيل الموافقة البرلمانية على اتفاقية النفط».
«يقول البعض أيضا أن الأمريكيين لم يكونوا بعيدين عن هذا الموضوع ويستندون على ذلك ببعض القرائن أذكر منها ما قصه على لسان وزير السويد المفوض من أنه في حديث له مع السيد حسين علاء وزير البلاط فهم منه أن القاموس الرمزي الذي ضبط لدي أفراد الخلية كان بالغ التعقيد وقد وجد الخبراء الإيرانيون مشقة كبيرة في التوصل إلى فك رموزه حتى أنه في وقت ما اتجه الرأي إلى ارساله إلى واشنطن لكي يعمل الخبراء على حله، ولكن خبراء إيران توصلوا إلى ذلك في اللحظة الأخيرة».
«مهما يكن من أمر فأغلب الرأي لدى الكثيرين أن الكشف عن هذه المؤامرة قد قوى من مركز الجنرال زاهدي ومركز وزارته، وهو من شأنه أن يصادف اغتباط الأمريكيين لما هو معروف من أن الجنرال زاهدي هو رجلهم الذي يعتمدون عليه في الوقت الحاضر لتنفيذ سياستهم في إيران».
«سبق أن أشرنا في مناسبات سابقة إلى أن النجاح في عقد اتفاقية البترول، وإن كان سيساعد إيران في التغلب على بعض متاعبها الاقتصادية والمالية إلا أنه سيفتح الباب أمام مناورات جديدة من ناحية الروس لإثارة القلاقل والاضطرابات بإيران، ولعل الحادث الجديد هو بدء هذه السلسلة من المتاعب».
وقد ورد بالمذكرة، التي أعدها «محمد خير الدين نصار» الكثير من التفاصيل والحقائق، مصحوبة بتعليقات ضافية. فبعد أن وصف المنظمة العسكرية التي «تنتمي إلى حزب توده الشيوعي انخرط في سلكها ضباط من الجيش والبوليس والجندرمة وكانت توحى – حسب ما اشيع – إلى قلب نظام الحكم والإطاحة بالأسرة المالكة» بينما قال في موضع آخر من هذه المذكرة أن «بعض الدوائر تعتقد أن الأمر يتعدى مجرد الكشف عن خليه شيوعية إلى مؤامرة قُصد بها قلب نظام الحكم، كما أن البعض الآخر يميل إلى الظن بأن الأمر مفتعل من أساسه وأن الموضوع لا يخرج عن مناورة قٌصد بها تسهيل الموافقة على اتفاقية البترول في البرلمان الإيراني» ثم استعرض الآراء التي تعلقت بتفسير هذه المؤامرة وابعادها:
«انحصرت الآراء فيما يتعلق بالفئات التي ينتمي إليها هؤلاء الضباط في رأيين: –
(الأول) أنهم ممن يؤيدون حكم الدكتور محمد مصدق، الذي يعتبرونه مثال الرجل الوطني أراد كل الخير لبلده وذلك بتأميم صناعة البترول والقضاء على النفوذ الأجنبي». ثم يعلق على هذا الراي بعدم الترجيح «وإن كان لا يخلو من الوجاهة إلا أنه لا يرقى إلى درجة الصحة. حقيقة أن للدكتور مصدق أنصار ومؤيدون بين فئات الشعب المختلفة ولكن أنصاره يعوزهم التنظيم والإعداد وهذا ما يفتقر إليه الشعب كمجموعة. ومن ناحية أخرى قد لازم الدكتور مصدق السجن منذ أكثر من عام (أغسطس 1953) لم يحرك أحداً ساكناً ولم يجرؤ أي مؤيد لسياسته أن يرفع صوته بتأييده».
(الثاني) وهو الذي نعتقد بصحته، أنهم ينتمون إلى ذوي الأفكار اليسارية من أنصار حزب توده الشيوعي.
ثم برهن «نصار» على ترجيحه لانتماء الضباط إلى «حزب توده» الذي وصفه بـ «الوكر الشيوعي» بما يلي:
    1. «الحالة التي أصبحت عليها إيران اليوم من فقر وغلاء فاحش وانتشار للرشوة فاضح، مما لا يجعل مجالاً للشك في أنها أصبحت مرتعاً حياً للشيوعية والداعمين لها، لا في أوساط الشعب فحسب ولكن بين طبقات الموظفين على اختلاف درجاتهم أيضاً. ومما يؤيد حالة الفقر هذه أن الخزانة الإيرانية كثيراً ما تفتقر إلى المال لدفع مهايا الموظفين مما جعل الأمريكيين يمدونها بمساعدات في صورة 6 مليون دولار كل شهر».
    2. «النشاط الذي يقوم به الأمريكيون في إيران لضمها إلى حظيرة المعسكر الغربي، لا يلقى تأييدا من الجانب الأعظم من الشعب الإيراني؛ إذ أن السياسة الإيرانية ترتبط بعجلة السياسة السوفييتية بمعاهدتي سنه 1921 وسنة 1927، ولذلك فإنهم يرون أن أسلم سياسة يتبعونها أن يقفوا موقفاً محايداً بين الكتلتين الشرقية والغربية. ومن المعروف أن الجنرال زاهدي من مؤيدي السياسة الأمريكية؛ ولن يدخر وسعاً في المستقبل في ضم إيران إلى عجلة المعسكر الغربي، بل إنه قد كشف أسراره بالتصريحات التي ألقاها على مديري الصحف الإيرانية في يوم 26 يوليو الماضي … كل هذا في الوقت الذي يستمع فيه الإيرانيون إلى الرغبات السوفييتية التي ترمى إلى عدم الحاق إيران بأي حلف تابع للمعسكر الغربي. ولا شك أن كل هذه العوامل زادت من أنصار زاهدي وزادت من ناحية أخرى من أنصار أصحاب الآراء اليسارية أي حزب توده الشيوعي».
    3. «اتفاقية البترول التي نجحت حكومة زاهدي في عقدها مع ممثلي الشركات العالمية مما يغضب الروس ولذلك قاموا، ويقومون الآن، بدعايات واسعة ضد هذه الاتفاقية؛ على اعتبار أنها قضاء على قانون تأميم صناعة البترول الذي أصدره مصدق. ولا شك أن هذه الدعايات تلقى أذاناً صاغية من جانب الإيرانيين. وأن الروس قد أعدوا العدة لكل احتمال بقصد ربط الإيرانيين بعجلتهم ونظموا الداعمين لهم منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً للقيام بأي حركة يأمرونهم بها، ولذلك فقد لا يبدو غريباً الحركة التي كشفت عنها السلطات أخيراً انتظرها مؤيدو الروس نظراً لطرق تنظيماتها من ناحية والأهمية التي تبدو عليها من ناحية أخرى».
    4. إن «أرجح الرأي في الدوائر الدبلوماسية يتجه إلى القول بوجود مؤامرة خطيرة الأغراض، جاء الكشف عنها في هذا التاريخ وسيلة طيبة يمكن استغلالها للحصول على موافقة البرلمان على اتفاقية البترول. تلك الاتفاقية التي يعلق الجنرال زاهدي على موافقة البرلمان عليها أهمية قصوى؛ نظراً لما سوف يؤدى إليه حصول إيران على إيرادات جديدة من ثروتها البترولية من تخفيف لوطأة الفقر التي تعانيها هذه البلاد مما يقوي من مركز الحكومة في محاربتها لانتشار الشيوعية».
    5. «أن السفير الروسي على حسب ما نشرته الصحف لم يخف شعوره بعدم الارتياح من جراء القبض على الضباط خلال الحفلة التي اقامتها المفوضية الرومانية يوم 29 أغسطس الماضي إذ ذكر صراحة وبانفعال أن “هؤلاء الضباط غير مذنبين»
  • «البلاغ الرسمي الذي أصدره مكتب الحاكم العسكري لمنطقة طهران في 12 سبتمبر الجاري إذ جاء فيه ما يأتي:
لاحظنا منذ وقت أن عناصر يسارية من حزب توده المنحل قد تسربت إلى صفوف الجيش وحاول أن يحصل على معلومات بغرض شل حركة القوات العسكرية وإيجاد حالة الاضطراب في صفوف الجيش والبوليس والجندرمة. ولاحظنا أن حركة هذه العناصر اليسارية تزداد يوماً عن يوم. ومما زاد من شكوكنا نشر بعض الأسرار العسكرية الخاصة بمنظمات الأمن على صفحات الجرائد من ناحية وعلى المطبوعات السرية التي يوزعها توده من ناحية أخرى.
وعندئذ زاد يقيننا أن ثمة عناصر تودية (نسبة إلى توده) قد استطاعت التأثير على ذوي النفوس الضعيفة من ضباط الجيش والبوليس والجندرمة للقيام بالتجسس لحسابها عندئذ قمنا بتحقيقات واسعة النطاق اسفرت عن الكشف عن هذه الخلية الشيوعية والعثور على مستندات على جانب كبير من الأهمية تؤيد شكوكنا أن تفتيش مساكن المتهمين أدي إلى العثور على مستندات، لا تقبل الشك، تثبت انتمائهم إلى حزب توده وقد أسفرت التحقيقات من ناحية أخرى عن الكشف عن أسماء أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي ممن كانوا يقومون بالتجسس داخل الجيش والبوليس والجندرمة.
هذا، وقد أدلى جميع المقبوض عليهم باعترافات كاملة وطلب أكثر من واحد الصفح والغفران على ما أقترف من جرم. وعلى ذلك فيمكن للحكومة العسكرية اليوم أن تميط اللثام عن هذه المنظمة التودية التي تسربت إلى صفوف الجيش بغرض التجسس لحساب الغير ضد صالح الوطن. ومما يدعو إلى الأسف أن يكون من بين المتهمين أسماء يبدو لا غبار عليها. ولكنه بالكشف عن هذه الخلية والقبض على أعضائها تمكنا من القضاء نهائياً على نشاطهم التجسسي وتعد الآن الترتيبات لتقديمهم للمحاكمة العسكرية على ما اقترفوا من ذنوب في حق الوطن.
الحاكم العسكري لمنطقة طهران
الجنرال بختيار»

 

ثالثا: ضبط التنظيم العسكري:
سرد السكرتير الثاني بالسفارة المصرية لدى طهران «محمد خير الدين نصار» كثيرا من التفاصيل بشأن «كيفية اكتشاف الخلية» التي «لازالت السلطات تلتزم الصمت التام للكشف عن الغرض الذي كان يرمي المتآمرون إلى الوصول إليه» على الرغم من «أن التحقيقات التي أجراها مكتب المخابرات التابع لهيئة أركان الحرب من ناحية والتحقيقات التي قام بها مكتب الحاكم العسكري لمنطقة طهران من ناحية أخرى، ترجع تاريخها إلى أربعة أشهر مضت» أي في شهر مايو 1954م، ولكنه وجد «أن بتقصي الخطوات التي أدت إلى الكشف عن هذا الوكر الشيوعي» أستطاع أن يتوصل إلى خيوط الكشف عن هذا التنظيم داخل مؤسسات الدولة الحساسة، وسردها بتسلسل منطقي، نسوقه في النقاط التالية:
أولا: في «هذا الوقت لاحظت السلطات العسكرية أن منظمة توده الشيوعي يصل إلى علمها كل ما يتعلق بالمساعدات العسكرية الأمريكية، وأن المستندات الخاصة بهذه المساعدات قد بعث بها إلى خارج البلاد». وأنها استطاعت «أن تحصل على كل ما دار من محادثات بين قواد الجيش، وأن تحصل كذلك على مستندات على جانب كبير من الأهمية خاصة بخطط الدفاع عن إيران. وقد استخلصت السلطات العسكرية من كل هذا أن حزب توده تمكن بوسائله الخاصة أن يحصل على أسرار الشفرة العسكرية، وأن لديه أنصاراً بين ضباط هذه الشفرة فلم تجد هذه السلطات من وسيلة إلا تكوين لجنة تحقيق يقع على عاتقها استقصاء النشاط الشيوعي في دوائر الجيش للكشف عن هذا النشاط والقضاء عليه قبل أن يستفحل».
ثانيا: «وفى خلال الخريف الماضي اهتمت السلطات العسكرية بحادثين، الأول محاولة إحراق مطار «حالى مورجى» [مرغي] العسكري بجوار طهران، والثاني الحريق الذي شب في الفرقاطة بير التي كانت ترسو في الخليج الفارسي. وقد استطاعت السلطات القبض عل محدثي حريق الفرقاطة، حيث حوكموا وصدر الحكم بإعدامهم ولكن لم تسفر المحاكمة عن كشف اللثام عن أية منظمة شيوعية. أما محدثي حريق المطار فلم يسفر التحقيق عن القبض على أحد».
ثالثا: «كل هذه الأحداث ألجأت السلطات إلى إجراء تحقيقات واسعة النطاق داخل وحدات الجيش أسفرت عن اتهام المدعو أبو الحسن عباسي باتصاله بالمنظمات الشيوعية؛ فوضع تحت المراقبة الدقيقة، التي أدت إلى الكشف عن الخلية الشيوعية» رابعا: «أن أبا الحسن عباسي() هذا كان ضابطاً برتبة كابتن بالجيش الإيراني أستغنى عن خدماته لعدم طاعته للأوامر» وكان «على اتصال وثيق بالمدعو خوسرو روزبيه … فأعلمه أن السلطات العسكرية على علم بنشاطهما، ولما كان لديهما مستندات خاصة بحزب توده فقد ألقى خوسرو على عاتق عباس مهمة نقل هذه المستندات إلى مكان أمين، اتفق على أن يكون في بلدة زادجان. وفي اليوم المحدد لنقل هذه المستندات، خرج عباسي وقت الفجر حاملاً حقيبة المستندات وقاصداً محطة السكة الحديد، وهناك ألقى القبض عليه الكولونيل شاهبور إذ كان في انتظاره. وبالقبض على عباسي واكتشاف ما معه من مستندات أمكن القبض على الكابتن مدني من ضباط البوليس، وهذا الأخير أماط الاتهام عن اسم الكولونيل مبشرى، وبالقبض عليه أمكن الكشف عن المؤامرة كلها».
رابعا: «أما فيما يتعلق بمحتويات الحقيبة التي كان يحملها عباس، فقد كانت على جانب كبير من الأهمية إذ وجد بها ما يأتي:
  • أسماء ضباط ينتمون إلى أسلحة الجيش المختلفة في طهران. 
  • أسماء ضباط يتنمون إلى الحاميات المعسكرة في شمال إيران خصوصاً في تبريز (عاصمة أذربيجان) ومشهد وأصفهان.
  • رسومات القصر الإمبراطوري (سعد آباد) موضحاً بها أماكن حراسته ليلاً ونهاراً.
  1. شفرة سرية أمكن حلها بعد عمل متواصل استغرق خمسة أيام».
خامسا: «أدلى عباسي باعترافاته، إذ ذكر عنوان منزلين بشارع خانيجاه بجوار دار البرلمان، حيث كان يجتمع أعضاء المكتب العسكري لحزب توده. وهناك تمكنت السلطات من العثور على مستندات أخرى مكنتها من إنارة الطريق أمامها للكشف عن باقي المنظمة. وتمكنت من ناحية أخرى من القبض على الملازم الطيار نصيري، الذي صدر عليه حكماً غيابياً بإعدامه؛ لاشتراكه في محاولة إحراق المطار الحربي … أما خسرو زوربه فقد تمكن من الهرب».

 

رابعا: أسلوب عمل التنظيم العسكري:
أوردت مذكرة «محمد خير الدين نصار» بعضا من التفاصيل المتعلقة بأسلوب عمل التنظيم العسكري، على النحو التالي:
«كشفت تحقيقات السلطات عن كيفية تنظيم الخلية العسكرية الشيوعية ويمكن توضيحها كالآتي:
تصل تعليمات الهيئة المركزية لحزب توده إلى المدعو الدكتور غلام حسين جودت من أنصار الشيوعيين ومختفى عن الأنظار حتى هذه اللحظة، فيقوم بإيصالها إلى هيئة ثلاثية (هيئة الثلاثة) مكونة من الكولونيل مبشرى والكولونيل سياماك وخسرو روزبيه.
تقوم هيئة الثلاثة بإيصال هذه التعليمات إلى هيئة سباعية (هيئة السبعة) مكونة من هيئة الثلاثة التي سبق الإشارة إليها مضافاً إليهم
الكابتن عباسي، الذي سبق القبض عليه
الملازم محجج زاده، من القوات الجوية
الملازم مختارى، من القوات الجوية
القومندان وكيلي، من المدرسة العسكرية العليا
على كل من أعضاء لجنة السبعة أن يقوم بنشاط في ميدان معين حدد كالآتي:
خسرو روزبيه
الكولونيل مبشرى، نشاط داخل القوات البرية
الكولونيل سياماك، نشاط داخل الجندرمة
الكابتن عباسي، يختص بالمسائل المالية، وقد وضع تحت تصرفه 200 ألف ريال إيراني كل شهر أي ما يقرب من 800 جنيه
الملازم محجج زاده
الملازم مختارى، نشاط داخل القوات الجوية
القومندان وكيلي،نشاط داخل المدرسة العسكرية العليا

 

خامسا: نشاط التنظيم العسكري:ألقت مذكرة «محمد خير الدين نصار» الضوء على «نشاط المؤامرة» من حيث إنه كان يرمي إلى ما يأتي:
  • العمل على زيادة الاستياء وعدم الرضا بين الضباط.
  • انتهاز فرصة هذا الاستياء لإيجاد رابطة بين هؤلاء الضباط وحزب توده.
  • العمل على الحصول على معلومات عن القوات المسلحة.
  • شلة نشاط السلطة الحكومية في محاربتها للشيوعية.
  • التمهيد بذلك للقيام بحركة انقلاب.
كما أوردت نص «آخر منشور وزعه الشيوعيين على أعضاء الحزب بمناسبة القبض على أعضاء الخلية»، جاء فيه ما يأتي:
  • «تكلموا عن القسوة التي يعامل بها الضباط المقبوض عليهم وأثيروا الرأي العام لصالحهم».
  • «دافعوا عن المقبوض عليهم وأنشروا الإشاعات أن القبض كان بناء على طلب الاستعماريين».
  • «الضباط ممن ينتمون إلى الحرب ولم يتواجدوا في وحداتهم وقت القبض على زملائهم، عليهم البقاء خارج الوحدات انتظارا لأوامر جديدة».
  • «لا تتكلموا عن هؤلاء الضباط داخل الخلايا وإنما اذكروا أنهم أبرياء».
  • «إذا أراد أي عضو أن يذهب إلى خرسان أو أذربيجان، فعليه أن يطلب ذلك إذ سيحصل على منحة مالية كافية».
  • «إذا وصل إلى علم أي عضو معلومات عن أي نشاط غريب من جانب رجال الحكومة فعليه أن يبعث بتقريره إلى السفارة الروسية».
  • «استمرار الحرب على اتفاقية البترول هو الغرض الأساسي لنشاط الحزب».
  • «ستوزع جوائز مالية لكل من يدافع عن شخص السيد ديراشكاش عضو البرلمان».
سادسا: تداعيات كشف التنظيم:
واجه حزب توده ظروفا صعبة، عقب الكشف عن التنظيم العسكري، وتصفية وإعدام أعضائه؛ فقد برزت الخلافات الداخلية، وتفاقمت وسط اتهامات لعدد من قادة الحزب بالخيانة. ولذلك دخل الحزب مرحلة من الركود. خاصة أنه تأثر بتحسن العلاقات السوفييتية الأمريكية، وبالتالي فشل في اتخاذ أية تدابير حاسمة ضد نظام الشاه. كما لم يتمكن من استخلاص الدروس المستفادة، أو مناقشة تداعيات المتغيرات الداخلية والخارجية على استراتيجية الحزب وتكتيكاته اللازمة لمواصلة نضاله الحزبي. حتى عقدت اللجنة المركزية مؤتمرها الرابع، في مايو 1957م، بمشاركة 15 عضوًا من اللجنة المركزية، و59 من كوادر الحزب. بعد مضي أكثر من ثماني سنوات على انعقاد المؤتمر الثالث.
خاصة أن القيادات العليا للحزب هربت، كما سبقت الإشارة، إلى الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا وبلغاريا، وأُنشئ مكتب مركزي للحزب بمدينة باكو، تحت إشراف اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، بينما استقر «نورالدين كيانوري» و«إيرج إسكندري» في مدينة «براغ» بألمانيا الشرقية، حيث أعادا إصدار مجلة الحزب الرسمية «دنیا»   لتبدأ في تقييم تجربة الداخل الإيراني، حتى عام 1965م، وذلك في ضوء التفسير الماركسي اللينيني، ومحاولة إعادة البناء الفكري والتنظيمي للحزب من الخارج. ومن ثم نشرت هذه المجلة مقالات فكرية جديدة حول «التحليل الطبقي للمجتمع الإيراني» و«دور البرجوازية الوطنية «غير أن هذا التوجه الأكاديمي البحت جعل الحزب أكثر انعزالًا عن الداخل، وأفقده جزءًا من حيويته الثورية.
كما أعاد الحزب بناء مؤسساته في الخارج، مستفيدًا من دعم الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية. وتم تشكيل ما عرف بـ »کمیته برون‌مرزی حزب توده» (اللجنة الخارجية لحزب توده) التي نظمت مكاتبه في برلين الشرقية، وبراغ، وموسكو، ودمشق. وكانت مسؤولة عن التنسيق مع المنظمات الأممية مثل اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي واتحاد النقابات العالمية.
وعلى الرغم مما تعرض له الحزب، تمكنت بعض خلاياه من الاستمرار في العمل السري داخل إيران. معتمدة أسلوب «الخلايا العنقودية» لضمان السرية التامة. فنجحت في توزيع منشورات سرية مثل «نامه مردم» و«نبرد خلق» التي كانت تُهرّب من «براغ» إلى طهران عبر القنوات الدبلوماسية. () التي نجحت في تحريض العمال على تنظيم الإضرابات، مثل الإضراب الذي نظمه عمال حقول نفط «مسجد سليمان» و«اغاجري» في خريف 1957م، وإضراب 12 ألف سائق سيارة أجرة في طهران، وإضراب عمال مناجم رباط كريم من أجل زيادة الأجور في العام نفسه، وإضراب مصانع الغزل والنسيج في أصفهان عام 1958م، وإضراب 40 ألف عامل في صناعة الطوب في طهران عام 1959م، والتي كانت، من منظور الحزب، تعد مؤشرات على مستوى استعداد الطبقة العاملة للنضال ضد نظام الشاه.
ومع صعود بعض حركات المعارضة اليسارية المسلحة، خلال الستينيات والسبعينيات مثل منظمة «مجاهدي خلق» و«فدائيي خلق» وجد حزب توده نفسه أمام يسار جديد أكثر ديناميكية. وبالتالي حاول إقامة جسور فكرية معها، مع رفضه العمل المسلح، على اعتبار أنه «مغامرة فوضوية» وتمسك بخط «العمل الجماهيري والتقدم السلمي نحو الاشتراكية» وقد أدى هذا الموقف إلى فقدان الحزب نفوذه بين الشباب الراديكاليين. على المستوى الداخلي
أما على المستوى الخارجي، فقد أصبحت علاقته مشوبة بعدم الثقة مع الاتحاد السوفييتي؛ الذي كان يتعامل معه بوصفه مجرد أداة تكتيكية أكثر من كونه حركة جماهيرية فعالة. في المقابل أصبح الحزب على اقتناع بأن الاتحاد السوفييتي «الرفيق الأكبر» لم يفِ بالتزاماته تجاه الحزب. وقد أظهرت الوثائق السوفييتية أن روسيا كانت تتعامل معه بوصفه «ذراعًا استراتيجية لها في إيران يجب ألا تُستخدم إلا عند الضرورة» وأنها كانت تستخدمه وسيلة إعلامية لترويج السياسة السوفييتية في الشرق الأوسط، خاصة في دعم السلام العالمي ومناهضة حلف بغداد، بمقابل مادي محدود ودعم إعلامي عبر إذاعة «صدای مردم» الموجهة من باكو إلى إيران.
ومع تصاعد الاحتجاجات ضد نظام الشاه، أواخر السبعينيات، سعى حزب توده إلى استعادة نشاطه العلني مرة أخرى، فأرسل المكتب الخارجي للحزب، أواخر عام 1978م، بعثات سرية إلى طهران بقيادة نورالدين كيانوري لإعادة الاتصال بقواعد الحزب وخلاياه القديمة. وبعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979م، أعلن الحزب عودته الرسمية، مُقدِّمًا نفسه كـ «حزب ماركسي وطني داعم للاستقلال والثورة» لكن هذه العودة كانت مؤقتة؛ إذ سرعان ما بدأ التوتر بينه وبين القوى الإسلامية الحاكمة، ليدخل الحزب مرحلة جديدة من الصدام السياسي والأمني، بعد 1983م.
وهكذا، كانت المرحلة الممتدة بين عامي 1954م و1979م، واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ حزب توده؛ فعلى الرغم من أنه استطاع الحفاظ على تماسكه الفكري وتنظيمه الخارجي، إلا أنه فقد اتصاله بواقع الشارع الإيراني، منعزلا في دوائر النخبة الماركسية المقيمة في منفاها الخارجي. وعاش طوال هذا المدة منقسما بين الولاء للأممية الشيوعية والحنين إلى الوطنية، وهو ما مهد لاصطدامه بنظام الجمهورية الإسلامية الجديد.

 

المبحث الثالث
وضع حزب توده بعد الثورة الإسلامية
كانت تجربة حزب توده مع نظام الثورة الإسلامية تمثل فصلا جديدا من الصدام الأيديولوجي والأمني، على الرغم من أن هذه الثورة كانت تشكل له فرصة تاريخية مواتية لإعادة الاندماج في الحياة السياسية مرة أخرى، بعد أن أمضى أكثر من ربع قرن من النشاط السري والعمل في الخارج. خاصة أنها أطاحت بنظام الشاه الذي طالما عدّه «نظامًا تابعًا للإمبريالية الأمريكية» غير أن هذه الفرصة كانت تنطوي في حد ذاتها على عوامل انهياره تماما؛ نظرا لأنه لم يكن يدرك أنها ثورة ذات طابع ديني انتفاضي ومنطلقات أيديولوجية تختلف عن مقارباته الفكرية، وأهدافه الاستراتيجية. على نحو لم تدع لهما أي نقطة التقاء؛ وبالتالي سرعان ما تحولت العلاقة بينهما من تحالف تكتيكي إلى الصدام المصيري.

 

أولا: استئناف العمل الحزبي:
مع تصاعد الحراك الثوري ضد الشاه في أواخر السبعينيات، سعى حزب توده إلى تنظيم صفوفه من الخارج؛ وتأهب لاستعادة موقعه في خريطة التفاعلات الداخلية وضمان حقه حال توزيع الأثقال الحزبية؛ فأبدى استعداده لدعم الثورة الإسلامية، بوصفها فرصة تاريخية لإسقاط النظام الملكي. كما تبنّى خطابًا داعمًا لما عَدّه «جبهة وطنية – شعبية مناهضة للإمبريالية» بقيادة القوى الإسلامية، ولكن دون أن يشارك فعليًا في قيادة هذا الحراك، نظرًا لهيمنة التيار الديني على الشارع. وقد عبّر قادة الحزب، منهم «نورالدين كيانوري» عن اقتناعهم بأن العداء المشترك للإمبريالية الأميركية يُبرر الاصطفاف المرحلي مع الثورة الإسلامية، حتى وإن تباينت الرؤى بشأن الأهداف النهائية للنظام الجديد
ومن ثم، عاد، بعد انتصار الثورة، عدد من قيادات الحزب من الخارج، وعلى رأسهم « كيانوري» عائدا من «براغ» إلى طهران في مارس 1979م، كما تم الاعتراف بالحزب مرة أخرى، ليستأنف نشاطه رسميا؛ باعتباره حليفا طبيعيا للنظام الجديد، مؤيدا للثورة تأييدًا كاملاً، بوصفها «مرحلة وطنية ديمقراطية مناهضة للإمبريالية» وأعاد إصدار صحيفة «نامهءمردم» الناطقة باسم اللجنة المركزية، ومجلة «دنیا» المعنية بالتثقيف الفكري، وجريدة «پیکار» المعنية بمخاطبة العمال، و«رهبران فردا» الموجهة للشباب وطلاب الجامعة، والتي طالما طرحت رؤية الحزب لمعالجة قضايا العدالة الاجتماعية وعدالة التوزيع والإصلاح الزراعي، ومناهضة الإمبريالية الأمريكية، مع الإشادة الخاصة بالثورة بوصفها حركة «ضد الرأسمالية»
كما أعاد الحزب فتح مكاتبه وأمانات اللجنة المركزية في طهران وتبريز وأصفهان ومشهد () وشارك في بعض العمليات الانتخابية التي أجريت بالنقابات والجامعات. وحاول الحصول على مقاعد بمجلس الشورى الإسلامي، خلال الانتخابات التي أجريت، عام 1981م، عبر تحالفه مع قوى يسارية أخرى، تحت مظلة «جبهة القوى التقدمية» التي لم يفز منها أي مرشح. ومع هذا نادى بتوحيد جميع القوى الثورية تحت قيادة آية الله الخميني () وأعلن دعمه المطلق لقيادته، وشارك في مسيرات تأييد للحكومة الانتقالية. ووصف الثورة، وفي بياناته الرسمية، بأنها تحمل مشروعا وطنيا ديمقراطيا مناهضا للاستعمار، وأنها تمثل «ضربة للهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط» وكثف مساعيه إلى التقرب من القوى الدينية، عبر خطاب مزدوج أكد مدى «التقاطع بين الإسلام الثوري والماركسية في العدالة الاجتماعية»
وعندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، في الثاني والعشرين من سبتمبر 1980م، اتخذ الحزب موقفًا وطنيًا واضحًا، فقد أعلن دعمه الكامل «للدفاع المقدس» ضد العدوان العراقي. ورأى في الحرب «مؤامرة إمبريالية تستهدف الثورة» كما دعا قواعده الجماهيرية إلى التطوع في جبهات القتال. مما أكسبه تقديرًا رسميًا مؤقتًا من النظام.

 

ثانيا: عوامل عدم الاستمرار:
كان انخراط حزب توده مع نظام الثورة الإسلامية يعكس في جوهره تقديرًا خاطئًا من الحزب وفهما مغلوطا لطبيعة هذا النظام الجديد، الذي لم يكن في حسبانه بناء إلى شراكة مع أي من الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى، قدر نيته الاحتكار التام للسلطة تحت راية «ولاية الفقيه المطلقة» وبالتالي كان التقارب بين الحزب ونظام الثورة مجرد تحالف سطحي غير متكافئ؛ على نحو يمكن وصفه بـ«الفخ الاستراتيجي» الذي سقط فيه الحزب نتيجة قراءته المغلوطة لطبيعة التحولات بعد الثورة
خاصة أن رموز التيار الديني ظلوا، بطبيعة الحال، محتفظين بشكوكهم تجاه حزب طالما مثل امتدادًا للإلحاد والشيوعية الدولية. كما لم تغب عن مخيلتهم فتوى آية الله «بروجردي» التي أصدرها، عام 1946م، للتحذير من «الانبهار بالأفكار الهدامة القادمة من روسيا» التي قوضت انتشار أفكار الحزب في قم ومشهد. وفي المقابل، أخذ الجناح المتشدد داخل الحزب ينتقد موقف قادة اللجنة المركزية؛ ويتهمها بـ «الانحراف عن الخط الطبقي» معتبرًا أن دفاعهم عن النظام الثيوقراطي محض خيانة للمبادئ الماركسية. الأمر الذي أفضى بطبيعة الحال إلى ظهور انقسامات داخلية، فشلت اللجنة المركزية في احتوائها. ومن ثم بدأ الحزب يفقد تماسكه الداخلي تدريجيا؛ بسبب التعارض بين جناحي الحزب «الوطني» و«الأممي»
ومن ثم، أخذ موقف نظام الجمهورية الإسلامية يتغير من الحزب بشكل جذري، فبدأ، عام 1982م، بشن حملة إعلامية ضارية ضده تزعمتها جريدة «کیهان» و«جمهوری اسلامی» واتهامه بـ «التسلل إلى الجيش» و«التجسس لصالح الاتحاد السوفييتي»() ثم أخذت السلطات تشن حملة أمنية واسعة ضده، في فبراير 1983م، شملت اعتقال المئات من أعضائه وقياداته، بمن فيهم الأمين العام «نورالدين كيانوري» ونائبته «مهرانگیز دولتشاهی» وحل بنيته التنظيمية كاملة، وإغلاق مقاره، ومصادرة ممتلكاته. وقد استُخدمت العلاقة السرية التي جمعت بعض كوادر الحزب بالاتحاد السوفييتي ذريعة رسمية لاتهامه بالتجسس والعمالة، ما وفّر غطاءً سياسيًا لحظره نهائيًا
تعرّض قادة الحزب لمحاكمات علنية وأعلنوا في اعترافات بثّها التلفزيون، «توبة أيديولوجية» واعترافًا بـ«خيانة الحزب لمبادئ الثورة والإسلام» على نحو شكّل ضربة قاصمة ليس فقط لحزب توده، بل لليسار الإيراني عمومًا، كما رسّخت طبيعة النظام الثوري الذي لا يقبل التعددية. خاصة أنه أُعدم العشرات من كوادر الحزب وعدد من قادته العسكريين السابقين، وأرسل آخرون إلى السجون، وأعلن في يونيو 1983م، حظر الحزب. بينما فر بعض أعضائه إلى أوروبا الشرقية، وبعضهم الآخر إلى الاتحاد السوفييتي ليؤسسوا ما عُرف بـ «منظمة فدائي حزب توده بالمنفى» (سازمان فدائیان توده‌ای در تبعید)
وعلى الرغم من نهايته التنظيمية، ترك حزب توده تأثيرا فكريا عميقا في الثقافة السياسية الإيرانية. خاصة أنه هو الذي أدخل مصطلحات مثل الطبقة العاملة «طبقه ى کارگر» والإمبريالية «امپریالیسم» إلى الخطاب العام، وأسّس للصحافة اليسارية التحليلية. كما شكّلت تجربته مدرسة فكرية لجيل من المثقفين الذين تبنوا لاحقًا «اليسار الإسلامي» أو «الماركسية الدينية»
الجدير بالذكر أن بريطانيا والولايات المتحدة كانا لهما دور غير مباشر في القضاء على حزب توده، فقد كشفت وثائق بريطانية رفعت عنها السرية أن وكالة الاستخبارات (MI6) تعاونت مع نظيرتها الأمريكية (CIA) بدافع كسب ود نظام الجمهورية الإسلامية ومساعدته في سحقه، عام 1983م، من خلال تقديم معلومات وأسماء عملاء الاتحاد السوفييتي في إيران، والتي وفرها رائد منشق عن جهاز المخابرات السوفييتية (KGB) يدعى «فلاديمير كوزيتشكين» (Vladimir Kuzichkin) فور لجوئه إلى لندن، في يونيو 1982م، وأنه بناء على هذه المعلومات، اعتقلت السلطات الإيرانية أكثر من 1000 عضو بحزب توده، وأعدمت منهم حوالي 200. كما ترتب على هذه المعلومات أيضا طرد طهران 18 دبلوماسياً سوفييتياً، وقد أبلغ رئيسً قسم المصالح البريطانية بطهران «نيكولاس بارينجتون» (Nicholas Barrington) لندن، في مايو 1983م، إنه بسبب تدمير حزب توده «تم الوصول إلى نقطة تحول رئيسة في العلاقات السوفييتية -الإيرانية وربما أيضًا في تاريخ الأحزاب الشيوعية في الخارج»
وأشارت هذه الوثائق إلى أن «بارينجتون» ذكر في برقية إلى وزارة الخارجية البريطانية، بتاريخ 9 مايو 1983م، أن مسؤولا إيرانيا كبيرا التقى به، يوم 5 مايو 1983م، لمعرفة وجهة النظر البريطانية «حيال إجراءات حكومته ضد حزب توده» التي قال إنها تعد دليلاً على «استقلال إيران عن القوى الكبرى» وأن «بارينجتون» أجابه، قائلا: «إنني لم أشكّ قط في هذا الاستقلال. وبدت لي الإجراءات الإيرانية الأخيرة خطوةً مهمة «وأنه علق «مازحا إلى حد ما» على ما ذكره المسؤول الإيراني بشأن اعترافات أحد أعضاء حزب توده التي بثها التلفزيون، بقوله: «إن التعذيب الذي مارسته الجمهورية الإسلامية ربما كان أكثر فعالية من التعذيب الذي مارسه الشاه» (انظر الملحق، الوثيقة رقم 2)
كما أشارت إلى أن «بارينجتون» ومسؤولين بريطانيين آخرين كانوا في حقيقة الأمر على دراية تامة بكل ما يجد. وأنه أبلغ وزارة الخارجية في لندن بـ «تدمير حزب توده» وأشار إلى أنه «يُعتقد على نطاق واسع أن البعض قد حُكم عليهم بالإعدام وسوف يُحكم على البقية قريبًا» وأضاف «لا شك أن الحسابات سوف تُحسم، وسوف يعاني بعض الأبرياء نسبيًا مع المذنبين»
وعندما بدأت السلطات الإيرانية في اعتقال أعضاء حزب توده، أبلغ «بارينجتون» لندن، في فبراير 1983م قائلا: «يبدو أن النظام يبذل جهودًا حثيثة لاجتثاث حزب توده». وبحلول أبريل، أبلغه دبلوماسي مجري أن «عدة مئات» من أعضاء توده بالسجن، من المتوقع أن يمثلوا أمام محكمة عسكرية. ولكن «بارينجتون» لم يأسف على ذلك، بل اعتبرها فرصة سانحة. وأن رؤساء البعثات الدبلوماسية الأوروبية في طهران «رأوا أن الوقت قد حان لدول أوروبا الغربية والدول ذات التوجهات المماثلة لإبقاء قنواتها مفتوحة مع إيران» وبحلول يوليو 1983، أبلغ دبلوماسي بريطاني آخر في طهران يدعى «كريس راندل» (Chris Randle) وزارة الخارجية أن «بعض أعضاء الحزب العاديين يُعدمون، وهناك شائعات عن إعدامات واسعة النطاق» وأضاف أن «أفضل التقديرات تشير إلى أن حوالي 80% من أعضاء حزب توده في إيران قد اعتُقلوا، بينما اختبأ الباقون أو هربوا»() (انظر الملحق، الوثيقة رقم 3)

 

ثالثا: المعارضة من خارج إيران:
انتقل حزب توده إلى العمل من خارج البلاد، متحوّلًا إلى حركة معارضة محدودة التأثير منقطعة عن قواعدها الاجتماعية التقليدية. وبالتالي سعى إلى إعادة التموضع السياسي من خلال تبنّي نهج جديد يقوم على المعارضة الفكرية للنظام الإيراني، بدلًا من العمل المسلح ضده، أو التحالفات الأيديولوجية الصلبة. فعلى الرغم من سحق بنيته التنظيمية وتشتت ما تبقى من قياداته في المنفى، استطاع الحزب الحفاظ على وجوده الرمزي، عبر نشرات سياسية دورية ومنصات إلكترونية، ركز فيها على معالجة عدد من القضايا الحقوقية والاجتماعية المفصلية داخل إيران.
ومن بين القضايا التي انصبّ اهتمام الحزب عليها: الدفاع عن حقوق الإنسان، وحقوق العمال والنساء والأقليات، وانتقاد السياسات النيوليبرالية (Neoliberalism) التي تبنّاها النظام الإيراني، بعد انتهاء الحرب مع العراق، 1989م، معتبراً أنها أسهمت في تعميق الفجوة الطبقية وتهديد العدالة الاجتماعية. كما عبّر في بياناته المتكررة عن رفضه المستمر للقمع السياسي، مطالبًا بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ووقف التضييق على الحريات العامة. وعلى الرغم من ذلك، لم ينجح في طرح مشروع تنظيمي جديد قادر على اجتذاب أجيال شابة.
وقد شكلت المرحلة التي تلت وفاة الخميني عام 1989م، بداية مسار جديد للحزب، بعد أن أصبح قوة هامشية تتابع التحولات الداخلية والخارجية. فشهد من الخارج انتقال سلطة ولاية الفقيه إلى «علي خامنئي» على نحو أكد مركزية الحكم الديني. كما تابع انهيار الاتحاد السوفييتي، عام 1991م، الذي أفقده الداعم الدولي، وأربكه أيديولوجيًا وتنظيميًا، في ظل تحوّلات كبرى على مستوى الفكر والسياسة العالمية. وبالتالي لم تعد للحزب أية مظلة دولية قادرة على تأمين الغطاء السياسي، أو الدعم المادي والإعلامي، كما كان الحال في العقود السابقة. ورغم احتفاظه بعلاقات محدودة مع عدد من الأحزاب الشيوعية في أوروبا وأمريكا اللاتينية، فإن هذه الروابط ظلّت رمزية وبلا أثر فعلي في دعم نشاطه أو توسيع قاعدته
ولهذا وجد الحزب نفسه أمام واقع دولي مختلف، يتّسم بانهيار المعسكر الاشتراكي وتراجع الماركسية التقليدية، وصعود تيارات بديلة كالديمقراطية الاجتماعية، والحركات النسوية، والبيئية، مما فرض عليه تحديات فكرية وتنظيمية عميقة؛ دفعته إلى إعادة النظر في مشروعه السياسي والاجتماعي، دون أن يتمكن من استعادة حضوره التاريخي، أو توليد صيغة جديدة تضمن له التأثير داخل إيران المعاصرة مرة أخرى؛ نظرا لأنه أصبح أقرب إلى كيان رمزي في ذاكرة اليساري، أكثر من كونه تيار سياسي فاعل. وعلى الرغم من استمرار قياداته في إصدار البيانات السياسية وتبنّي مواقف رافضة لسياسات النظام الإيراني، والدعوة إلى تغيير ديمقراطي جذري، إلا أن تأثير هذه المواقف ظلّ محدودًا للغاية.
لقد فشل الحزب في إعادة بناء علاقات فاعلة مع الأجيال الجديدة من اليساريين الإيرانيين في الداخل والخارج، الذين اتجهوا نحو تيارات أكثر مرونة وحداثة، مثل الاشتراكية الديمقراطية أو الحركة النسوية والبيئية التي تمثّل شواغل اجتماعية وسياسية مختلفة عن تلك التي ظل الحزب متمسّكًا بها. وكان ذلك بمثابة فجوة جيلية وفكرية عززت من عزلته وقلصت قدرته على تجديد خطابه أو الانفتاح على تحالفات تواكب المستجدات
وبناء على هذا، اكتفى بالتعبير عن مواقفه إزاء المتغيرات المختلفة التي تشهدها إيران، فقد أعلن دعمه للاحتجاجات الشعبية المختلفة التي اندلعت في المجتمع، بدءًا من احتجاجات الطلبة عام 1999م، مرورًا بالحركة الخضراء عام 2009م، ووصولًا إلى الاحتجاجات الفئوية في عامي 2017 و2022م، التي شكّلت تحديًا واسعًا للنظام القائم. كما تبنّى في مواقفه السياسية مفهوم «التحالف الديمقراطي العريض» كحل استراتيجي، داعيًا إلى تشكيل جبهة معارضة سلمية قادرة على إسقاط هذا النظام، وتأسيس نظام ديمقراطي مدني علماني قائم على العدالة والمساواة وحرية التنظيم والتعبير
الجدير بالذكر أنه عندما دخلت إيران مرحلة انفتاح نسبي وتبنيها خطابًا إصلاحيًا أكثر ليبرالية، بعد فوز «محمد خاتمي» بالرئاسة، عام 1997م، تولدت لدى حزب توده آمالًا محدودة بإمكانية عودة نشاطه الحزبي المنظم. ومن ثم رحّب بهذا الانفتاح، على اعتبار أنه قد يُمهّد لإحياء التعددية السياسية، غير أنه بقي مترددًا في الانخراط المباشر في المشروع الإصلاحي، نظرًا لما اعتبره استمرارًا لجوهر النظام الثيوقراطي. ولكنه أعاد تأكيد التزامه بمبادئ الديمقراطية، وحقوق الإنسان والتعددية وبدأ بطرح تصورات لإعادة هيكلة قوى المعارضة في الخارج، بما ينسجم مع المتغيرات الإيرانية والدولية
غير أن تولي «محمود أحمدي نژاد» الرئاسة خلفا لخاتمي، عام 2005م أعاد مناخ التشدد في الداخل الإيراني، وأغلق نوافذ الانفتاح النسبي التي ظهرت في عهد خاتمي؛ خاصة أن النظام استأنف خطابه الثوروي، وأخذ يتوسّع في السياسات الإقليمية العدوانية، مما دفع حزب توده إلى تصعيد نقده لهذه السياسات، ولا سيّما انخراط إيران في العراق وسوريا ولبنان
وفي أعقاب توقيع الاتفاق النووي عام 2015م، حاول حزب توده استعادة حضوره الإعلامي، مستفيدًا من لحظة التهدئة النسبية في الموقف الدولي من إيران. إلا أن السياق الداخلي تغيّر بشكل جوهري، مع تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، وتفاقم الغضب الشعبي من تدهور الأوضاع الاقتصادية، إلى جانب صعود حركات مدنية جديدة تركز على الهوية والعدالة الاجتماعية والبيئية. بينما وقف الحزب أمامها عاجزا عن تجديد أدواته أو خطابه، وظل مرتبطًا برؤية طبقية تقليدية لم تعد تجد صدى واسعًا لدى الجيل الجديد. ونتيجة لذلك، تحوّل إلى مجرد فاعل رمزي أكثر منه سياسي، يعبّر عن مواقفه من خلال بيانات دورية وتحليلات صحفية، دون أن يمتلك بنية تنظيمية مؤثرة، أو قاعدة جماهيرية في الداخل، أو في الشتات
وهكذا ظل حزب توده أسيرًا لإرثه الأيديولوجي وتحالفاته القديمة، غير قادر على نقد ذاته، أو إنتاج رؤية تتماشى مع التحديات الجديدة، مما حال دون استقطابه لأجيال جديدة من الناشطين، أو الانخراط في الحركات المدنية الصاعدة. وبهذا، تحوّل إلى مجرد كيان رمزي يحتفظ بذاكرة تاريخية قوية، دون أن يكون له دور فعلي أو تأثير ملموس في الواقع السياسي الإيراني. وهنا نرى من الضروري أن نقيم تجربة حزب توده وأسباب فشلها في إيران

 

رابعا: عوامل فشل حزب توده:
لقد كان حزب توده أكثر من مجرد تجربة حزبية عابرة؛ فقد كان مختبرًا للتفاعل بين «الأيديولوجيا» و«السياسة» وبين «الوطنية» و«الأممية» وبين «الدين» و«العقلانية المادية» وأمام هذه التناقضات فشل في تحقيق مشروعه التاريخي، لكنه نجح في ترك أثر عميق في الوعي السياسي الإيراني الحديث. نظرا لأنه لم يكن مجرد حزب يسارٍي مهزوم، بل قصة أمةٍ كانت تبحث، ولا تزال، عن طريق ثالث بين الشرق والغرب، وبين العدالة والإيمان. ومع هذا كانت هناك أسباب مباشرة وغير مباشرة وراء فشل حزب توده في الاستمرار في الحياة الحزبية الإيرانية. نشير إليها بإيجاز على النحو التالي:
  • العوامل الداخلية:
  • ضعف القاعدة الاجتماعية: مما لا شك فيه أن صعود، وسقوط أول حركة يسارية في إيران كان يعكس العديد من المشاكل المشتركة التي كانت سائدة في الحركة الشيوعية العالمية في النصف الأول من القرن العشرين. كما كان يعكس طبيعة المجتمع الإيراني ومدى تقبله لها. فقد كان الاقتصاد الإيراني، في بداية القرن العشرين، لا يزال في مرحلة ما قبل الرأسمالية، مع بقاء هيمنة القوى الاجتماعية المحافظة على المجتمع، بينما ظل الشمال الغربي غارقا في الجهل والإقطاع والقبلية والنفوذ الديني. لذلك، كانت المهمة الأساسية لإيران، في ذلك الوقت، تحقيق الاستقلال الوطني وتطوير اقتصاد السوق. وظلت الثورات الوطنية والديمقراطية البرجوازية هي المهام الأساسية. وبالتالي لم تكن إيران على استعداد لتقبل الأفكار اليسارية بأي حال من الأحوال
ومن ناحية أخرى، أعاقت الظروف الاجتماعية المتخلفة في إيران تطور الحركة اليسارية، فقد كانت الطبقة العاملة المعني بإيقاظ وعيها، لا تزال ضعيفة، ولم يتشكل بعد تيار وطني يتجاوز الأعراق والطوائف. وبالتالي واجه اليسار الإيراني انقسامات عرقية؛ في ظل التوتر العرقي والديني الكامن في الجماعات اليسارية. التي كانت تتألف في تبريز من الأتراك الأذربيين، بينما كانت في طهران وكرج، مؤلفة من الفرس. ولذلك قوبلت خطة اللجنة المركزية لتطوير التعليم لتعزيز التعليم باللغة الفارسية بمعارضة يساريّ أذربيجان. حتى أن قيم المساواة اليسارية لقيت رواجا بين الأقليات الدينية، ولكنها لم تلقَّ سوى دعمٍ محدود من الفرس والعرب والأكراد. خاصة مع بروز محاولات الانفصال، والحكم الذاتي العرقي التي سادت إيران خلال النصف الأول من القرن العشرين.
  • رفض المجتمع الإيراني للفكر الماركسي: لم يكن حزب توده مجرّد ناقل للتجربة السوفييتية، بل حاول، منذ الأربعينيات صياغة ماركسية إيرانية الهوى، تجمع بين العدالة الاجتماعية والإرث الثقافي الفارسي. فقد تحدث كبار منظّريه من أمثال «إحسان طبری» و«نورالدين كيانوري» عن مفهوم «الماركسية الوطنية» (مارکسیسم ملی) لتوفيق القيم الثورية مع الحسّ القومي الإيراني. إلا أن هذا المشروع الفكري فشل أمام هيمنة «الإسلام السياسي الثوري» الذي قدّم بدوره سردية عدالة إلهية بديلة.
كما ظلّ توده أسيرًا لقراءته الاختزالية للدين، بوصفه أداة بيد الطبقة الحاكمة. ولكن الثورة الإسلامية أظهرت أن الدين في إيران ليس أداة محافظة، بل يمكن أن يكون طاقة تعبئة ثورية. وهنا وقع الحزب في مأزق أيديولوجي؛ بعد أن اكتشف أن «العدالة الاجتماعية» التي دعا إليها القرآن أقرب إلى وجدان الناس من الماركسية المستوردة.
كذلك أخفق في التحول إلى حزب جماهيري، بعد الثورة الإسلامية، بسبب فقدانه لقاعدة حقيقية. بعد أن أصبحت الطبقة العاملة جزءًا من «اقتصاد الثورة» الموجه دينيًا، بينما انحصر نفوذه في النخبة الأكاديمية اليسارية. وتشير دراسة أمريكية نشرتها مؤسسة راند، بعنوان «اليسار الإيراني في مرحلة انتقالية» إلى أن الحزب «تحول من تنظيم سياسي إلى تيار ثقافي» داخل الجامعات.
وعلى الرغم من ذلك أشار تقرير لوزارة الأمن الإيرانية أن حزب توده فقد مرجعيته الأيديولوجية ومصادره التمويلية، منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، عام 1991م، ولكن بقاياه الفكرية عادت للظهور بعد ذلك في بعض المنتديات الفكرية وحلقات النقاش الأكاديمية في طهران وأوروبا. كما أعيد طبع مؤلفات «إحسان طبري» في طبعات نقدية، بإشراف مؤسسات فكرية مستقلة. وبالتالي فإن الحزب لم يعد يشكل تهديدًا أمنيًا، بل تحول إلى «تراث تاريخي» يُستشهد به في النقاشات الفكرية حول الدولة والعدالة.
  • مركزية القرار الحزبي؛ كان اعتماد حزب توده على المركزية وتوجيهات اللجنة المركزية الصارمة، التي كثيرًا ما كانت تتشكل عبر قنوات خارجية؛ سببا في الحد من قدرته على الاندماج في النظام السياسي، أو حتى تكوين قيادات سياسية بديلة حال تعرضه للاستهداف الأمني. كما جعلت هذه المركزية الشديدة الحزب غير قادر على الحفاظ على مشروعه السياسي وتحويل وجوده التاريخي إلى قوة اجتماعية سياسية دائمة المفعول داخل النظام الإيراني. خاصة أنه فشل في تبني خطاب مجتمعي معبر عن الحسّ الديني والتقليدي للطبقات الريفية والمهنية. إضافة إلى عدم قدرته على تأطير المشروع اليساري بلغة وطنية تسمح بالحوار مع المؤسسة الدينية أو القوى الاجتماعية الفاعلة الأخرى؛ مما جعل الصدام بين إسلاموية الثورة وماركسية توده أمرا محتوما، بوصفه صراع على الشرعية الأخلاقية والاجتماعية، لا على السلطة.
وبناء على هذا، أصبح الحزب أمام أزمة داخلية مركّبة تتعلق ببنيته التنظيمية المركزية وشرعيته الشعبية المتقلصة. خاصة أنه أصبح يُدار من الخارج، وتحديدًا من أوروبا (ألمانيا في الغالب) من خلال قيادات تاريخية لم تُجدِّد نفسها منذ عقود، الأمر الذي انعكس سلبًا على قدرته في استقطاب أجيال جديدة. كما يعاني الحزب من انقطاع شبه كامل عن الداخل الإيراني، نتيجة القمع الأمني، والانقسامات المزمنة في صفوف كوادره في المنفى، وهو ما يخلق ما يمكن وصفه بـ«المنفى السياسي المزدوج» حيث لا حضور فعلي في الداخل، ولا فاعلية مؤسسية في الخارج .
  • تغير المزاج الإيراني العام: وجد حزب توده نفسه، بعد الثورة الإسلامية، أمام بيئة اجتماعية لا تُشبه تلك التي نشأ فيها. فقد شهد المزاج الإيراني العام في إيران تحولات نوعية عميقة. من حيث إنه لم تعد الأيديولوجيات الشمولية، سواء اليسارية أو الدينية، مقنعة له، وغير قادرة على التعبير عن تطلعاته. خاصة أن الجماهير أصبحت تركز على مطالب تحسين مستوى المعيشة، والعدالة الاجتماعية، والحريات الفردية، بدلًا من الشعارات الثورية المؤطرة حزبيًا. كما أن الاحتجاجات الجماهيرية بدأت تأخذ طابعًا غير مركزي، متجنبة الانتماءات الحزبية والولاءات العقائدية، وأصبحت تميل إلى رفع شعارات معبرة عن المجتمع مثل «المرأة، الحياة، الحرية» و«لا للحجاب الإجباري»
وأن القوى الشبابية والنسوية والطلابية هي التي تقود هذه الجماهير، بمرونتها التنظيمية، وتبنيها خطاب حيوي، يرتكز على الحقوق والحريات والمساواة، دون الارتباط بأي من الأحزاب والتيارات السياسية.. وأن حركات المعلمين والعمال، والمبادرات الرقمية داخل الجامعات. لم تعد ترى في حزب توده وغيره مرجعًا سياسيًا أو فكريًا، على اعتبار أنها لا تمتلك أدوات التفاعل مع متطلبات الحاضر. إُضافة إلى تزايد النزعة القومية، التي تنظر إلى التيارات اليسارية الكلاسيكية، ومنها حزب توده، بوصفها امتداد لنماذج سياسية دخيلة على المجتمع، ولا تنسجم مع الهوية الوطنية الإيرانية المتجددة. ومن ثم أُصبح حزب توده، وغيره من الأحزاب العقائدية التقليدية، خارج معادلات التأثير السياسي ()
  • تعدد الأخطاء الاستراتيجية:
تحتفظ الذاكرة السياسية الإيرانية بإرث تاريخي من الأخطاء التي ارتكبها حزب توده بحق الوطن: 
  • دعم حركة الانفصال في أذربيجان، عندما وفر حاضنة شعبية للحزب الديمقراطي الآذرى لإعلان حكومة انفصالية ذات حكم ذاتي بإقليم أذربيجان، بزعامة «جعفر بيشَه‌وَري» تحت حماية القوات السوفييتية، والتي انتهت في ديسمبر 1946م، بانسحاب القوات السوفييتية، وفرض قوات الجيش الإيراني سيطرته الكاملة عليها. وقد جعل هذا الموقف الحزب داخل دائرة الشبهة الوطنية، ومحط اتهام الخصوم له بأن مواقفه لا تعبر عن مصالح إيران الوطنية بقدر ما هي خدمة لمصالح موسكو. وأن تستغل الولايات المتحدة هذه الأزمة لتصوير الحزب كأداة سوفييتية؛ مما خلق انطباعًا واسعًا في المجتمع ولدى النخبة السياسية الإيرانية أنّ حزب توده شريك، أو متواطئ في مخططات تقويض وحدة التراب الوطني. وهو أحد الاتهامات المؤثرة على شعبية الحزب وحضور في قلب الساحة الوطنية.
  • تردد الحزب في اتخاذ موقف حاسم في الأوقات المصيرية، مثل موقفه المتناقض من قرار تأميم النفط، الذي تبنته الجبهة الوطنية بزعامة الدكتور مصدق في نفس الوقت الذي كان فيه مؤيدا لمنح الاتحاد السوفييتي امتياز نفط الشمال. وبالتالي فوت الحزب على نفسه فرصة مواتية لأن يكون تحالفات قوية مع القوى الوطنية والقومية والليبرالية. خاصة أنه كان يرفع شعار الاستقلال الوطني ورفض الهيمنة البريطانية والأمريكية، والتي أكسبته قاعدة جماهيرية واسعة. ولعل هذا ما يعد فشلا منه في ترجمة مواقفه السياسية إلى مبادرات ميدانية فعّالة. على الرغم من أنه عارض لاحقا للانقلاب الأمريكي-البريطاني الذي أطاح بحكومته في أغسطس من عام 1953م
  • اختراق المؤسسة العسكرية والأمنية، إذ نجح توده في إنشاء تنظيم عسكري داخل القوات المسلحة والدرك والشرطة، قوامه ستمائة ضابط. والذي تمكنت السلطان الإيرانية من اكتشافه، عام 1954م؛ ليبدأ الحزب في ملاقاة مصيره من الضربات الأمنية المتلاحقة، وعمليات الاعتقال والإعدام، التي قضت على وجود الحزب وأخرجته من ساحة العمل الحزبي وهو نفس الخطأ الذي ارتكبه مرة أخرى، بعد قيام الثورة الإسلامية، عندما تم اكتشاف تنظيم عسكري للحزب تم إنشاؤه بتخطيط محكم وأساليب تنظيمية سرية، ضمن شبكة تجسس واسعة النطاق داخل المؤسسات العسكرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وبالتالي تم اعتقال جميع قيادات وأعضاء اللجنة المركزية والمكتب السياسي ومسؤولي الفروع ورؤساء الأمانات الإقليمية وقيادات التنظيمات الفرعية، وجميع العناصر الفاعلة بالصف الأول والثاني للحزب، الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لأنشطة الحزب، ومن ثم تفكيك الحزب وحله، بوصفه شبكة تجسس يمكن أن تصبح أداة خطيرة للتآمر ضدها في أي وقت.
ولا يزال النظام السياسي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأجهزته الأمنية والاستخباراتية محتفظا بذاكرة حذرة تجاه تجربة حزب توده، الذي كان في بدايات الثورة الإسلامية أقرب التنظيمات إلى السلطة، قبل أن يتحوّل إلى أحد أكثر ضحاياها. ومع ذلك، لم يعد هذا الحزب يُمثّل تهديدًا فعليًا للسلطة، بل بات يُوظّف رمزيًا في خطاب النظام بوصفه نموذجًا لــ «الخيانات الأيديولوجية» ودرسًا يُستحضر لتحذير التيارات السياسية الأخرى من المصير ذاته؛ حال تكرار تجربة التحالف مع السلطة ثم الانقلاب عليها. بهذا المعنى، لم يعد الحزب موضع مراقبة سياسية استباقية بقدر ما يُوظّف كمرجع تاريخي سلبي في ذاكرة النظام ()
  • العوامل الخارجية:
  • الهيمنة البريطانية والأمريكية على إيران: احتل حزب توده، منذ تأسيسه عام 1941م، مكانة مؤثرة في تاريخ الصراع السياسي والاجتماعي في إيران. كما يعد التجربة الأبرز في تاريخ الحركات اليسارية في الشرق الأوسط، فقد جمع بين الطابع الأيديولوجي الماركسي والتنظيم الحزبي الصارم، وبين طموح وطني لتحرير إيران من التبعية الاقتصادية والسياسية للقوى الغربية. غير أنه واجه، على مدى مسيرته التي امتدت لأكثر من ثمانين عامًا، تحولات دراماتيكية: من حزب جماهيري شعبي إلى تنظيم سري مضطهد، ومن أداة للنفوذ السوفييتي إلى شاهد على سقوط الماركسية في إيران الإسلامية.
تكشف وثائق وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA)أن الولايات المتحدة اعتبرت حزب توده، منذ بدايات الحرب الباردة «التهديد الداخلي الأخطر للمصالح الغربية في إيران» فقد أشار تقرير مؤرخ في 12 يوليو 1953م، بعنوان «شبكة حزب توده في إيران» (The Tudeh Party Network in Iran) إلى أن الحزب كان يمتلك «أوسع جهاز سري في الشرق الأوسط» داخل الجيش. وقد لعبت هذه التقارير دورًا محوريًا في دعم عملية الإطاحة برئيس الوزراء الدكتور محمد مصدق عام 1953م، إذ اتهمت الولايات المتحدة الحزب بمحاولة استغلال أزمة التأميم لإقامة نظام شيوعي موالٍ لموسكو. كما وصفه تقرير بعد الثورة الإسلامية (CIA Report, 1983/IRN/07) بأنه «تنظيم فقد حاضنته الاجتماعية ويعتمد على خطاب أيديولوجي تجاوزه الزمن» لكن التقرير ذاته حذّر من «قدرة الحزب على إعادة إنتاج نفسه فكريًا بين النخبة الأكاديمية الإيرانية» (انظر الملحق الوثيقة رقم 4)
  •  سقوط الاتحاد السوفييتي: لم يكن سقوط الاتحاد السوفييتي مجرد عامل مساعد في انهيار حزب توده، بل كان ضربة قاصمة حولته من قوة سياسية فاعلة، على الرغم من وجوده في المنفى أو يعمل بشكل سري بالداخل، إلى كيان هامشي، يعاني من أزمة وجودية، وفاقد لشرعيته الأيديولوجية، ومجرد من موارده المادية والتنظيمية. وقد أدى انهيار مصدر قوته وهويته، إلى تفككه. فقد وجد الحزب نفسه بدون مظلّة إيديولوجية أو عملية مما زاد من هشاشته وأضعف قدرته على إعادة بناء شبكاته 
وهكذا، انفصل توده تدريجيا عن المجتمع الإيراني، وتحوّل تدريجيًا إلى كيان غير فاعل، أشبه بمؤسسة أرشيفية توثّق تاريخ اليسار الإيراني أكثر من كونها قوة سياسية نشطة. وفي هذا التصوّر، يفقد الحزب قدرته على التجدد أو التواصل مع الحركات الاجتماعية الجديدة، ويغيب عن أي عملية تغيير محتملة. وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في ظل الاتجاهات الراهنة، التي تشير إلى عجز الحزب عن إنتاج خطاب جديد أو تجديد بنيته التنظيمية

 

الخاتمة
توصلت الدراسة إلى جملة من النتائج، من أهمها ما يلي:
  1. تأسس حزب توده الإيراني، في سبتمبر 1941م، بعد أيام قليلة من اجتياح القوات البريطانية والسوفييتية للأراضي الإيرانية خلال الحرب العالمية الثانية، 1941 – 1945م، في ظل تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة أسفرت عن تصاعد الطبقة العاملة ونشاط المثقفين، هيأ المناخ لتأسيس حزب يساري ذي توجه ماركسي يحمل ملامح الوطنية الإيرانية.
  2. أدى اجتياح قوات الحلفاء لإيران وإسقاط رضا شاه بهلوي، إلى تقبل فكرة تشكيل تنظيم سياسي يعبّر عن الطبقات الوسطى والعمالية، المتذمرة من تدهور الوضع الاقتصادي، ويتبنى خطابًا مضادًا للاستبداد والاحتلال. من هنا تشكّل حزب توده باعتباره الامتداد التنظيمي للحزب الشيوعي الإيران، الذي سبق وتأسس عام 1920م.
  3. تكوّنت النواة الأولى لحزب توده على يد مجموعة من المعتقلين السياسيين، الذين أفرج عنهم، بعد سقوط رضا شاه، من أبرزهم: «إیرج اسکندری» و«عبدالصمد کامبخش» و«نورالدین الموتی» و«رضا روستا».
  4. أعلن توده في بدايته، أنه ليس حزبًا شيوعيًا، بل «حزب وطني شعبي يسعى إلى العدالة الاجتماعية« بهدف كسب الشرعية القانونية وتجنب الصدام المباشر مع المجتمع الإيراني المحافظ. ولكن بمرور الوقت، اتضح أنه تنظيم ماركسي، يحتفظ بعلاقات وثيقة مع الاتحاد السوفييتي. أفقدته القدرة على التحول إلى حركة وطنية شاملة.
  5. يُعدّ حزب توده الإيراني ظاهرة فكرية وسياسية مركّبة تمثل نقطة التقاء بين الفكر الماركسي الأممي والواقع الاجتماعي-الثقافي الإيراني. وقد احتل، منذ تأسيسه، موقعًا مركزيًا في الحياة الفكرية والسياسية لإيران المعاصرة. 
  6. تُظهر تجربة حزب توده أن الماركسية لم تُترجم إلى مشروع ثوري شامل كما في روسيا أو الصين، بل حاولت إضفاء الطابع الإيراني عليها، من خلال دمجها بمفاهيم العدالة الدينية، والوطنية، والاستقلال الاقتصادي
  7. اتخذ حزب توده الماركسية إطارا نظريا للتموضع داخل المجتمع الإيراني، الذي يتميز بتركيبته العرقية والثقافية وعاداته وتقاليده القومية، وطبقاته الاجتماعية المتباينة. 
  8. جسد حزب توده نخبة فكرية من الطبقة الوسطى المتعلمة، أكثر مما مثّل العمال. خاصة أن هياكله التنظيمية كانت مؤلفة أساسًا من أساتذة الجامعة والطلاب والمثقفين، مما أدى إلى محدودية قدرته على خلق قاعدة جماهيرية مستمرة
  9. كان حزب توده ظاهرة هجينة جمعت بين الانتماء الأيديولوجي الأممي والتعبير عن احتجاج اجتماعي داخلي. كما كان ظاهرة فكرية واجتماعية عميقة ارتبطت بتحولات الداخل الإيراني والاستقطاب الدولية خلال الحرب الباردة.
  10. مهد حزب توده لظهور تيارات فكرية متعددة داخل المجتمع الإيراني، تجمع بين الماركسية الإسلامية والقومية اليسارية.
  11. تعكس الأدبيات المتعلقة بحزب توده مفارقة مزدوجة؛ فمنها ما تعده مدرسة سياسية للأجيال اليسارية في إيران، ومنها ما تعده نموذجًا للفشل الحزبي في دمج الأيديولوجيا الماركسية داخل مكونات المجتمع الإيراني الثقافية والدينية والوطنية.
  12. ساهم حزب توده في نشر الوعي السياسي بالمجتمع الإيراني، خاصة بين العمال والطلاب، كما أدخل ثقافة التنظيم الحزبي والنقابي إليه. ولكنه فشل في تأسيس قاعدة وطنية عريضة بسبب طغيان الطابع الأيديولوجي الماركسي وارتباطه الخارجي.
  13. ترك حزب توده أثرًا واضحًا في الفكر القومي والإصلاحي. إلا أن ارتباطه الوثيق بالسوفييت وافتقاره إلى المرونة الأيديولوجية جعلاه عرضة للرفض من القوى الاجتماعية المحافظة، على رأسها العائلة الحاكمة والحاشية الملكية وكبار الملاك والمؤسسة الدينية وأنصار التيار القومي على السواء.
  14. أصبح الحزب أحد رموز الحرب الباردة في الشرق الأوسط. فقد استخدمته واشنطن ذريعة لتبرير دعمها للإطاحة بحكومة الدكتور مصدق، في أغسطس 1953م، بزعم منع سقوط إيران في يد السوفييت بينما كانت بريطانيا تعتبره أخطر من مصدق نفسه
  15. كانت موسكو على علم بالتنظيم العسكري التابع لحزب توده داخل الجيش الإيراني، ولكنها أوصت قادته بعدم استخدامه إلا في حالة وقوع عدوان إمبريالي مباشر. إلا أن اكتشاف هذا التنظيم، عام 1954 أدى إلى تفكيك الحزب واعتقال المئات من أعضائه وإعدامهم.
  16. لم يتمكن حزب توده من التكيف مع التحولات الجذرية التي شهدها المجتمع الإيراني، منذ قيام الثورة الإسلامية، عام 1979م، فتحوّل تدريجيًا إلى كيان غير فاعل، أشبه بمؤسسة أرشيفية توثّق تاريخ اليسار الإيراني أكثر من كونها قوة سياسية نشطة. خاصة أنه فقد القدرة على التجدد أو التواصل مع الحركات الاجتماعية الجديدة.
  17. قضت سلطات الأمن الإيرانية على حزب توده، بالتعاون بينها وبين أجهزة الاستخبارات البريطانية والأمريكية، على الرغم من تبني طهران خطابًا عدائيا حيال لندن وواشنطن في العلن.
  18. لا يزال نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية وأجهزته الأمنية والاستخباراتية محتفظا بذاكرة حذرة تجاه تجربة حزب توده، الذي كان في بدايات الثورة الإسلامية أقرب التنظيمات إلى السلطة، قبل أن يتحوّل إلى أحد أكثر ضحاياها. 
  19. لا يُمثّل حزب توده تهديدًا فعليًا لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، منذ القضاء عليه، عام 1983م، وبات يُوظّف رمزيًا في خطاب النظام بوصفه نموذجًا لــ «الخيانات الأيديولوجية» ودرسًا يُستحضر لتحذير التيارات السياسية الأخرى من المصير ذاته

اترك تعليقا