2

الرئيسية » الدراسات » العلاقات الإيرانية – الصينية (1971–2021م) (محددات التقارب وحدود الشراكة)

العلاقات الإيرانية – الصينية (1971–2021م) (محددات التقارب وحدود الشراكة)

الكاتب:

ثم مرت العلاقات بينهما بمرحلة من التفاعل البرجماتي بين «نظام إسلامي» بإيران و«نظام شيوعي» بالصين، بدءًا من التغيير الجذري الذي أحدثته الثورة الإسلامية، عام 1979م، في توجهات إيران الخارجية، وصولًا إلى المحاولات الجارية اليوم لإعادة تشكيل النظام الدولي والإقليمي. مرورًا بالحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988م) ثم التحولات التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، عام 1991م، وانتهاء الحرب الباردة، وانفراد الولايات المتحدة بقطبية العالم.
ولهذا ظلت العلاقات السياسية بين إيران والصين ذات طابع برجماتي، تقتضيه ضرورات المصالح المتبادلة وتفرضه حدود الحركة السياسية، ضمن نظام دولي غير متكافئ. تسعى فيه إيران إلى تنويع علاقاتها الخارجية؛ بهدف كسر عزلتها الدولية وتخفيف وطأة العقوبات المفروضة عليها. بينما تعاملت الصين معها بحذر محسوب؛ يراعي التوازن بين مصالحها المتنامية في الشرق الأوسط، وبين علاقاتها مع الولايات المتحدة.
أولًا: الإطار الزمني:
تحاول هذه الدراسة تحليل تطور العلاقات السياسية بين إيران والصين، خلال الفترة من عام 1971م، الذي اعترفت فيه إيران بالصين، حتى 2021م، الذي وقع فيه البلدان اتفاقية برنامج التعاون الاستراتيجي بينهما.
ثانيًا: إشكالية الدراسة:
تنطلق الدراسة من إشكالية مفادها: أن العلاقات الإيرانية الصينية تطورت، فيما بين عامي 1971م، و2021م، وباتت نموذجًا للعلاقة البرجماتية التي يمكن أن تشكلها متغيرات البيئة الدولية والإقليمية، بين قوة دولية صاعدة وقوة إقليمية محاصرة.
ثالثًا: فرضيات الدراسة:
تنطلق هذه الدراسة من مجموعة من الفرضيات الرئيسة، أبرزها:
  1. أن العلاقات السياسية بين إيران والصين تشكلت في إطار توازنات دولية فرضت على الطرفين نمطًا من التعاون الحذر، الذي اتسم بطابع برجماتي، تحكمه اعتبارات المصلحة الوطنية، أكثر مما تحكمه الاعتبارات الأيديولوجية.
  2. أن الثورة الإسلامية مثّلت نقطة إعادة ضبط للعلاقات مع الصين، دون أن تؤدّي إلى قطيعة سياسية معها.
  3. أن تصاعد الضغوط والعقوبات الغربية على إيران أسهم في دفع طهران نحو تعميق علاقاتها السياسية مع الصين، ضمن إطار استراتيجية الالتفات شرقًا الإيرانية واستراتيجية الخروج الصينية.
  4. تتمتع إيران بمكانة في الحسابات الاستراتيجية الصينية، بوصفها دولة محورية بمنطقة الشرق الأوسط. ولكن ظل تطور العلاقات بينهما محكومًا بسقف المصالح الصينية الأوسع وعلاقاتهما بالولايات المتحدة.
ثالثًا: تساؤلات الدراسة:
في ضوء الإشكالية المطروحة، تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن التساؤلات الآتية:
  1. ما العوامل الدولية والإقليمية التي دفعت إيران إلى الاعتراف بالصين عام 1971م؟
  2. كيف تطورت العلاقات الإيرانية–الصينية في ظل التحولات التي أعقبت الثورة الإسلامية في إيران؟
  3. ما أثر التحولات الدولية، بعد الحرب الباردة، على مسار العلاقات الإيرانية – الصينية؟
  4. إلى أي مدى أسهمت القضايا الإقليمية في إعادة تشكيل طبيعة العلاقات بين البلدين؟
  1. ما حدود الشراكة السياسية بين إيران والصين؟
رابعًا: منهج الدراسة:
تعتمد الدراسة على المنهج التاريخي؛ لرصد تطور العلاقات السياسية بين إيران والصين في سياقها الزمني، وعلى منهج التحليل السياسي؛ لفهم محددات السلوك الخارجي للطرفين في ظل متغيرات البيئة الخارجية
خامسًا: تقسيمات الدراسة:
تنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عوامل نشأة العلاقات الإيرانية–الصينية
المبحث الثاني: أبعاد تطور العلاقات الإيرانية – الصينية
المبحث الثالث: اتفاقية برنامج التعاون الاستراتيجي الشامل بين الصين وإيران
ملحق الوثائق
المبحث الأول
عوامل نشأة العلاقات الإيرانية–الصينية
على الرغم من أن إيران والصين تمتلكان إرثا تاريخياً من التواصل الحضاري، إلا أنّ علاقاتهما ظلت محدودة؛ تحكمها تقلبات البيئة الدولية وما يطرأ عليها من تغيرات متسارعة، وبالمتغيرات الداخلية وحسابات البلدين ومصالحهما. وبالتالي لم تكن الصين تشكل أولوية بالنسبة لإيران، التي كانت خاضعة للهيمنة الغربية وخوفها الدائم من الاتحاد السوفييتي. كما لم تكن إيران ذات وزن استراتيجي يُذكر بالنسبة للصين، التي ظلت مشغلة بأزمتها الداخلية والحرب الأهلية لفترة طويلة.
وقد أبرم البلدان أول معاهدة «صداقة ومودة» بينهما بالعاصمة الإيطالية، بتاريخ 1 يونيو 1920م، التي وقعها «ميرزا ​​إسحاق خان مفخم الدولة» وزير إيران المفوض لدى «روما» مع نظيره الصيني «كوان كي هوان» (Quan Ke Huy) وكانت مكونة من سبع مواد، تتعلق بتبادل التمثيل الدبلوماسي والقنصلي وتعزيز التبادل التجاري بين البلدين. إلا أن البرلمان الإيراني لم يصدق عليها إلا في 16 نوفمبر1921م، نظرًا لأنه كان معطلًا لفترة طويلة. كما لم يتم العمل بها أساسًا؛ نظرًا لضعف البلدين، وانخراطهما في حروب داخلية. ناهيك عن خضوع علاقاتهما لإرادة القوى الغربية، وتعرضهما للإذلال في مؤتمر الصلح، الذي بدأ أعماله في باريس 18 يناير 1919م، عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)
وكانت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة هي القوى المهيمنة على هذا المؤتمر وقراراته، والتي لم ترفض فقط المطالب الصينية المشروعة باستعادة شبه جزيرة «شاندونج» (Shāndōng) من اليابان، التي سبق أن استولت عليها من ألمانيا في بداية هذه الحرب، بل سمحت لليابان بالاحتفاظ بها. كما رفضت مطالبها بإلغاء الامتيازات الأجنبية والحصانات القضائية، ووجود قوات أجنبية لحماية البعثات الدبلوماسية. الأمر الذي أدى إلى اندلاع «حركة الرابع من مايو» الاحتجاجية في الصين.
كذلك الأمر، لم تقبل هذه القوى مشاركة وفد إيران بالمؤتمر، ورفضت مطالبه باستعادة أراضيها التي تنازلت عنها بموجب معاهدة «تركمانچاي» التي أبرمتها مع روسيا القيصرية، عام 1828م، وكانت تشمل «اذربيجان» و«أرمينيا» ومناطق «نخجوان» و«يريفان» و«قره باغ» و«تاليش» وجزءًا من «داغستان». فضلاً عن أجزاء أخرى بمنطقة آسيا الصغرى، تمتد من «ديار بكر» إلى «الموصل» إضافة إلى إلغاء الامتيازات الأجنبية. ويُعتقد أن سبب رفض مشاركة إيران في هذا المؤتمر لم يكن بسبب هذه المطالب التي بالغت في عرضها، بل بسبب بريطانيا، التي كانت تنظر إلى إيران بموقعها المطل على الخليج العربي وثرواتها النفطية، على أنها فرصة يجب اقتناصها لتعويض الخسائر التي مُنيت بها أثناء الحرب.ولذلك سارعت بفرض اتفاقية هيمنة عليها، أسمتها «اتفاقية المساعدة البريطانية من أجل تقدم إيران ورفاهيتها» في 19 أغسطس 1919م، والتي لا تزال مثار جدل في الأدبيات السياسية الإيرانية حتى اليوم، منذ أن وقعها نيابة عن الحكومة الإيرانية «حسن وثوق الدولة» مع السفير البريطاني لدى طهران «سير برسي كوكس» (Sir Percy Cox)
أولًا: متغيرات البيئة الخارجية:
ظلت العلاقات الإيرانية الصينية على نحو من التباعد المدفوع إما بسبب العوامل الداخلية في كلا البلدين، أو بسبب عوامل البيئة الخارجية، التي تفاقم فيها الصراع الدولي، حتى نشبت الحرب العالمية الثانية، 1939 – 1945م، ثم اندلاع الحرب الباردة، وتفاقم التنافس بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة (1947- 1962م) ومن ثم ظلت سياسة إيران الخارجية، خلال هذه المرحلة، متأثرة بعاملين رئيسين ومترابطين هما: خوفها الشديد من الشيوعية من ناحية، ورغبتها الشديدة في ضمان دعم الولايات المتحدة لها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا من ناحية أخرى. وبالتالي كان موقفها حيال الصين تابعًا للإرادة الأمريكية.() خاصة إنها انضمت، في إطار «تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة «() إلى «حلف بغداد» المناهض للشيوعية، في أكتوبر 1955م، ثم أقامت علاقات دبلوماسية مع حكومة «تايوان» المناهضة لجمهورية الصين الشعبية، عام 1956م، الأمر الذي دفع بكين لاستهجان مواقف إيران؛ بوصفها جزء من الإمبريالية الأمريكية.
وفي المقابل، كان الموقف الصيني تجاه إيران، بدلالاته الأيديولوجية، مساندًا لقرارات حكومة الدكتور «محمد مصدق» بتأميم صناعة النفط، في أوائل 1950م، بوصفها أداة لمقاومة الإمبريالية البريطانية والأمريكية. ومن ثم فإنها أدانت الانقلاب الذي دبرته الولايات المتحدة للإطاحة به، في19 أغسطس 1953م، كما عارض رئيس الوزراء «تشو إن لاي» (Zhou Enlai) أثناء مؤتمر «التضامن الأفروآسيوي» الذي عُقد في «باندونج» (Bandung) في أبريل 1955م، المحاولات الأمريكية لتشكيل تحالفات معادية للشيوعية بدول العالم الثالث. في وقت لم تكن إيران ترىَ فرقًا بين تهديد الشيوعية الماركسية السوفييتية، أو الشيوعية الماوية التي كانت تتبناها الصين، ومحاولاتهما الدؤوبة للسيطرة على دول العالم من خلال الحركات الشيوعية
وبناء على هذا التناقض لم تعترف إيران بجمهورية الصين الشعبية، حفاظًا على علاقاتها السياسية مع «تايوان». كما كانت مؤيدة لسياسة الولايات المتحدة إزاء منع الصين من اكتساب عضوية الجمعية العامة للأمم المتحدة. وظل موقفها هكذا، حتى تغير الموقف الأمريكي من الصين والاتحاد السوفييتي، فتهيأت البيئة الدولية كي تزيد إيران من هامش حركتها، وتعزز علاقاتها مع دول الكتلة الشرقية، وتغير موقفها من الصين.
كما أن البيئة الإقليمية بدأت تشهد تحولات استراتيجية، أبرزها هزيمة مصر وسوريا أمام إسرائيل، عام 1967م، وإعلان بريطانيا الانسحاب الكامل من منطقة الخليج العربية، الذي كان بدوره دافعًا لاحتدام التنافس بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والصين؛ لمحاولة ملء الفراغ الاستراتيجي الذي سوف ينجم عن هذا الانسحاب. كما كان مغريا لإيران أيضًا كي تؤكد مكانتها الإقليمية المهيمنة على هذه المنطقة. وهو الأمر الذي كان يدعوها إلى تبني سياسة خارجية متوازنة عبر تعزيز علاقاتها مع الاتحاد السوفييتي والهند والعراق. إضافة إلى اعترافها الكامل بجمهورية الصين الشعبية، عام 1971م.
وقد رصد تقرير سري أعدته الخارجية الأمريكية، بتاريخ 2 فبراير 1968م، حول خطط واشنطن بهذا الشأن، بعنوان: «كتاب إحاطة بشأن زيارة رئيس الوزراء البريطاني هارولد ويلسون» (Harold Wilson) () جاء فيه: «أعلن رئيس الوزراء البريطاني ويلسون بمجلس العموم بتاريخ 16 يناير 1968م، أن القوات المسلحة البريطانية سوف تنسحب من الخليج العربي، بحلول نهاية عام 1971م، … ولكن من المرجح أن يتم سحب القوة المتبقية في عملية واحدة قبل حوالي ثلاثة أشهر من مغادرة القوات البريطانية للشرق الأقصى في نهاية عام 1971م». ووصف التقرير الوضع بمنطقة الخليج العربية في ذلك الوقت، بأنه يضم «دولاً مستقلة وتوابع متفاوتة الحجم والموارد الاقتصادية والقوة». وأن إيران والسعودية، وإلى حد ما العراق، هي من تمتلك قدرة حقيقية على بسط نفوذهما السياسي خارج حدودهما الحالية «أما دولة الكويت الصغيرة، فهي تتمتع باستقرار وأمن نسبيين. بينما الكيانات العشر الأخرى: البحرين وقطر والإمارات المتصالحة السبع، وسلطنة مسقط وسلطنة عمان المستقلتين، فهي أضعف سياسيًا وتعتمد أنظمتها بدرجات متفاوتة على الحماية البريطانية» وأنه «على الرغم من أن الإعلان البريطاني سوف يمنح الحركات السياسية الراديكالية في الخليج دفعة معنوية، إلا أننا لا نتوقع أن يُفضي إلى أي تغييرات سياسية جذرية في المستقبل القريب؛ فالوضع الأمني ​​الداخلي مستقر إلى حد معقول في معظم إمارات الخليج التابعة. وسوف يتوقف الأمر كثيرا على مدى جدية تحرك بريطانيا لطمأنه الحكام المحليين، وتقديم أدلة موثوقة لهم على نيتها مواصلة دعمها السياسي وغيره من أشكال الدعم».
أما «على المدى البعيد، فسوف يعتمد الاستقرار هناك على إمكانية إنشاء آليات سياسية واقتصادية محلية أكثر فعالية، ولن يتسنى ذلك على الأرجح إلا بتعزيز التعاون الإقليمي بين دول الخليج الأضعف. وعندها سوف تزداد الحاجة إلى آليات إقليمية تُمكّن الدول الأقل حظًا من الاستفادة، ولو جزئيًا، من ثروات المنطقة. كما سيعتمد الاستقرار على المدى البعيد على قدرة الإيرانيين والسعوديين على:
  1. إقناعهم بكبح تنافسهم على النفوذ في دول الخليج الأضعف؛ حتى يتسنى تحقيق التنمية السياسية والاقتصادية المنظمة.
  2. يمكن للعراقيين الحد من دعمهم للجماعات المنشقة المتطرفة في الخليج.
  3. ألا يصبح الخليج العربي مسرحاً لأنشطة بالوكالة في نزاعات أكبر» 
و«بشكل عام يتمثل هدف الولايات المتحدة في منع السوفييت أو الصينيين من اكتساب مواقع قد تساعدهم على تقويض مصالحنا الاستراتيجية في الشرق الأوسط، والحفاظ على وصولنا غير المقيد إلى نفط الخليج بشروط تجارية. ويمكن تحقيق ذلك على أفضل وجه، من خلال:
  1. تشجيع البريطانيين على الحفاظ على أكبر قدر ممكن من دورهم الخاص الحالي في الخليج، لأطول وقت ممكن.
  2. تشجيع السعوديين والإيرانيين خاصة على تسوية الخلافات العالقة بينهما (وهو أمر لا شك سيكون صعباً)
  3. تشجيع تعاون اقتصادي إقليمي أكبر، وتعاون سياسي قدر الإمكان، بين إمارات الخليج
  4. تجنب أي حشد عسكري مفرط من جانب دول الخليج، مع إدراك أن زيادة معينة في القوات المحلية أمر لا مفر منه» ()
وفي هذا السياق، حاولت الصين منافسة الاتحاد السوفييتي في ترسيخ وجودها في المنطقة، سعيًا لكسب ولاء الجماعات الشيوعية، من «جبهة تحرير ظفار» و«الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل». وعلى الرغم من أن المحاولات الصينية كانت تتعارض مع اضطلاع طهران بدور المدافع عن منطقة الخليج العربي ضد «التدخل الأجنبي» و«التخريب المحلي» إلا أنه أفسح المجال أمام البلدين تدريجيًا لمنع الهيمنة السوفييتية على هذه الجماعات الثورية. والذي تطور في نهاية المطاف إلى موقف صيني معاد للسوفييت بشكل علني، تشاركها فيه إيران باعتبارها الوسيط القوي الرئيس بمنطقة الخليج.

 

ثانيا: أبعاد الاعتراف الإيراني بالصين:
أدت جملة من التطورات الأخرى إلى مزيد من التقارب بين إيران والصين، على الرغم من أن موقفها كان حريصا على عدم تجاوز الموقف الأمريكي من الصين. إلا أن اعتراف الكويت بالصين، في مارس 1971م، وإعلان تركيا، في أبريل، عن خططها للقيام بالمثل؛ دفع طهران لاتخاذ خطوات مماثلة. خاصة أنها كانت تبحث عن أسواق جديدة لتسويق صادراتها النفطية. () وسبق أن صرح الشاه، في 21 ديسمبر 1970م، بأن حكومته تدرس مسألة الاعتراف بالصين. ثم أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانا، في 12 أبريل، أكدت فيه أنها، مثل أي قضية دولية أخرى، قيد «المراجعة» ولكن من المستحيل عدم النظر في الحقوق القانونية لستة عشر مليون نسمة من سكان «الصين القومية» (تايوان) وهي دولة مستقلة وعضو في الأمم المتحدة.
كما صرح لمراسل صحيفة «مينيشي» (The Mainichi) اليابانية، في 1 مايو 1971م، قائلًا: «لطالما كان الاعتراف بالصين موضوع اهتمامنا، فلا يمكن تجاهل دولة يبلغ عدد سكانها 860 مليون نسمة. وكيف يمكن تجاهل دولة بهذا العدد، وتمتلك أسلحة نووية وهيدروجينية، وسوف تتمكن قريبًا من حملها لمسافات طويلة؟» وبالصدفة «تلقت شقيقتي دعوة من الحكومة الصينية، بالتزامن مع دعوة لاعبي تنس طاولة أمريكيين وبريطانيين وحظيت باستقبال حار، وأجرت مباحثات ودية مع المسئولين الصينين»  و«من المؤكد، إن عاجلاً أم آجلاً، إذا أراد العالم أن يعيش في سلام، فلا بد له من أن يأخذ هذا البلد العظيم في الاعتبار. فليس من الحكمة إبعاد الصين عن الأمم المتحدة، وسياسة إيران
في هذا الشأن قريبة جدًا من سياستكم. ومع أننا آريون إلا أننا آسيويين لا أوروبيين، وعلينا أن نراعي مصالحنا. وقد يكون التواصل والتجارة مع الصين له فوائد متعددة، خاصة أن الصينيين أنفسهم مهتمون بذلك أيضا» وفي حال «أقمنا علاقات مع الصين، فإننا لا نريد أن ننكر حقوق تايوان وحكومتها وشعبها أيضًا؛ فلهم الحق في التعبير عن آرائهم بشأن مصيرهم بحرية تامة. لكنني أعتقد أن الممارسة الحالية لتايوان، ممثلة في قطع علاقاتها مع أي دولة تقيم علاقات مع الصين، ممارسة صعبة؛ فالصين واقع، والاستمرار في هذه الممارسة لن يكون في مصلحتهم».
وكان الشاه قد سمح لشقيقته التوأم الأميرة «أشرف بهلوي» بتلبية دعوة الحكومة الصينية لزيارة بكين، في 14 أبريل 1971م، كما وافق على زيارة شقيقته الصغرى الأميرة «فاطمة» ولكن الأهم أن الإعلان عن زيارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون (Richard Nixon) للصين، في 15 يوليو 1971م، هو الذي فتح الطريق للشاه كي يقيم علاقات دبلوماسية معها، في 16 أغسطس 1971م، وهو التاريخ الذي وقّع فيه سفيرا البلدين، لدى «إسلام آباد» بباكستان، وثيقة اعتراف إيران بالصين؛ وصدر به إعلان رسمي متزامن في كلتا العاصمتين.
وكانت الأميرة «أشرف بهلوي» التي كانت تضطلع بدور فاعل في معظم المهام الخارجية، قد توجهت إلى بكين قادمةً من «كراتشي» في زيارة خاصة، يوم 14 أبريل 1971م، استغرقت عشرة أيام، التقت خلالها بكبار المسئولين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الصيني «تشوان لاي» الذي أقام حفل استقبال على شرفها، ألقى خلالها كلمة أعرب فيها عن أمله في أن تسهم هذه الزيارة «في ترسيخ علاقات الصداقة بين إيران والصين تدريجيًا، وفي خلق جو من الصداقة والتفاهم بين شعبي إيران والصين» مشيرا إلى أن «تاريخ التواصل بين الصين وإيران يعود إلى ألفي عام» و«مع ذلك، تراجع هذا التواصل، منذ الحرب العالمية الثانية؛ بسبب تدخل الإمبريالية وأعمالها التخريبية» وأكد بقوله «ونحن على ثقة بأن مستقبلًا مشرقًا ينتظر تطور العلاقات بين بلدينا».
وردًا على هذه الكلمة، قالت الأميرة «أشرف» إنني «أقوم بزيارةً خاصة للصين، لذا يجب ألا يُفسَر كلامي سياسيًا. ولكن دعوني أذكِّر من يستخلصون استنتاجات سياسية من أي تحرك، بأن أخي صاحب الجلالة الشاه، أكد مرارًا أنه يمكن، في هذا العالم المضطرب، التعايش السلمي والتعاون القائم على مبادئ الاحترام المتبادل والتفاهم وحسن النية بين الدول ذات الأنظمة السياسية والاقتصادية المختلفة. لذا، فإن وجودي هنا هو دليل على ذلك. خاصة أن التواصل الشخصي، كتواصلنا اليوم، يؤدي في النهاية إلى الحوار، والحوار قد يؤدي بدوره إلى التفاهم، وهو طريق الصداقة، وأننا بهذا اللقاء قد خطونا الخطوة الأولى نحوها». كما أعربت عن تطلعها لإقامة علاقات مع الصين دون المساس بالعلاقات الطيبة بين إيران وتايوان.
وكانت دعوة بكين للأميرة «أشرف» محاولة منها للحصول على اعتراف إيران بها، أو على أقل تقدير مقدمة له.() خاصة أنها أدلت، في 26 مايو 1971م، بتصريحات أمام وسائل الإعلام الإيرانية والدولية أعربت فيها عن تفاؤلها بمستقبل العلاقات بين البلدين، مشيرةً إلى أن دبلوماسية «بينج بونج» (Ping-pong diplomacy) التي انتهجتها بكين سيكون لها تأثير إيجابي ومهم على المناخ الدولي. وردًا على سؤال حول إمكانية تصويت إيران لصالح انضمام الصين للأمم المتحدة، قالت إنه يعتمد على قرار إيران الاعتراف بنظام بكين، مضيفة أن إيران سبق وامتنعت عن التصويت في هذا الشأن، ولكن هذا الأمر قد يتغير في المستقبل» ()
وبعد أن اعترفت إيران بالصين، كانت مسالة تمثيلها؛ وطرد وفد «تايوان» محور مشروعي قرارين متنافسين، خلال الدورة السادسة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر-ديسمبر 1971م، أحدهما قرار أعدته ألبانيا، يدعو إلى شغل وفد بكين مقعد الصين بالأمم المتحدة؛ بوصفه الممثل الوحيد للبرّ الصيني؛ مقابل مشروع القرار الأمريكي. وقد صوتت أغلبية الدول الأعضاء لصالح القرار الألباني، وطرد وفد تايوان، بعد أن شغل مقعد الصين لأكثر من ثلاثة عقود. وكانت إيران قد امتنعت عن التصويت على المشروع الأمريكي؛ حتى لا تسبب إحراجًا لدولة «صديقة تقليدياً» هي الولايات المتحدة.

 

ثالثا: تطوير العلاقات الثنائية:
بدأت العلاقات الإيرانية الصينية تشهد تحسنًا تدريجيًا، تخلله تقارب في الرؤى حيال العديد من القضايا الإقليمية والدولية، وزيارات رسمية رفيعة المستوى، ففي سبتمبر 1972م، توجهت الشاهبانو «فرح ديبا» على رأس وفدًا ضم رئيس الوزراء «أمير عباس هويدا» إلى بكين، في زيارة رسمية استغرقت عشرة أيام. وفي يونيو 1973م، قام وزير الخارجية الصيني «جي بينج» (Xi Jinping) بزيارة طهران، كما زارها نائب رئيس الوزراء «لي شيانيان» (Li Xiannian) في أبريل 1975م، ثم أجرت الأميرة أشرف زيارتها الثانية للصين، في 24 يوليو 1976م، وكان الصينيون يركزون، خلال هذه الزيارات، على جملة من المواضيع التي كانت تعكس شواغلهم الاستراتيجية حيال المبادرات الدبلوماسية السوفييتية. وهي الشواغل التي كانت تتطابق مع الاهتمامات الإيرانية مثل دعم وجهة نظر طهران بشأن أمن منطقة الخليج والمحيط الهندي، وبرنامج الشاه للمشتريات العسكرية، بوصفه إجراء «ضروريًا» لمواجهة «المخططات التخريبية» و«الهيمنة» في منطقة الخليج العربي. () وفي المقابل، كان الإيرانيون يؤكدون لنظرائهم الصينين على موضوعات السيادة الوطنية والأمن الإقليمي، ولكنهم لم يشاركوهم الانتقادات اللاذعة للاتحاد السوفييتي، الذي كانت إيران قد وطدت علاقتها معه
في سبتمبر 1977م، زار وفد صيني طهران، برئاسة «دنج ينج تشاو» (Deng Yingchao) أرملة الزعيم «تشو إن لاي» وفي ديسمبر زارها وفد آخر برئاسة رئيسة اللجنة الدائمة للمؤتمر الاستشاري السياسي للشعب. ثم قام وزير الخارجية «هوانج هوا» (Huang Hua) بزيارة لطهران في 16 يونيو 1978م، في وقت كان فيه البلدان قلقان من النشاط السوفييتي المتزايد بالقرن الأفريقي وجنوب اليمن، وإنشاء نظام شيوعي موالٍ للسوفييت في أفغانستان، عقب انقلاب أبريل 1978م
وفي إطار عزم الصين على تحييد ما اصطلحت على تسميته بـ «المخططات السوفييتية للهيمنة» توجه رئيس الوزراء وزعـــــيــــم الحزب الشيوعي «هوا جوفينج» (Hua Guofeng) إلى طهران في 29 أغسطس 1978م، بينما كان نظام الشاه يكافح من أجل بقائه. حتى أن «هوا» كان آخر زعيم أجنبي يستقبله، قبل الإطاحة بعرشه في فبراير 1979م، والذي أشاد بقيادة الشاه ودوره الدولي، واحترامًا لوضعه الحرج، كان انتقاده للاتحاد السوفييتي أكثر محدودية.  وفي ختام الزيارة، تم توقيع اتفاقية ثقافية بين البلدين يوم 31 أغسطس، ليغادر في اليوم التالي معربًا عن أمله في رؤية الشاه والشهبانو في الصين.
وكانت زيارة «هوا جوفينح» تحمل دلالات على نوايا الصين الاستراتيجية حيال إيران؛ التي تمتلك حدودا مشتركه ممتدة مع الاتحاد السوفييتي. بينما تمتلك الصين حدودا طويلة معه أيضا. وبالتالي فإن التقارب الإيراني الصيني من شأنه أن يرغمه على توزيع قواته على حدود البلدين، بصوره تخفف من ضغطه على كل منهما، كما تجعل كلا من الصين وإيران عاملا مساعدا لبعضهم البعض. كذلك كانت الصين تحاول الحصول على موقف تفاوضي قوى في مواجهه الاتحاد السوفييتي، حول القضايا الخلافية معه.
ولذا لم تحظ زيارة رئيس دوله لإيران باهتمام المراقبين، مثلما حظيت به زيارة الزعيم الصيني. خاصة أنها كانت تأتي ضمن أول تحرك دبلوماسي صيني واسع النطاق، بعد وفاة الزعيم «ماو تسی تونج» (Mao Zedong) في إطار التصدي للهيمنة السوفييتية. وقد شمل هذا التحرك ثلاث دول مهمة، هي إيران ورومانيا ويوغسلافيا. أما رومانيا فكانت تعد إحدى دول حلف «وارسو» ولكنها كانت معروفة بين دول الكتلة الشرقية، بسياستها المستقلة عن الاتحاد السوفييتي، وباقامة علاقات متوازنة نسبيا بين دول الكتلتين الشرقية الغربية، دون أن تخسر صداقه أي منهما. وكانت زيارة «هوا جوفينح» لها تستهدف دعم نزعتها الاستقلالية بين دول المعسكر الاشتراكي. بينما جاءت زيارته إلى يوغسلافيا، ليس بوصفها إحدى الدول المتمردة على الهيمنة السوفييتية فحسب، بل بوصفها أيضا إحدى الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز، التي تحاول الصين دعمها بين أكبر عدد من دول العالم الثالث الأخرى؛ باعتبارها جبهة مناوئة للهيمنة السوفييتية. لذلك كان طبيعيًا أن يركز الزعيم الصيني في يوغسلافيا على اتهام الاتحاد السوفييتي بمحاوله ضرب حركة عدم الانحياز وشق صفوفها.

 

رابعا: محددات التقارب الإيراني الصيني:
شكّل اعتراف إيران بالصين نقطة تحوّل في سياسة طهران الخارجية؛ فقد جاء في سياق التحوّلات البنيوية التي كان النظام الدولي يشهدها في ذلك الوقت، وعلى رأسها الانفراج الأميركي-السوفييتي، وصعود الصين بوصفها قوة آسيوية، وبالتالي لم يكن هذا الاعتراف بمعزل عن هذه التحولات، وكان محصلة ضرورات استراتيجية وجيوسياسية واقتصادية، دفعت إيران إلى إعادة تقييم موقعها في آسيا. خاصة بعد انتقال موازين القوة العالمية من الثنائية القطبية التي جمعت الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، إلى التعددية المحدودة مع صعود الصين. إضافة إلى حساباتها الإقليمية المتعلقة بأمن الخليج. وبالتالي كان اعترافها نموذجا لقوة إقليمية قادرة على إعادة هندسة علاقاتها الخارجية والتكيف مع التحولات في ميزان القوى الدولي. 
  1. الوفاق الأمريكي الصيني: في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، برزت مؤشرات على أن الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية كانتا تفكران في التقارب بينهما. بعد أن دفع تصاعد الحرب في فيتنام المسؤولين الأمريكيين إلى البحث عن سبل لتحسين العلاقات مع الأنظمة الشيوعية في آسيا، على أمل أن يُخفف ذلك من حدة الصراعات المستقبلية، ويُقوّض أي تحالفات قد تقوم بينها، وتُعزل فيتنام الشمالية دبلوماسيًا، ويُحقق نفوذا أمريكيًا على حساب السوفييت. وبالمثل، ساهم التوتر الصيني السوفييتي في رغبة بكين في التقارب مع واشنطن. وفي هذا الإطار خفف الرئيس نيكسون قيود السفر والتجارة المفروضة على الصين، منذ أوائل الخمسينيات. ثم اتفقت إدارته مع الصين على إعادة فتح قنوات الاتصال السرية بينهما، عام 1969م، ومن ثم أنشأ قناة سرية للتواصل مع القادة الصينيين من خلال الرئيس الباكستاني «يحيى خان» بوصفه وسيطًا جذابًا يتمتع بعلاقات طيبة مع قادة كل من الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية.
وفي أواخر عام 1970م، تسارعت وتيرة التقارب بين البلدين، فقد أعربت الصين عن تطلعها لإجراء مناقشات رفيعة المستوى مع الولايات المتحدة بهدف تحسين العلاقات. ومن جانبه أزال الرئيس نيكسون آخر القيود المتبقية التي كانت تمنع الأمريكيين من السفر إلى بر الصين عام 1971م، وبعد التآخي الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة بين لاعبي تنس الطاولة الأمريكيين والصينيين، خلال مسابقة دولية في اليابان، أصدرت الصين دعوة في أبريل 1971م، لفريق تنس الطاولة الأمريكي للعب مباراة في الصين الشيوعية. وفي المقابل، زار فريق تنس الطاولة الصيني الولايات المتحدة في جولة ودية، في أبريل 1972م وقد وفرت دبلوماسية «بينج بونج» غير الرسمية هذه واجهة عامة لمفاوضات دبلوماسية أكثر جدية.
وتوجه هنري كيسنجر (Henry Kissinger) مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي إلى بكين مرتين سرا خلال عام 1971م، آخرها كان في أكتوبر، بالتزامن مع التصويت على التمثيل الصيني في الأمم المتحدة. الذي صوتت الدول الأعضاء فيها على مقعد وفد جمهورية الصين الشعبية بدلاً عن وفد تايوان. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة عارضت طرد تايوان من الجمعية العامة، إلا أنها أيدت دخول الصين وتوليها مقعدًا في مجلس الأمن؛ وقد ساهم ذلك في انتصار دبلوماسي كبير لجمهورية الصين الشعبية.
وفي الفترة من 21 إلى 28 فبراير 1972م، توجه الرئيس نيكسون إلى الصين، كأول رئيس أمريكي يزور البرّ الصين، وصدر في ختام هذه الزيارة التاريخية «بيان شنغهاي» الذي أكدت فيه الصين أن تايوان جزء من أراضيها، وأنها تعارض أي محاولة لإنشاء صينين. بينما اكدت الولايات المتحدة أنه لا توجد سوى صين واحدة، وأن تايوان جزء منها. كما أشارت إلى أهمية إيجاد حل سلمي لقضية تايوان، وأنها تنوي سحب قواتها المتبقية منها. وهكذا شكّلت المبادئ الواردة في بيان شنغهاي الأساس لإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، والبدء في مرحلة تطبيع العلاقات بينهما عام 1979م، وهو الأمر الذي غيّر سياق الحرب الباردة جذريًا، وأثر على التوجه اللاحق نحو الانفراج بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.
  1. الانقسام الصيني السوفييتي: كانت الصين تنظر إلى الاتحاد السوفييتي على أنه تهديدٌ أكبر لبقائها الوطني من الولايات المتحدة، بعد ا لتفكك التدريجي للعلاقات الحزبية بين البلدين، وقد تفاقم الانقسام الأيديولوجي بينهما حتى تدهورت العلاقات بين البلدين بشكل شبه، عام 1964م، خاصة عندما ادعى «ماو تسي تونج» أن الاتحاد السوفييتي لا يزال يحتل، منذ العهد القيصري، أراضٍ من مقاطعة «شينجيانغ» (Xinjiang) ذات الحكم الذاتي والواقعة بأقصى شمال غرب الصين على الحدود بين البلدين. ثم بلغت الدعاية المعادية للسوفييت داخل الصين ذروتها. في أغسطس 1967م، في عندما حاصر نحو 200 ألف من الحرس الأحمر الماوي السفارة السوفييتية في بكين.
وفي النصف الثاني من عام 1968م، عزز البلدان وجودهما العسكري في المنطقة المتنازع عليها، حتى وصل عدد الجنود إلى أكثر من مليون ونصف المليون جندي على ضفاف نهر «أوسوري» (Ussuri) وفي أكتوبر 1968م، صرّح وزير الدفاع الصيني «لين بياو» (Lin Biao) بأن قواته تستعد لغزو الأراضي السوفييتية. وفي مارس 1969م، وقعت اشتباكات، محدودة، غير أن قادة البلدين استطاعا احتواء الموقف، والعمل على استعادة العلاقات الدبلوماسية واستئناف المفاوضات بينهما بشأن الحدود. إلا أن العلاقات بينهما ظلت فاترة، وظل النزاع الحدودي بينهما دون حل لعقدٍ آخر.
وكان هذا الانقسام الأيديولوجي والسياسي بين الصين والاتحاد السوفييتي، مدعاة للتقارب الإيراني الصيني؛ فإيران تشترك مع الاتحاد السوفييتي في حدود، تصل إلى ۱۲۰۰ ميلا، على نحو كان يشكل عليها ضغطا وصل ذروته باحتلاله لأجزاء من شمال إیران، في عهد القياصرة، وإقام جمهوريه شيوعية مواليه له في أذربيجان، أثناء الحرب العالمية الثانية، ودعم إنشاء حزب «توده» الذي أحدث قلاقل واضطرابات داخلية؛ للضغط على إيران. وهو الأمر الذي بدأت الصين تندد به، متهمة الاتحاد السوفييتي بالوقوف وراءها، بل إنها تعهدت لإيران، بمناسبه اعتراف إیران بأن حكومة الصين الشعبية هي الحكومة الشرعية الوحيدة للصين، وتبادل التمثيل الدبلوماسي بين البلدين، بمساندة مساعي الحكومة الإيرانية للحفاظ على سيادتها واستقلالها الوطني وحماية ثرواتها القومية.
ثم ذهبت الصين إلى أبعد من ذلك في دعم إيران في مواجهة الاتحاد السوفييتي، حين صرح وزير خارجيتها، خلال زيارته لطهران، في يونيو 1973م، بتصريحات اعتبرت نقطة تحول في موقف الصين من الشيوعيين الايرانيين من جهة، ومن حركة التمرد في اقليم ظفار بـسلطنة عمان من جهة ثانيه، بأن إقبال إیران على برنامج واسع للتسليح أمر طبيعي ومنطقي؛ كي تتمكن من القضاء على حركات التمرد والتخريب التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها. وتبرز أهميه هذا التصريح، إذا علمنا أن الصين نفسها كانت إحدى الدول التي تدعم ماليا وعسكريا حركة التمرد في إقليم ظفار. ولذلك اعتبرت هذه التصريحات بمثابة تخلي منها عن دعم حركة التمرد المناهضة للسلطان قابوس. وهو الأمر الذي تطور فيما بعد إلى اعتراف السلطان «قابوس» بالصين الشعبية، وبتبادل التمثيل الدبلوماسي معها. مما اعتبر نجاحا كبيرا للدبلوماسية الإيرانية. كما اعتبرت تصريحات وزير خارجية الصين إدانة لنشاط الشيوعيين الموالين لموسكو في إيران.
وفي أبريل عام 1975م، خطت الصين خطوه أهم باتجاه التقارب مع إيران؛ حين أدلى نائب رئيس وزرائها «لي شنج ين» (Li Ching-Yuen) بتصريحات أيد فيها سياسة إیران فی منطقه الخليج والمحيط الهندي، وذلك تعبيرا عن تطابق وجهة نظر بلاده مع وجهة نظر إيران، القائلة بإن الخليج والمحيط الهندي من أكثر المناطق أهمية بالنسبة لتنافس القوى الكبرى، وأن بكين تؤيد سياسة إيران الرامية إلى الحفاظ على الأمن بمنطقه الخليج، وأن هذه مسألة تخص دول المنطقة فقط. كما أنها تطالب بانسحاب القوى الكبرى من المنطقة. بينما تدعو إيران لأن تكون منطقة الشرق الأوسط والمحيط الهندي خالية من الأسلحة الذرية. وهو الأمر الذي يعزز موقف إیران الإقليمي والدولي، ويشكل أساسا متينا للعلاقة بين طهران وبكين.
وهكذا بدأت الصين تؤيد سياسة إيران الدفاعية وبرامجها التسليحية؛ كي تتمكن من الدفاع عن نفسها أمام الاطماع السوفييتية، ردًا على انتقادات الاتحاد السوفييتي لسياسة التسليح الإيرانية. فقد ذكرت وكالة الأنباء الصينية، أن إيران دولة مستقلة ذات سيادة ويحق لها أن تتخذ أي اجراء تراه صالحا لتعزيز قواتها الدفاعية وأن نوع وكمية السلاح الذي تختاره أمر يخصها وحدها؛ ولا يحق لأي بلد آخر أن يتدخل فيه. كما أنه لا يجوز للكرملين أن يستجوبها، أو ينتظر منها أن تحصل على موافقته مُسبقًا، خاصة أن منطقة الخليج وإيران، معرضة لخطر سوفييتي داهم، يحتم العمل على إقرار الأمن ومواجهه المخاطر.
وفي المقابل، كانت إيران تدرك أن الانتقاد الصيني المباشر للاتحاد السوفييتي يثير قلق موسكو ومخاوفها؛ خاصة أنها تأتي ضمن تأييد المواقف الإيرانية. وعلى الرغم من إيران كانت حليفة للولايات المتحدة، إلا أن الشاه كان يسعى إلى انتهاج سياسة خارجية أقل تبعية؛ لتوسيع هامش استقلال بلاده الاستراتيجي. ولهذا فإن انفتاحها على الصين كان جزءاً من «سياسة التوازن الإيجابي» التي تبنّاها الشاه لإظهار بلاده أمام المجتمع الدولي بأنها دولة لا تدور بالكامل في الفلك الأميركي.
ولهذا حرصت إيران على إبراز حيادها بين قطبي العالم الشيوعي، الصين والاتحاد السوفييتي، خلال زيارة الزعيم «هوا جوفينح» خاصة أنها لمست رد فعل الاتحاد السوفييتي العنيف لتحركات الصين لا سيما تجاه إيران، فقد شنت إذاعة موسكو الموجهة باللغة الفارسية هجوما عنيفا على طهران، واصفة قادتها بالإمبرياليين الذين يحاولون مساعده الصين على تنفيذ أغراضها المعادية للاتحاد السوفييتي. كما أنه لم يكتف بهذا، بل أسقط طائرتين عسكريتين لإيران بعد أقل من شهر من زيارة وزير الخارجية «هوانج هوا» (Huang Hua) إلى طهران في يونيو 1978م إضافة إلى تحريكه للماركسيين الايرانيين لإحداث الشغب فی إيران، واتهامه لإیران بالتجسس على جيرانها في منطقة الخليج.
ولهذا كانت إيران تتردد قبل اتخاذ أي إجراء مع الصين قد يثير غضب الاتحاد السوفييتي، في ظل التعاون الاقتصادي الواسع معه، خاصة أنهما كانا ينويان تطوير هذا التعاون، حيث ينقل الغاز الايراني عبر الاتحاد السوفييتي إلى دول أوريا الشرقية والغربية لاسيما بعد انشاء الأنبوب الثاني لنقل الغاز، بالإضافة إلى اشتراك الاتحاد السوفييتي في عدد كبير من المشروعات الصناعية داخل إيران، مثل مصانع الحديد والصلب وتشييد السدود. وأن هذا التعاون يخدم مصالح البلدين على السواء، ويجعل إيران حريصة على عدم المساس بعلاقاتها مع الاتحاد السوفييتي. ناهيك عن الأسباب السياسية المتعلقة بحرصها على انتهاج سياسة تعكس استقلالها الوطني وحيادها بين الكتل، والتعايش بين الانظمة المختلفة. لا سيما أن الصين لا تستطيع أن تكون بالنسبة لإيران بديلا كاملا من الاتحاد السوفييتي، حيث لا تستطيع منافسه السوفييت في مجال تقديم المساعدات، سواء على المستوى العسكري أو الفني.
ومن هذا المنطق، استقبلت إيران الزعيم الصيني«هوا جوفينج» في 29 أغسطس 1978م بكل حفاوة، ولكن مع عدم الخروج عن نطاق سياستها الحيادية تجاه قطبي العالم الشيوعي، مستعيضة عن ذلك بدعم علاقاتها الاقتصادي والتجارية والثقافية والفنية والسياسية مع الصين، بل أنها أبدت استعدادها الكامل لتزويد الصين بالنفط، وإفساح المجال للمساهمة في بعض المشروعات الصناعية في ايران، والاستعانة بالخبرة الصينية في بعض الميادين، إضافة إلى أنها قد تستفيد من تأييد الصين لسياستها الداخلية والخارجية، في الرد على انتقادات الشيوعيين الإيرانيين لنظام الشاه، ولذلك اعتبر المراقبون أن تمديد الزعيم الصيني لزيارته لإيران يوما آخر بمثابة دعم أدبي لموقف الشاه في مواجهة الثورة الشعبية التي كانت تشهدها إيران حينذاك. 
  1. التحولات بمنطقة غرب آسيا: شهدت منطقة الخليج العربي تحوّلات كبرى؛ بعد إعلان بريطانيا عام 1968م، انسحابها من هذه المنطقة؛ فأرادت إيران أن تؤكد أهمية دورها الإقليمي، بإقامة علاقات مع الصين لتعزيز أهميتها الجيوسياسية بمنطقة الخليج. خاصة أن الصين كانت قد بدأت تبنى قوة قادرة على التأثير في باكستان، التي كانت شريكًا وثيقًا لطهران. 
ولا شك أن إيران لو كان لها الخيار؛ لاختارت التجاوب الكامل مع التحركات الصينية، ولعملت كل ما في وسعها على انجاحها، لولا حساسيه الموقف بین إيران والاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت. خاصة أنها كانت جزءًا من المعسكر الغربي، وتمثل خط دفاعه المتقدم في مواجهة الاتحاد السوفييتي، وتعتبر الصين نفسها حلفا غير رسميي لها، لا سيما أن التقارب الصيني الإيراني، يتم في إطار تنسيق دقيق ومسبق بين إيران والولايات المتحدة، من جهة وبين الصين والولايات المتحدة من جهة أخرى.
والأهم أن طموح الشاه الشاه لتعزيز صورته كزعيم آسيوي قادر على التواصل مع القوى الكبرى في القارة، على نحو يعزز مكانة إيران في المنطقة الإسلامية غير العربية  إضافة تطلع إيران إلى تحسين مكانتها في العالم الإسلامي وآسيا الوسطى، عبر سياسة أطلقت عليه زارة الخارجية الإيرانية في ذلك الوقت مصطلح «الالتفات شرقا» كانت تحكمه اعتبارات سياسية واقتصادية وعسكرية وتستهدف إنشاء كتله اقتصادية آسيوية تضم الدول المطلة على المحيط الهندي؛ لخلق قوه اقتصادية وسياسية تحد من سيطرة القوى الكبرى ونفوذها، وعلى رأسها الاتحـاد السوفييتي بصف خاصة.
وبالتالي حاولت إيران استخدام الصين ورقة توازن في مواجهة التهديد السوفييتي، خاصة أنها كانت تخشى التمدد السوفييتي لا سيما بعد هيمنة عملاء موسكو على أفغانستان وتنامي نفوذ الشيوعيين في المنطقة. كما كان الشاه يرى في الصين “قوة مضادة للشيوعية السوفييتية في آسيا” وكانت الصين نفسها على خلاف أيديولوجي وسياسي حاد مع الاتحاد السوفييتي مما جعلها شريكاً مناسباً لإيران في استراتيجية موازنة السوفييت دون استفزاز واشنطن
وفي المقابل، كانت الصين قد أخذت تدرك خطورة تمكن الاتحاد السوفييتي من تثبيت أقدامه في «إثيوبيا» و«عدن» على امتداد شبه الجزيرة العربية، في محاوله لفرض سيطرته على ممرات نقل النفط. بينما تحاول إيران وقف هذا المد السوفييتي عن طريق دعم دول الخليج وإزالة الخلافات القائمة بينها، وأنها ربما تترك للصين مهمه اقناع دول الخليج بهذا الأمر.
ومن ناحية أخرى، كان الوضع في كل من أفغانستان وباكستان يمثل عامل مشترك آخر يحوز على اهتمام إيران والصين، ونقطة التقاء مصلحتهما في المحافظة على كيان واستقلال هذين البلدين، بعيدا عن الهيمنة السوفييتية. فقد كانت طهران وبكين ترى أن الضغوط السوفييتي على أفغانستان، هي التي أدت إلى وقوع الانقلاب الأول الذي نفذه «محمد داود» ضد الملك «ظاهر شاه» لأنهاء حكم الأسرة المالكة؛ وإقامة نظام جمهوري يساري موال لموسكو، سوف يقود بدوره مرحلة نحو نظام حكم ديكتاتورية البروليتارية، ويدور في فلك الاتحاد السوفييتي بصوره أكثر صراحة. وأن هذا التحول المأساوي في أفغانستان يشكل جزءا من استراتيجية الاتحاد السوفييتي للوصول إلى المياه الدافئة في المحيط الهندي. كما أن هيمنته على أفغانستان، التي تشترك مع الصين في جزء من حدودها، هي بمثابة محور ضغط على باكستان، الحليفة للصين وإيران. ومن ثم كان على البلدين، أمام الخطر السوفييتي، أن يبذلا كل ما في وسعهما للحيلولة دون المزيد من تقسيم باكستان. وكانت بكين قد رحبت بالتصريحات التي أدلى بها الشاه، خلال زيارته للولايات المتحدة، في أغسطس 1976م، التي ذكر فيها أن إیران لا توافق على تقسيم باكستان. وذلك تعقيبا على فشل المحادثات التي قام بها آنذاك رئيس وزراء باكستان السابق «ذو الفقار على بوتو» مع الرئيس الأفغاني «محمد داود» في «كابل».
وهكذا، يمكن القول إن إقامة العلاقات الديبلوماسية بین إيران والصين، توافق مع أول انفراج في علاقات البلدين بالولايات المتحدة، فقد أجرت الأميرة أشرف پهلوی زيارة للصين، في نفس الوقت الذي تمت فيه زيارة فريق البنج بونج الأمريكي لبكين. وقال رئيس وزراء الصين أثناء زيارة الأميرة أشرف، إنـــــه يتطلع لأن تكون هذه الزيارة عاملا لتوثيق عرى الصداقة مع إيران. التي لم يكن انفتاح الصين عليها وعلى الولايات المتحدة، مجرد توافق زمني فحسب، وإنما كان نابعًا من استراتيجيه مستمدة من فلسفه الزعيم الصيني «ماوتسی تونج» الذي كان يقسم العالم إلى عوالم ثلاثة، عالم أول يضم القوتين الكبيرتين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وعالم ثاني يضم الدول الأوروبية، ثم عالم ثالث يضم الدول النامية والحديثة العهد بالاستقلال. كما كان يرى أن تعاون دول العالمين الثاني والثالث ضروري لمقاومة هيمنة دول العالم الأول، وكان يعنى في ذلك الاتحاد السوفييتي بصفة خاصه.

 

خامسا: التعاون الاقتصادي والتجاري:
أخذت إيران تجني ثمار الثورة البيضاء، ودفعتها الطفرة العمرانية والصناعية إلى البحث عن أسواق عمالة آسيوية، واستيراد المعدات الخفيفة، والسلع المصنعة منخفضة التكلفة. وكان الشاه يرى أن الصين تعد مصدراً معتدلاً ورخيصاً للسلع الصناعية ومن ثم سمح بتعزيز التجارة معها، عام 1966م، وفي المقابل كانت جمهورية الصين الشعبية تبدي اهتمامها بتعزيز علاقاتها التجارية مع إيران. ومع ذلك ظل مستوى التبادل التجاري بينهما منخفضًا للغاية. إذ لم تتجاوز الصادرات الإيرانية غير النفطية إلى الصين، حوالي 3.2 مليون دولار أمريكي، بينما بلغت وارداتها منها حوالي 3 ملايين دولار
غير أن مستوى التبادل التجاري بدأ في التزايد؛ عقب إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في 17 أغسطس 1971م، خاصة بعد أن سمحت إيران بالتدفق الحر للسلع والخدمات من وإلى الصين، في 31 أكتوبر، وزيارة وفد تجاري إيراني إلى بكين في نوفمبر من نفس العام، ضم ممثلين عن القطاع الخاص ورجال الأعمال.
وفي 8 أبريل 1973م، وقع الجانبان اتفاقية ائتمان تجاري لمدة خمس سنوات، تضمنت بعض الميزات المهمة، منها قبول الريال الإيراني كأساس مدفوعات لصفقات اتفاقية التجارة الخارجية. ومن ثم قفز حجم التجارة إلى أكثر من 4.5 مليار ريال عام 1973م، صدرت إيران إلى الصين سلعًا صناعية، شملت المركبات والشاحنات والثلاجات وقطع غيار أجهزة التلفزيون والأسمدة الكيماوية والآلات الزراعية، بالإضافة إلى بعض سلع التصدير التقليدية، مثل الصوف والقطن والفواكه المجففة. إضافة إلى حوالي 200 ألف طن من النفط بالسعر الرسمي الذي حددته منظمة الدول المصدرة للنفط. بينما شملت الصادرات الصينية إلى إيران: الورق والأدوات المكتبية، والأدوات الرياضية، والأغذية، والشاي، وبعض الآلات، ومنتجات الصلب.
ولتعزيز العلاقات التجارية والتعاون الاقتصادي، خاصة في إنتاج النفط والبتروكيماويات، زار «لي تشيانغ» وزير التجارة الخارجية الصيني، طهران في نوفمبر وديسمبر 1974م () كما وقع البلدان بروتوكول تعاون جديد، في الأول من نوفمبر 1977م، رفع حجم التبادل التجاري بينهما، منذ ذلك التاريخ وحتى 31 أكتوبر 1978م، إلى حوالي 9152 مليار ريالا، أي ما يعادل حوالي 65 مليون دولار أمريكي.

 

المبحث الثاني
أبعاد تطور العلاقات الإيرانية – الصينية
أحدثت الثورة الإسلامية في إيران بزعامة آية الله الخميني، تحوّلًا جذريًا في بنية النظام السياسي، عام 1979م،  بعد الإطاحة بعرش الشاه؛ وتأسيس جمهورية إسلامية؛ على نحو أحدث تحولا بنيويا في سياسة إيران الخارجية، نقل توجهاتها من التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة والكتلة الغربية، إلى الاستقلال السياسي بين الكتلتين الشرقية والغربية؛ تحت شعار «لا شرقية ولا غربية» في وقت كانت الصين قد أقامت فيه علاقات سياسية مع الولايات المتحدة، ثم بدأت، بعد وفاة «ماو تسي تونج» عام 1976م، في انتهاج الإصلاح والانفتاح المدروس على العالم، وتبني سياسة خارجية متعددة الأطراف، قائمة على المصالح وعدم الانحياز لأي من القطبين، في عهد خليفته «دينج شياو بينج» (Deng Xiaoping) سعيًا إلى تعزيز مكانتها الدولية وتوسيع شبكة علاقاتها الخارجية. وقد أدّت هذه التحولات المتزامنة إلى دخول العلاقات بين طهران وبكين مرحلة جديدة من العلاقات البرجماتية وتلاقي المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية، متجاوزة التباين الأيديولوجي العميق بين نظام إسلامي صارم في إيران ونظام شيوعي علماني في الصين.
وكان قيام الثورة في إيران والانفتاح الصيني على العالم، بمثابة تحولين غيّرا الهيكل السياسي الدولي في نهاية الحرب الباردة، كما دفع هذان التحولان سياسات الصين وإيران نحو التحرك في اتجاهين معاكسين تقريبًا. خاصة بعد أن انتقلت العلاقات الأمريكية الإيرانية من التحالفات إلى التنافر؛ بعد اقتحام الطلاب أتباع خط الإمام الخميني للسفارة الأمريكية والسيطرة عليها، لمدة 440 يومًا، ثم اندلاع الحرب مع العراق، في 22سبتمبر 1980م، ودعم القوى الغربية والولايات المتحدة للعراق من جهة، وإعلان الصين حيادها في بداية هذه الحرب من جهة أخرى. إضافة إلى قلق بكين من احتمال أن تندفع الثورة، في ظل خصومتها مع الولايات المتحدة، إلى تعزيز علاقتها مع الاتحاد السوفييتي، وهو الخصم الأيديولوجي للصين.
غير أن الصين حافظت على علاقاتها مع طهران، وعملت على تطويرها، خاصة أن البلدين يتفقان على رفض الهيمنة الأمريكية وتتلاقى مصالحهما الاستراتيجية. ومن ثم كانت من بين الدول القليلة التي لم تقطع علاقاتها مع إيران، بل بادرت بالاعتراف بنظام الجمهورية الإسلامية، في 14 فبراير 1979م، وحرصت على الحفاظ على قنوات التواصل السياسي معها، وتطوير هذه العلاقات تدريجيا. خاصة أنها كانت ترغب في توسيع شبكة علاقاتها مع دول العالم الثالث؛ في مواجهة النفوذ الأمريكي، وتدرك أهمية إيران الجيوسياسية في منطقة الخليج والشرق الأوسط. وذلك في وقت كانت فيه إيران قد بدأت تدخل مرحلة عزلة دولية، بعد فرض الولايات المتحدة العقوبات ومحاولة احتوائها؛ على خلفية أزمة احتجاز الرهائن، وأخذت تبحث عن شركاء دوليين جدد.
وتشير الوثائق الأمريكية المنشورة إلى أن سياسات الضغط الأمريكي وفرض العقوبات على إيران، إضافة إلى تفاقم الحرب الباردة والمنافسة الإقليمية بمنطقة الشرق الأوسط، خلقت بيئة دولية محفزة؛ شجعت الصين على الانفتاح على إيران، ضمن استراتيجية موازنة القوى الكبرى. كما وضعت إيران في موقع البحث عن شركاء غير غربيين مثل الصين. ومن ثم قامت العلاقات بينهما على مصالح استراتيجية، وتعاون اقتصادي ودعم سياسي محدود، متجاوزة التباينات الأيديولوجية والضغوط الغربية. ولتكسبها إيران شريكًا تجاريًا وعسكريًا.

 

أولا: العلاقات أثناء الحرب العراقية – الإيرانية:
شكّلت الحرب الإيرانية–العراقية (1980–1988م) إحدى أبرز أزمات الشرق الأوسط في ظل الحرب الباردة، كما كانت العامل الأبرز في تعميق العلاقات الإيرانية–الصينية. خاصة أن موقف الصين من هذه الحرب اتسم بنوع من التوازن والحذر، بحكم حساباتها الاستراتيجية، التي جعلتها تتبنّي الحياد كي لا تُستدرج للانخراط فيها بشكل مباشر؛ كي لا يُنظر إليها على أنها منافس للولايات المتحدة، أو الاتحاد السوفييتي على النفوذ في الشرق الأوسط، حتى تحافظ على الاستقرار الإقليمي الذي يمكنها من حماية مصالحها الاقتصادية والتجارية وعلاقاتها مع طرفي الصراع. خاصة أنهما كانا مصدرين رئيسين للنفط إليها، وشريكين مهمين لها بمنطقة الشرق.
كذاك أدت حسابات الصين الاقتصادية وتجارة السلاح دورًا محوريًا في صياغة موقفها من هذه الحرب فاستفادت منها في توسيع صادراتها العسكرية، لا سيما إلى إيران التي كانت تعاني من عزلة دولية واسعة، دون أن يعني ذلك تبنّي موقف سياسي منحاز رسميًا إليها. مع الحرص على تجنّب أي سياسات قد تؤدي إلى تصعيد الصراع، أو تهديد لأمن منطقة الخليج واستقرار إمدادات الطاقة وفرص التصدير ومبيعات الأسلحة.
وقد أدت هذه الحرب إلى زيادة التعاون الصيني–الإيراني، في مجال التسليح والمعدات التقنية، خاصة أن إيران، اعتمدت، في ظل الحظر العسكري المفروض عليها، بديلًا مهمًا عن أسواق التسليح الغربية، لتلبية احتياجاتها العسكرية أثناء الحرب. ومن ثم خصصت الصين جزءًا كبيرًا من صادراتها التسليحية إلى إيران. في إطار سياسة واقعية، تعمل على توسيع نفوذها بمنطقة الشرق الأوسط عبر تصدير السلاح، دون الالتزام بتحالفات أيديولوجية صارمة. وهنا برزت الصين بوصفها أحد أهم موردي السلاح لطهران. وتؤكد دراسة إيرانية متخصصة أن جزءًا معتبرًا من صادرات السلاح الصينية في تلك الفترة وُجّه إلى إيران. كما وُجه إلى العراق أيضا، في برجماتية سياسية فرضها مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية. ومن جانبها عدّت صحيفة «اطلاعات» الموقف الصيني، ضمن مساعي الصين الطبيعية الرامية إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع طرفي الصراع دون الانخراط المباشر في هذه الحرب.
وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفيتي كان المورد الرئيس للأسلحة للعراق، إلا أن الصين كانت أيضا شريكًا محتملًا مهمًا ومصدرًا للأسلحة، في نظر المسئولين الإيرانيين، وقد ذكرت مجلة «الشرق الأوسط الاقتصادية» (Middle East Economic Digest) أن الزيارات الإيرانية بدأت تتوافد على الصين؛ والتي بدأت بزيارة وفد اقتصادي مؤلف من ثمانية عشر عضوًا إلى بكين، في 16 يوليو 1982م.() ومع تصاعد الحرب توجه وزير الخارجية «علي أكبر ولايتي» إلى بكين، في سبتمبر1983م، لتوقيع اتفاقية تعاون فني وثقافي، التي تم الإعداد لها قبيل الثورة الإسلامية، وتأجل التوقيع عليها. ولم يُعلن عن إبرام أي صفقة أسلحة بين البلدين. لكن الشائعات حولها انتشرت على نطاق واسع، مما دفع بكين إلى إصدار نفي رسمي، بتاريخ 28 مارس 1984م، ولكن توقيع هذه الاتفاقية، التي تعد الأولى بين البلدين بعد الثورة الإسلامية.
ولكن مع تزايد احتياج إيران للأسلحة المتطورة، بما في ذلك الصواريخ، ذكرت صحيفة «اطلاعات» أن رئيس مجلس الشورى الإسلامي، وممثل الإمام الخميني في مجلس الدفاع الأعلى في ذلك الوقت «هاشمي رفسنجاني» ترأس وفدًا إلى بكين، في 27 يونيو 1985م، حيث وقع مذكرة تفاهم بشأن التعاون الاقتصادي والتجاري.
غير أن صحيفة «نيويورك تايمز» (The New York Times) ذكرت في تقرير لها، في 14 يونيو 1987م، أن اعتقاد ما ساد واشنطن مفاده أن الهدف الرئيس من هذه الزيارة، كان الحصول على الدعم العسكري والتعاقد على شراء الأسلحة. وخاصة صواريخ (Silkworm) وهو ما كانت تعده واشنطن تهديدًا لأمن الخليج العربي. بدليل مسارعة المسؤولين الصينيين ووزير الخارجية الإيراني، إلى نفي ما نُشرته الصحيفة بهذا الشأن وهو لا زال في بكين. وهو أمر فسرته واشنطن بأنه يعكس المستوى العالي من الاتصالات بين البلدين، وأنه يشير إلى أن قرارات سياسية مهمة تؤثر على علاقات طهران وبكين السياسية والاقتصادية كانت تجري خُفية.
وبعد عقود، أكد الدبلوماسي السابق «مسعود رضائي» أن مبيعات الأسلحة الصينية لإيران، بدأت عام 1984م، وكان لها دورًا فعالا ومهمًا في الحرب مع العراق، وأن إيران تدين للصين بالمساعدة في توطين تكنولوجيا الصواريخ. وأن قرارها ببيع الأسلحة لها كان يدخل ضمن عمليات تسويق الصناعة العسكرية الصينية، وتغيير في السياسات الصينية في عهد «دينج شياو بينج» وليس بالضرورة تعبيرًا عن مصلحة النخبة بالحزب الشيوعي. وأن صادرات الأسلحة الصينية للعراق تجاوزت في نفس الوقت مبيعاتها لإيران وأنها باعت لإيران صواريخ أرض-جو، وجو-جو، وصواريخ كروز. من أهمها صواريخ (Silkworm1) التي زعمت الصين أنها بيعت لإيران من كوريا الشمالية، وصواريخ (C-801) المضادة للسفن، كما زودتها بالتكنولوجيا اللازمة لتصنيع هذه الصواريخ، وساعدتها في بناء هذه منظوماتها محليًا. وهو الأمر الذي كانت الولايات المتحدة تعده مخالفة صينية لنظام مراقبة تكنولوجيا الصواريخ (MTCR)

 

ثانيا: تعزيز العلاقات الثنائية:
قبيل وفاة آية الله «خميني» بشهر تقريبا، توجه «علي خامنئي» رئيس الجمهورية، في 9 مايو 1989م، إلى الصين على رأس وفد رفيع المستوى.في زيارة وصفها الإيرانيون بأنها «ناجحة» و«نقطة تحول» و«إيجابية» خاصة أنها جاءت تعبيرًا عن امتنان إيران لمواقف الصين الإيجابية خلال الحرب مع العراق. وقد تم التوقيع خلالها على عدد من الاتفاقيات في مجال التعاون الثقافي والفني، واستيفاء متطلبات تأشيرات الدخول المتبادلة لرعايا البلدين، والتعاون بين بنك الصين والبنك المركزي في طهران. كما حققت الزيارة أهدافها من حيث إنها كانت بداية لمساندة إيران لمواقف الصين في مجال حقوق الإنسان. وفي المقابل ساندت الصين مواقف إيران في المحافل الدولية. كما فتحت الباب تبادل زيارات كبار مسؤولي البلدين وزيادة التبادل التجاري والاقتصادي بينهما.
وعلى الرغم من ذلك، ظل حجم التبادل التجاري بينهما محدودًا. خاصة في ظل الاحتجاجات الداخلية بالصين والتي اندلعت في أبريل 1989م، وانتهت بأحداث ميدان «تيانمين» (Tiananmen) في يوليو، إلا أن العلاقات بين البلدين أخذت تشهد نموًا تدريجيًا في عهد «رفسنجاني» عندما أصبح رئيسا (1989 – 1997م) فقد مثلت جهوده مرحلة تمهيدية مهمة لإعادة رسم أوجه التعاون الاقتصادي وترتيب أولوياته بين البلدين.
وفي إطار استراتيجية إعادة الإعمار، الذي تبناها رفسنجاني، بعد انتهاء الحرب مع العراق، اتجهت إيران إلى ما يُعرف بسياسة التهدئة مع الخارج؛ كآلية برجماتية لكسر العزلة، وإعادة بناء قدراتها الاقتصادية، من خلال تنويع شراكاتها الدولية وتحالفاتها الاقتصادية وبناء علاقات متعددة مع القوى الآسيوية الصاعدة، القادرة على دعم التنمية والبنية التحتية. وكانت الصين تمثل نموذجًا يمكن أن تستفيد منه إيران في تحقيق التنمية الاقتصادية، عبر فتح قنوات تعاون سياسي وتقني جديدة معها، بعيدًا عن الاعتماد على القوى الغربية التقليدية.
ومن ناحية أخرى، كان التغير الذي طرأ على بنية النظام الدولي، بانهيار الاتحاد السوفييتي، وانتهاء الحرب الباردة؛ دافعا لإيران كي تنويع شراكاتها من ناحية، وأن تُعيد الصين صياغة سياستها الخارجية وفق خطة تنمية واستقلال سياسي. على نحو خلق فرصا مواتية لتعزيز العلاقات بين البلدين وتوسيع أوجه التعاون بينهما. خاصة أن موقع إيران الجيوسياسي وقدرة الصين الاقتصادية المتنامية كان حافزًا قويًا لزيادة هذا التعاون.
وفي هذا السياق، قام رفسنجاني بزيارة إلى للصين استغرقت يومين، 10 – 12 سبتمبر 1992م، على رأس وفد اقتصادي وتجاري وخبراء في المجال النووي، بحث خلالها سبل التعاون في المجالات التقنية والعسكرية، وتوطين التكنولوجيا النووية، والبنية التحتية وغيرها من المجالات الاقتصادية. على نحو عكس رغبة طهران في استخدام الشبكات الدولية لتطوير قدراتها الصناعية والأمنية، ونقل العلاقة مع بكين من مستوى التفاهم السياسي العام إلى مستوى الشراكة العملية طويلة الأمد. ولذا أسهمت هذه الزيارة في ترسيخ مكانة الصين بوصفها شريكًا استراتيجيًا لإيران فيما بعد، ومهّدت لتوسيع آفاق التعاون معها في مجالات الطاقة والصناعة.كما أنهى رفسنجاني المفاوضات النهائية لشراء محطات طاقة بقدرة 300 ميجاواط من الصين. وكتب في مذكراته أنه أجرى مفاوضات مهمة، في أجواء إيجابية وبنّاءة، مع كبار المسؤولين حول توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والصناعي والسياسي بين البلدين. وتفعيل المشاركة الصينية في المشروعات التحتية ونقل التكنولوجيا إلى إيران.
وعلى الرغم من تنامي العلاقات بين البدين، إلا أنها لم تصل إلى مستوى التحالف الاستراتيجي الكامل. فقد ظلت بكين محافظة على قدر من الحذر، سعيًا إلى عدم الإضرار بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، بينما تعاملت إيران معها باعتبارها شريكًا مهمًا، ولكن غير حصري. وعلى الرغم من أن التبادل التجاري بين البلدين لم يشهد طفرة ذات قيمة، إلا أن رفسنجاني نجح في إرساء قواعد الثقة السياسية وتعزيز قنوات الاتصال بينهما، على نحو سمح بتوسّع هذه العلاقات في عهد خلفه «محمد خاتمي» (1997–2005م) الذي حافظ على ما حققه رفسنجاني، ومنع تراجعها، ولكن دون دفعها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. ضمن سياسة خارجية أكثر توازنًا، تبناها في ظل تحسّن نسبي للعلاقات مع أوروبا. ومن ثم، لم تصبح الصين الشريك الأول لإيران، لكنها بقيت شريكًا ثابتًا في مجال التبادل التجاري غير النفطي والتعاون التقني. إضافة إلى المشاركة في تنفيذ مشاريع النقل والاتصالات داخل إيران.
إذ شهدت العلاقات الثنائية بين إيران الصين تطورًا ملموسًا على المستوى السياسي والاقتصادي، خاصة أن توسيع التعاون مع الصين كان أحد دعائم سياسة إيران الخارجية في عهد خاتمي، فقد سعى إلى تنويع علاقاتها الاستراتيجية، عبر الحوار والتعاون في القضايا الإقليمية والدولية وفقًا لمصالح الطرفين، وهو النهج الذي أدى إلى تسجيل زيارات متبادلة واتفاقيات تعاون منظم ومستمرة بين الصين وإيران، في إطار تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع مجالات التعاون ومواصلة الاتصالات وارتفاع مستوى الزيارات المتبادلة بينهما. ومن هذا المنطلق، أجرى الرئيس خاتمي زيارة دولة إلى الصين، فيما بين يومي 22 و26 يونيو 2000م، بدعوة من نظيره الصيني «جيانج زيمين» (Jiāng Zémín).() والتي جاءت هذه الزيارة في سياق دولي اتسم بهيمنة أحادية أميركية، وبمحاولات من قوى إقليمية ودولية؛ لإعادة تعريف مواقعها داخل النظام الدولي. وبالتالي تمتع البيان المشترك الصادر عن هذه الزيارة بأهمية خاصة بوصفه نصًا سياسيًا مركزيًا لا يعكس فقط طبيعة العلاقات الثنائية، بل يجسد رؤية البلدين المشتركة للنظام الدولي وقضايا الأمن الإقليمي والحوكمة العالمية، وشكّل وثيقة تأسيسية لمرحلة جديدة في العلاقات الإيرانية الصينية. قوامها شراكة استراتيجية مرنة، تقوم على تلاقي في الرؤى الدولية، وتكامل في المصالح الاقتصادية، وتوظيف البعد الحضاري. فضلًا عن أنه مثل خطوة مبكرة على طريق التقارب البنيوي الذي سيتبلور لاحقًا في صيغ أكثر تقدمًا من التعاون بين البلدين في القرن الحادي والعشرين.
وقد كشف هذا البيان نوايا البلدين الكامنة خلف بنوده، إذ تضمن أولًا الإطار المؤسسي لهذا العلاقات على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية. عندما أبرز تأكيدهما إنشاء «آلية للتشاور السياسي» بين وزارتي الخارجية على نخو عكس انتقال علاقاتهما من نمط التفاعل الظرفي إلى مستوى أكثر استقرارًا. ويشير لإدراكهما المشترك لأهمية التنسيق السياسي المستدام في ظل بيئة دولية متغيرة. خاصة أنه شدد على مبادئ احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية كمرتكز للعلاقة بين البلدين. كما أكد استعداد طهران لدعم بكين في قضاياها الجوهرية، مقابل موقف صيني داعم لإيران في مواجهة الضغوط الدولية.
كذلك تضمن البيان رغبة مشتركة في بناء علاقة اقتصادية شاملة وقابلة للاستدامة من خلال تعزيز التعاون في مجالات النفط والغاز بوصفها محورًا استراتيجيًا؛ عكس إدراك الصين لأهمية تأمين مصادر طاقة مستقرة، واستعداد إيران للقيام بدور الشريك الموثوق لقوة اقتصادية صاعدة. وأن التعاون الاقتصادي بينهما لم يقتصر على الطاقة، بل امتد إلى النقل والاتصالات والصناعة والمصارف، والزراعة والسياحة وحماية البيئة.
ولم يغب عن البيان أن يستحضر البعدين الحضاري والثقافي رمزيًا، عندما ذكر «طريق الحرير» بوصفه إطارًا تاريخيًا مشتركا للتواصل بين حضارتين البلدين. وذلك لإضفاء لمسة حضارية على التعاون بينهما، وتقديم هذه العلاقة بوصفها امتدادًا لتفاعل تاريخي طويل لا تحالفًا سياسيًا عابرًا.كما تبنت الصين مبادرة «خاتمي» بشأن حوار الحضارات الذي ينسجم مع خطابها الداعي إلى التعددية الثقافية ورفض «صدام الحضارات».
أما فيما يتعلف بالرؤية المشتركة للنظام الدولي والقضايا الإقليمية والأمن الدولي، فقد اتفق البلدان على دعم عالم متعدد الأقطاب؛ سعيًا إلى إرساء نظام سياسي واقتصادي أكثر عدالة وتوازنًا، بعيدًا عن سياسات القوة وفرض الإرادة. وفي ذات الوقت التشديد على أهيمه الدور المحوري للأمم المتحدة، وعلى ضرورة الالتزام بالقانون الدولي، بما يعكس محاولة لإضفاء طابع قانوني ومؤسسي على الرؤية المشتركة للنظام الدولي. والتأكيد على أنهما يدعمان تحقيق السلام العادل والدائم في الشرق الأوسط، وحقوق الشعب الفلسطيني، والحفاظ على أمن الخليج العربي، بمعزل عن التدخل الخارجي، في رفض واضح للوجود العسكري الأجنبي المكثف بالمنطقة. والدعوة إلى حل سياسي شامل في أفغانستان، بما يعكس اهتمامهما المشترك بالاستقرار الإقليمي دون الانخراط في تدخلات عسكرية مباشرة.
وقد أدى تأسيس «آلية التشاور السياسي» إلى تعزيز التواصل بين البلدين على مستويات متعددة، وكان ذلك أحد مؤشرات استمرار الاتصالات الرفيعة، وتبادل الوفود الرسمية بشكل دوري، ودعم العلاقات الثنائية. وقد مثل ذلك في مجملة نقطة تحول استراتيجية في العلاقات الإيرانية الصينية، قائمة على احترام السيادة والمصالح المشتركة والصداقة الطويلة والمثمرة في القرن الحادي والعشرين، وهو ما شكّل قاعدةً مهمة للتعاون لاحقًا في عهد من تولى بعد خاتمي.

 

ثالثا: مقاربة الالتفات شرقًا:
تمثل هذه المقاربة ضرورة جيوسياسية واقتصادية وأمنية؛ لضمان أمن إيران والتأييد السياسي لمواقفها، وتعزيز مكانتها في النظام الدولي؛ على نحو يتيح لها توازنا استراتيجيًا يضمن لها القدرة على مواجهة الضغوط الأمريكية والأوربية، ويسمح لها بإعادة التموضع على الخريطة الجيوسياسية الجيواقتصادية، الذي ينقلها من موقع الدولة المحاصَرة إلى الدولة المحورية ضمن شبكة التحالفات الآسيوية. وذلك عبر التعاون الاستراتيجي مع الصين، والأمني والعسكري مع روسيا، والانضمام إلى التكتلات الاقتصادية، مثل: منظمة شنغهاي وتجمع البريكس. إضافة إلى تعزيز التعاون مع الهند وماليزيا وإندونيسيا. ودمج إيران في شبكات التجارة والاستثمار الآسيوية، خاصة مبادرة الحزام والطريق، وممر الشمال-الجنوب لنقل الطاقة والبضائع بين شرق آسيا وأوروبا.
وأكدت معظم الدراسات الإيرانية على أن قدرات إيران في مجال الطاقة وأمن الطاقة، تمثل أرضية مناسبة لإقامة علاقات تعاون وثيق مع الدول الواقعة على اتجاهها الشرقي. خاصة أنها تمتلك أحد أكبر حقول الغاز في العالم، هو حقل «بارس» الجنوبي الذي تشترك في جزء منه مع قطر، والقادر على تلبية احتياجات الأسواق العالمية، في مقدمتها الهند والصين بوصفها أسواقًا كبيرة ومستدامة. كما ألقت هذه الدراسات الضوء على بعض الفرص التي يمكن أن تُعظم المصالح الإيرانية، حال تبني مقاربة الالتفات شرقا، منها ما يلي:
  1. يمكن لإيران، نظرًا لقدراتها الإقليمية المحتملة، أن تقوم بدور بنّاء في إنشاء نظام أمني آسيوي جماعي. 
  2. تعزيز علاقات ثنائية طويلة ومتوسطة الأمد مع دول آسيا في مختلف المجالات بما يخدم مصالح الطرفين
  3. تمثل خطوط أنابيب الغاز، خاصة خط إيران -باكستان والهند المعروف بخط أنابيب السلام، من أهم الفرص الجيوسياسية لإيران، لا سيما في ظل توفر إمكانية مده إلى الصين.
  4. يمكن لإيران أن تصبح جسرًا لحركة التجارة العابرة من الشمال إلى الجنوب ومن الغرب إلى الشرق. وهنا يمكن الترويج لممر الجنوب ـ الشمال، في إطار الاتفاق الموقع بين روسيا وإيران، بزعم أنه أحد أقصر وأرخص الطرق بين أوروبا وشرق آسيا، وعلى اعتبار أنه البديل المناسب لطرق النقل الطويلة.
  5. يمكن لإيران إقامة علاقات استراتيجية شاملة مع الصين والهند وروسيا وتعزيز أوجه التعاون الاقتصادي معها، خاصة في مجال الطاقة وطرق العبور
  6. يمكن تعزيز مكانة إيران بالمنظمات الإقليمية المهمة مثل منظمة التعاون الاقتصادي، ومنظمة المحيط الهندي للتعاون، ومنظمة شنغهاي للتعاون.()
وبناء عليه، وضعت هذه الدراسات بعض التصورات المهمة في حال تبني إيران لهذه الاستراتيجية، أهمها:
  1. أن تنمية أوجه التعاون مع الشرق من شأنه تحقيق التوازن المطلوب مع الغرب على المستوى الاستراتيجي 
  2. إن استراتيجية إيران للالتفات شرقًا ينبغي ألا تكون بهدف الاستغناء عن الغرب لأن ذلك لن يخدم مصالحها، على الرغم من عدم تحقق بعض الأهداف المرجوة من علاقاتها مع بعض الدول الغربية
  3. لا ينبغي تسويق تعاون إيران المزمع مع القوى الآسيوية الكبرى بوصفه أداة مضادة، أو عملا موجها للمصالح الغربية؛ استنادًا إلى التفكير التصادمي المتوارث عن الحرب الباردة الذي لم يخدم مصالح إيران
  4. أن استراتيجية الالتفات شرقًا، ينبغي ألا تتجاهل تقدم الغرب وقدراته باي حال من الأحوال
وعليه، باتت مقاربة الالتفات شرقًا ركيزة في سياسة إيران الخارجية في عهد «أحمدي نجاد» (2005 – 2013م) بوصفها أساسًا نظريًا؛ لتعزيز العلاقة مع الصين، وردًا استراتيجيًا على العقوبات الأمريكية والغربية ومحاولة لتحقيق التوازن أمام الوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة. خاصة بعد تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بالبرنامج النووي. وبالتالي جرى تقديم الصين باعتبارها شريكًا دوليًا لإيران قادرًا على موازنة الهيمنة الأمريكية وتخفيف آثار هذه العقوبات. ولذا اكتسبت هذه المقاربة زخمًا مؤسسيًا وفكريًا، استندت فيه إلى رفض القطبية الأحادية القطبية، وتعزيز التعاون مع الصين وروسيا في مجال التكنولوجيا الدفاعية والمناورات العسكرية المشتركة. إضافة إلى مواجهة التهديدات المشتركة، مثل التطرف والإرهاب بمنطقة آسيا الوسطى.
وتعد هذه المقاربة محصلة لجملة من العوامل، التي جعلتها نهجًا استراتيجيًا في عهد أحمدي نجاد:
الأول: ضرورة تطوير السياسة الخارجية الإيرانية. بعد إخفاق حكومة خاتمي في التقارب مع الغرب، أو تحقيق تقدم في المفاوضات النووية معه، على الرغم من أنها نجحت بناء الثقة معه، مقابل تعليق تخصيب اليورانيوم والتأكيد المستمر على الحوار. إضافة إلى أن التحديات الدولية والإقليمية، كانت دافعة لإيران، في ضوء أزمة برنامجها النووي، على تبني مقاربة خارجية مختلفة عن ذي قبل.
الثاني: قراءة حكومة أحمدي نجاد لضرورة تفعيل رؤية الجمهورية الإسلامية 2025م، الرامية إلى إيصال إيران إلى موقع الصدارة الإقليمي اقتصاديًا وعلميًا وتكنولوجيًا، وبهوية إسلامية وثورية ملهمة للعالم الإسلامي. وذلك من خلال التفاعل البناء مع القوى الآسيوية، وعلى رأسها الصين وروسيا، بغرض تشكيل قطب آسيوي في النظام الدولي. وتعزيز العلاقات مع دول القارة الأفريقية وأمريكا اللاتينية، بوصفها عنصر فعال في زيادة قدرة إيران على التفاوض مع الغرب.
الثالث: تلاقي هذه المقاربة مع استراتيجية «الخروج» الصينية التي كانت تستحوذ على اهتمام صانع القرار الصيني، منذ عهد الزعيم «دنج شياو بينج» القائمة على تشجيع الشركات الصينية على الوجود في الخارج؛ لتلبية احتياجاتها واكتساب الخبرات اللازمة ونقلها إلى الداخل الصيني.() ومن ثم تعاظم الاهتمام الصيني بمقاربة الحدود الغربية في السياسة الخارجية، التي كانت تولى إيران اهتماما خاصا؛ بوصفها أحد المصادر المهمة لإمدادات الطاقة. لا سيما أنها تتميز بموقع استراتيجي بين منطقتين غنيتين بالنفط، هما الخليج العربي وبحر قزوين، وهي المنطقة التي يشير إليها الصينيون باسم «طريق حرير الطاقة» فمنطقة الخليج تذخر بحوالي 55% من احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، و41 % من احتياطيات الغاز. بينما تبلغ احتياطيات النفط المؤكدة بمنطقة بحر قزوين حوالي 1.8 إلى 3.3 % من إجمالي الاحتياطيات العالمية.
وفي هذا الإطار، تحولت العلاقات الإيرانية الصينية، في عهد أحمدي نجاد، من مجرد تعاون اقتصادي محدود نسبيًا إلى التفاعل النفعي، الذي فرضته ضغوط البيئة الدولية وتصاعد العقوبات الغربية على إيران. على اعتبار أن الصين بمثابة القوة الصاعدة غير معادية لإيران أيديولوجيًا والقادرة على توفير مظلة سياسية واقتصادية جزئية لها في المحافل الدولية.
ومن ثم، تحولت الصين إلى أكبر شريك تجاري لإيران، بحلول عام 2010م، خاصة أن قطاع الطاقة كان يشكل العمود الفقري للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، مستفيدة من الخصومات والمخاطر المحدودة. كما أصبحت الشركات الصينية بديلا مناسبا لنظيرتها الغربية. ومن ثم انخرطت في تطوير حقول نفطية وغازية إيرانية، رغم ما شاب هذه المشاريع من تأخير وضعف تقني. غير أن كثيرًا من الدراسات الإيرانية رأت أن هذه العلاقات لم تكن متكافئة بينهما، بقدر ما كانت نتاج ضعف قوة إيران التفاوضية أمام الصين، خاصة في ظل العقوبات وانسحاب الشركات الغربية من السوق الإيرانية.
ومن ناحية أخرى، اتسم موقف الصين من أزمة البرنامج النووي بالتوازن الحذر؛ فمن جهة، ساندت حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. ومن جهة أخرى، لم تعارض قرارات مجلس الأمن، وسعت إلى تخفيف حدتها، أو تأجيلها إن أمكن. بل وصوّتت لصالح عدد من قرارات مجلس الأمن الخاصة بفرض عقوبات عليها. وهو ما كشف حدود الدعم الصيني لها. وأظهر أن بكين تعاملت معها باعتبارها شريكًا تكتيكيًا، لا حليفًا استراتيجيًا، وأنها غير مستعدة للتضحية بعلاقاتها مع بواشنطن والغرب من أجل طهران
وعلى الرغم من أن العلاقات السياسية بين البلدين شهدت تكثيفًا للزيارات الرسمية والتصريحات الداعمة، إلا أنها ظلت محكومة باعتبارات برجماتية صينية، عكست الطبيعة المزدوجة للسياسة الصينية تجاه إيران؛ فقد اهتمت لفظيًا بالمواقف الإيرانية وقدمت لها دعما سياسيا محدودا، مقابل التزامها الواضح بقواعد النظام الدولي والحفاظ على التزاماتها تجاه مجلس الأمن وهو ما حدّ من سقف التعاون السياسي بينهما.
وكان أحمدي نجاد أكثر رئيس إيراني ترددًا على الصين، لمحاولة كسر العزلة الدولية، في ظل تصاعد الضغوط على إيران، فقد زارها طوال مدتي رئاسته 4 مرات، بمعدل زيارة كل عامين.
وكانت زياراته تلك بمثابة أداة دبلوماسية لاختبار حدود الدعم الصيني لإيران في مواجهة هذه الضغوط، ضمن مقاربة الالتفات شرقًا. وأسهمت في الحفاظ على مستوى من التواصل السياسي والاقتصادي مع الصين، ولكنها لم تنجح في إرساء شراكة استراتيجية شاملة معها؛ إما بسبب العقوبات الدولية، أو نفعية السياسة الصينية. ولذلك بقيت هذه الزيارات وتلك التصريحات الإيجابية، ذات نتائج عملية محدودة؛ كما فشلت في رفع مستوى العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية.() وبالتالي انتقدت بعض الدراسات الإيرانية مقاربة الالتفات شرقًا؛ لأنها لم تلب مصالح إيران الوطنية. خاصة في ظل وضع كانت تواجه فيه نوعًا من الجمود مع الغرب حول مسألة البرنامج النووية، ومن ثم وصفتها بأنها لم تخرج عن كونها مجرد سياسة، حكمتها الاعتبارات الفئوية والحسابات الحزبية.
من ناحية أخرى، انتقد مركز الدراسات التابع لمجمع تشخيص مصلحة النظام  اندفاع أحمدي نجاد الزائد نحو الصين؛ دون تخطيط استراتيجي، ومجرد سياسة ناجمة عن عدم فهم صحيح لطبيعة النظام الدولي خاصة أن مسئولي حكومته كان لديهم تصور خاطئ لوضع إيران ومدى جاذبيتها للدول الأخرى. ناهيك عن أنهم تغافلوا عن أن منافسي إيران، بما فيهم دول الخليج العربي، لديهم قدرة عالية على منافسة إيران. وأن هؤلاء المنافسين كانوا من أهم العقبات التي واجهت قيام تحالف استراتيجي بين إيران والصين. ففي الوقت الذي بدأت فيه العلاقات بينهما تتوسع، كانت السعودية تبذل جهودا مكثفة لعرقلة تطور هذه العلاقات. إذ قام الملك «عبد الله» بزيارة بكين، في يناير 2006م، أعقبتها زيارة الزعيم «هو جين تاو» (Hú Jǐntāo) للرياض في نفس العام، وكانت مطالب السعوديين من الصين تتلخص في ضرورة تقليص تعاونها مع إيران. مقابل تعويضها عن الانخفاض المحتمل في واردات النفط من إيران.
ومع هذا وعلى الرغم من أن أحمدي نجاد تسبب في تعميق الطابع النفعي للعلاقات الإيرانية الصينية، ولم يفلح في الارتقاء بها إلى مستوى التحالف الاستراتيجي. واستفادت الصين من ضعف الموقف الإيراني، بينما بقيت طهران الطرف الأكثر احتياجًا. إلا أنه مهّد لتفاهمات أوسع، ظهرت ثمارها في عهد خلفه حسن روحاني.

 

رابعا: التعاون الاستراتيجي الشامل:
شهدت العلاقات الإيرانية الصينية تطورًا نوعيًا، في عهد الرئيس «حسن روحاني» (2013 – 2021م) انتقلت فيه من النفعية الاقتصادية المحدودة إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بعد توقيع «خطة العمل الشاملة المشتركة» أو ما يعرف بالاتفاق النووي (5+1) عام 2015م.
وقد أدى توقيع الاتفاق النووي إلى إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية الإيرانية الصينية، خاصة في مجال الطاقة والنقل والبنية التحتية.() ودفع العلاقات بينهما إلى مستوى «شراكة استراتيجية شاملة» ولم يكن هذا التطور رمزيًا، بل مهّد لاحقًا لاتفاقية التعاون لمدة 25 عامًا.
وفي ظل تعطش الصين المتزايد للنفط ولضمان استثماراتها بمنطقة الشرق الأوسط وانتهاج الولايات المتحدة ما يعرف بالانكماش الاستراتيجي، قام الرئيس «شي جين بينج» (Xí Jìnpíng) بجولة إقليمية مهمة، في يناير 2016م، لإعادة ترتيب علاقات بلاده مع دول مركزية بالشرق الأوسط، تحت شعار «السلام والاستقرار والتنمية المشتركة» بدأها بالسعودية بوصفهما واحدة من أهم وأكبر مصدري النفط، حيث أبرم شراكة استراتيجية شاملة معها. ثم ختمها بزيارة إيران. وما بين الزيارتين، قام بزيارة مصر، يوم 20 يناير 2016م، في أول زيارة لرئيس صيني إلى القاهرة، منذ أكثر من 12 عاما، وصادفت مرور 60 عاما على إقامة العلاقات بين البلدين. حيث وقع مجموعة من الاتفاقيات المتعلقة بضخ الاستثمارات الصينية
أما زيارته لإيران في 22–23 يناير، فكانت أول زيارة لزعيم صيني لطهران منذ 14 عامًا. وانطوت على أهمية خاصة من حيث التوقيت؛ فقد جاءت عقب توقيع «خطة العمل الشاملة المشتركة» يوم 14 يوليو 2015م، التي تُرفع بموجبها العقوبات عن إيران وتسمح لها بتصدير الأسلحة واستيرادها، مقابل منعها من تطوير صواريخ نووية، وقبولها زيارة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمواقعها النووية. () وقد وقع الجانبان، خلال هذه الزيارة، 17 اتفاقية تعاون ومذكرة تفاهم، شملت التعاون في مجالات الاستخدام السلمي للطاقة النووية، والبنية التحتية واللوجستية، والتعاون الثقافي والتعليمي والبحثي والقضائي. إضافة إلى النفط..
وقد عكست هذه الجولة النوايا الصينية لخلق فرصة مواتية لأن تضع ترتيبا جديدًا للنظام الإقليمي وحتى الدولي، يمكن أن يتماشى أيضًا مع استقرار إيران وأهدافها الكبرى، ويمكن أن يوفر لها مساحة للعمل في وقت واحد مع الشرق والغرب؛ لكن في ذات الوقت، يمكن أن تشكل استراتيجية التمدد الصينية، بما فيها مبادرة الحزام والطريق ، تهديدا، بما في ذلك تعزيز الهيمنة الجيواقتصادية للصين على شرق إيران وشمالها، وتحويل نفوذها الاقتصادي إلى تأثير سياسي، ومن ثم التأثير على المنطقة وتشكيل توجهات دولها، بما مؤداه في النهاية تقليص أهمية إيران الجيوسياسية.
بدليل أن أحد أسباب تعاون الصين المتنامي مع السعودية، وهي المنافس الإقليمي لإيران وخصمها الأيديولوجي هو قلقها من تمدد رقعة النفوذ الإيراني من اليمن إلى منطقة خليج عدن والبحر الأحمر، وهو ما تراه بكين تهديدًا لمبادرة الحزام والطريق. ولهذا أقامت أول قاعدة بحرية لها في جيبوتي، عام 2017م، بالتعاون مع السعودية، مما يعكس رؤيتهما المشتركة حيال أمن الملاحة بمضيق باب المندب ومنطقة البحر الأحمر، ونية الصين لتعزيز مكانتها الاستراتيجية في المنطقة؛ ولموازنة النفوذ الأمريكي في منطقة الخليج العربية.
وبعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، عام 2018م، ازدادت أهمية الصين بالنسبة لإيران، إذ تُعد شريانًا اقتصاديًا لها، وداعمًا سياسيًا نسبيًا لمواقفها في مجلس الأمن، على الرغم أنها تتفهم أن بكين لا تسعى إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن، ولكنها في نفس الوقت لا تنخرط في سياسة خنق إيران اقتصاديًا، مما أبقى العلاقة بينهما في إطار الدعم المحسوب.ولهذا، توجه روحاني إلى الصين؛ لحضور قمة منظمة شنغهاي، التي عقدت بمدينة «تشينجداو» (Tsingtao) يومي، 9 و10 بونيو 2018م، حاملا معه موضوع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، والبحث عن حلول للمشاكل الناجمة عن العقوبات التي فرضتها على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع بلاده. خاصة أن الضغوط الأمريكية بمعاقبة هذه الشركات بدأت آثارها تظهر؛ عندما أعلنت شركة النفط الفرنسية العملاقة «توتال» وشركتا تصنيع السيارات «بيجو» و«سيتروين» أنها ستوقف أنشطتها في إيران. كما أعلنت إحدى أكبر مصافي النفط في العالم، المملوكة لشركة هندية، أنها ستتوقف عن استيراد النفط منها.

 

المبحث الثالث
اتفاقية برنامج التعاون الشامل بين الصين وإيران
كان النمو الهائل في حركة التجارة المتجهة من آسيا إلى أوروبا، والتحولات التي بدأ النظام الدولي يشهدها نحو التعددية الناشئة؛ من الدوافع التي جعلت الصين، انطلاقا من «استراتيجية الخروج» تعمل على إعادة تموضعها بالعالم؛ لتوسيع حرية حركتها الاقتصادية والسياسية، عبر جملة من الأدوات التي تمكنها من إدارة التوازنات الدولية. ومن بين هذه الأدوات «مبادرة الحزام والطريق» التي طرحتها عام 2008م، وتم بموجبها التوقيع على خطاب نوايا في جنيف؛ بغرض تشجيع الدول على الاستثمار في هذه المبادرة وفي بعض الطرق البرية الأخرى المرتبطة بها.
وتقوم هذه المبادرة الاستراتيجية، في حقيقتها، على اكتساب السيادة العالمية من باب الاقتصاد والاستحواذ على حركة التجارة؛ لتصبح الصين القوة الاقتصادية الأكبر تأثيرًا في العالم. وهذا ما ترى الولايات المتحدة أنه يمثل أكبر تهديد لمستقبلها. خاصة بعد أن بلغ التوتر بينهما مرحلة جعلت بعض المراقبين يرون أن الصين باتت على شفا حرب اقتصادية، أو مواجهة حضارية مع الغرب. وعلى الرغم من هذا فإنها ماضية في تحقيق أهدافها ومعالجة نقاط الضعف التي قد تُؤثر عليها.
وبالتزامن مع طرح مبادرة الحزام والطريق، عام 2008م، طرحت إيران استراتيجية الالتفات شرقًا في نفس العام، وأخذت مراكز البحوث والدراسات الإيرانية وإدارات البحوث والدراسات الاستراتيجية بالوزارات والأجهزة المعنية، على عاتقها دراسة التحولات التي طرأت على حركة التجارة العالمية، والفرص التي يمكن أن تتاح لإيران لتعظيم مصالحها الوطنية من وراء مبادرة الحزام والطريق. وكيف يمكن أن تصبح الإطار البنيوي الأوسع الذي يمكن أن يؤسس لاتفاقية تعاون استراتيجي شامل مع الصين. خاصة أن ربط إيران بهذه المبادرة قد يمثل فرصة لإعادة توظيف موقع إيران الجغرافي كرافعة تنموية واقتصادية، وتحويله إلى عنصر فاعل في شبكات العبور الإقليمي. كما قد يتيح لها جذب استثمارات في قطاعات البنية التحتية والنقل والطاقة، بما يسهم في تخفيف آثار العقوبات الاقتصادية عليها.
كما بحثت هذه المراكز الكيفية التي يمكن أن تجعل إيران بأهميتها الجيوسياسية مكانة محورية في هذه المبادرة، وكيف يتحول موقعها الذي يربط آسيا الوسطى بالخليج وغرب آسيا، إلى محور وصل أساسي في الممرات البرية لـ«الحزام الاقتصادي لطريق الحرير». وقد أشارت الدراسات الإيرانية إلى أن إدماج إيران في هذه المبادرة سوف يوفّر للصين مسارات بديلة ومستقرة لنقل الطاقة والتجارة، ويقلّص من اعتمادها على الممرات البحرية الخاضعة للهيمنة الأميركية. وبالتالي سوف تسهم الشراكة الإيرانية الصينية في إعادة تشكيل أنماط التفاعل الاقتصادي في غرب آسيا، عبر تعزيز الترابط العابر للحدود، وتقليل الاعتماد على المسارات التقليدية الخاضعة للتنافس الجيوسياسي. كما تمنح الصين أدوات نفوذ ناعمة. في مقابل توسيع هامش المناورة الاستراتيجية لإيران داخل بيئة إقليمية مضطربة.
وعليه، يمكن القول إن اتفاقية برنامج التعاون الشامل بين جمهورية الصين الشعبية وجمهورية إيران الإسلامية، التي وقع عليها وزيرا خارجية البلدين، يوم 27 مارس 2021م، تأتي في إطار المساعي الصينية الرامية لتعزيز نفوذها بمنطقة الشرق الأوسط، من ناحية. والمساعي الإيرانية الرامية للارتباط بإحدى القوى العظمى الموقعة على الاتفاق النووي، بما يعزز مواقفها السياسية ويساند خططه التنموية. (انظر صورة من الاتفاقية بالملحق)

 

أولا: مضمون الاتفاقية:
كان البلدان سبق وتبادلا التصورات المبدئية الأولى لهذه الاتفاقية، عام 2009م، حتى توصلا إلى صيغة شبه نهائية عام 2016م، اتفق فيها الجانبان على خطوطها العامة أثناء زيارة الرئيس «شي جين بينج» إلى طهران يوم 22 يناير 2016م، وكان هذا التوافق حول الاتفاقية يمثل مكسبًا كبيرًا لإيران؛ نظرا لأنه جاء قبل أيام قليلة من دخول الاتفاق النووي حيز النفيذ، الذي أدى بدوره إلى رفع بعض العقوبات الدولية عنها.
وقد ذكرت وكالة «تابناک» التابعة للحرس الثوري، في 24 يوليو 2016م، أن مجلس الوزراء برئاسة الرئيس «حسن روحاني» وافق على اتفاقية برنامج التعاون الشامل مع الصين، وأصدر تعليمات لوزارة الخارجية بالتوقيع عليها، عقب الانتهاء من التفاوض حول صيغتها النهائية مع الجانب الصيني. ونشر الموقع الرسمي للرئاسة الإيرانية المحاور المعلنة للاتفاقية، بتاريخ 23 يناير 2016م، في ختام زيارة الرئيس الصيني المشار إليها.
وهنا، يجب التنويه إلى إنه لم يتم نشر الصيغة النهائية المعتمدة لبرنامج التعاون الشامل بين إيران والصين، الذي أعدته «الأمانة العامة للآلية العليا للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين إيران والصين، بتاريخ يونيو 2020م» وبالتالي سوف نتناول هذه الاتفاقية في ضوء النسخة التي نشرتها وسائل الإعلام الإيرانية. التي وصفها «محمود واعظي» رئيس مكتب رئيس الجمهورية، بأنها عبارة عن خارطة طريق للتعاون والاستثمار والتجارة مع الصين مدتها 25 عامًا، وأنها تأطير لعلاقات شاملة بين البلدين تستهدف تحقيق شراكة استراتيجية بينهما. وأنه ينبغي النظر إلى هذه الاتفاقية على أنها برنامج سياسي واستراتيجي واقتصادي وثقافي يسعى، من وجهة نظر الجانبين، إلى تعزيز العلاقات المتبادلة بينهما على المدى الطويل. وعلى الرغم من هذا يمكن القول إن هذا التوصيف لن يغير من طبيعة الالتزامات المترتبة عليها
ويقع النص الفارسي المعلن رسميًا، في ثماني عشرة صفحة، تتضمن، فضلًا عن الديباجة، تسعة بنود (تقع في أربع صفحات) وثلاثة ملاحق (تقع في ثلاثة عشر صفحة) يتعلق الملحق الأول منها بالبند الثالث من الاتفاقية، الذي جاء تحت عنوان «الأهداف الأساسية» ويتعلق الملحق الثاني بالبند الرابع منها، والذي جاء تحت عنوان «مجالات التعاون» مفسرًا المجالات الرئيسة لبرنامج التعاون الشامل. ثم الملحق الثالث، الذي يتعلق بالبند الخامس، الذي جاء تحت عنوان «الإجراءات التنفيذية»
وقد أعرب الجانبان، من واقع نص الاتفاقية، بدءًا من المقدمة وحتى نهاية البند التاسع منها، عن حرصهما الكامل على الاعتماد على قدراتهما ومواردهما الخاصة، في توطيد علاقة كل منهما تجاه الآخر. على أن يشمل التعاون المزمع تنفيذه بينهما كل ما تملكانه من مصادر للنفط والغاز وأي مصادر أخرى، ومن خامات بعض المعادن، ووسائل للنقل والمواصلات والطرق والسكك الحديدية إلى جانب النقل البحري والشحن الجوي. كما أكد الجانبان نيتهما توسيع أوجه التعاون المشترك؛ كي يشمل المجالات العسكرية والأمنية والدفاعية. فضلا عن التعاون العلمي والتكنولوجي والسياحي والاتصالات. وهي المجالات التي تشكل جزءًا من أي اتفاقية. على أن يكون هذا التعاون مربحا لكليهما معا، وأن يكون استراتيجيًا، وطويل المدى، ومشتملا على أوجه التعاون السياسي بينهما سواء على المستوى الثنائي، أو على المستويين الإقليمي والدولي. (انظر صور للملاحق الثلاث بالملحق)
وقد حددت ملاحق الاتفاقية تفاصيل مجالات التعاون المتفق عليها بين البلدين، من حيث إن:
الملحق الأول، حدد مجالات التعاون الواردة ببند «الأهداف» في تنمية التعاون بمجالات النفط والبتروكيماويات والزراعة والشبكات الذكية وصناعات المياه والكهرباء والبيئة والصناعات الجوية، والسياحة وما إلى ذلك.
الملحق الثاني، حدد «الأهداف الأساسية» لبرنامج الشراكة الشاملة، في مجالات النفط والطاقة، والمشاركة الفعالة في مشروع الحزام والطريق، وتنمية سواحل إقليم «مكران» والتعاون في مجال تكنولوجيا الاتصالات السلكية واللاسلكية، والتعاون المالي والاقتصادي والتجاري، ثم التعاون الثنائي في المجالات العسكرية، والدفاعية والأمنية، فضلا عن التعاون السياسي
الملحق الثالث، أوضح «الإجراءات التنفيذية» أو الإجراءات التي يجب القيام بها؛ لتحقيق الأهداف الواردة بالملحق الأول، وأوجه التعاون المبين بالملحق الثاني.

 

ثانيا: محاور برامج التعاون:
يشتمل برنامج التعاون الشامل بين إيران والصين على ثلاثة محاور رئيسة، هي:
  • المحور العسكري والأمني: حاولت ملاحق الاتفاقية، تنظيم التعاون الوثيق بين البلدين في شكل آليات دائمة، على أن يعمل الطرفان على زيادة التشاور والتعاون بينهما بشأن المسائل الاستراتيجية المتفق عليها بينهما، سواء على المستوى الثنائي أو الإقليمي أو الدولي، ومن أهمها:
  1. تطوير التعاون العسكري والدفاعي والأمني وتبادل الخبرات العسكرية والتدريبات المشتركة
  2. تعزيز البنية التحتية الدفاعية ومكافحة الإرهاب وإجراء مناورات عسكرية منتظمة؛ لاستعراض قوة البلدين وتحالفهما.
  • المحور الاقتصادي: من محاور التعاون الرئيسة بين البلدين انطلاقا من تكامل إمكاناتهما الاقتصادية والاستغلال الأمثل للأيدي العاملة الإيرانية. ويشتمل على المجالات ذات الأولوية المشتركة للبلدين، أهمها: 
  • النفط والطاقة:
  • المشاركة في إنشاء وتجهيز صهاريج تخزين النفط والغاز وزيادة الصادرات البتروكيماوية إلى الصين
  • الإمداد المستدام للنفط الخام إلى الصين وإنشاء آلية لتوريده بشكل منتظم ومستدام.
  • يجب على طهران أن تنتبه إلى شواغل الصين بشأن جدوى استثماراتها في قطاع النفط الإيراني، وأن تنتبه الصين إلى الاستخدام الأمثل للموارد المالية المتحصلة من جراء ذلك.
  • تشجيع الشركات من الجانبين على المشاركة في تطوير حقول النفط والغاز الإيرانية
  • تشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في مشروعات توليد الكهرباء والطاقة والمياه والصرف الصحي 
  • البنية التحتية:
  • تحسين وضع إيران في مبادرة الحزام والطريق؛ لتعظيم المصالح الجيوسياسية والجيوقتصادية.
  •  التعاون في مجال تكنولوجيا الاتصالات، وتأسيس مشروع مشترك لتطوير وتقوية البنية التحتية للمعلومات وإنشاء الجيل الخامس للاتصالات 5G»» وإنشاء محرك بحث وبريد إلكتروني ووسائل تواصل اجتماعي وطنية إيرانية.
  • دراسة مشروع مد خط سكة حديد مخصص للمزارات الشيعية (باكستان -إيران -العراق –سوريا) الرامي إلى تعزيز نفوذ إيران الجيوسياسي.
  • استكمال خط سكة حديد شرق-غرب إيران، وإنشاء خط سكة حديد الشمال والجنوب
  • تطوير بعض الموانئ والجزر الإيرانية بهدف إنشاء منتجعات سياحية، ومراكز صناعية ذات بعد خدمي، وصناعات خدمية ذات طابع تكنولوجي، وإنشاء مراكز إقليمية للصناعات الغذائية والبحرية والبتروكيماوية لإنتاج وتصدير الخدمات والسلع المشتركة إلى دول المنطقة.
  • ضخ استثمارات صينية لإنشاء خطوط لمترو الأنفاق بعشر مدن إيرانية كبرى.
  • تطوير وبناء المطارات، وشراء منتجات الصناعات الجوية المشتركة.
  • ضخ استثمارات صينية على المدى الطويل لتطوير مدينة وميناء «چابهار».
  • تطوير ميناء «جاسک» بمحافظة «هرمزگان» على بحر عمان وإنشاء مدينة صناعية به.
  • تطوير سواحل مدينة «مكران» وبناء مدينة ذكية بها، وبمدينة «تيس» الإيرانية.
  • تطوير ترسانات بناء السفن الإيرانية.
  • المحور الاستثماري:
  • ضخ استثمارات صينية طويلة الأجل لإنشاء مصافي التكرير وصناعة البتروكيماويات والألمنيوم والحديد بإيران.
  • تشجيع الاستثمارات الصينية بمشروعات استغلال خامات النحاس وخام الحديد والصلب وصناعة المسبوكات المعدنية.
  • تشجيع الاستثمار المشترك في المشروعات الزراعية ومصايد الأسماك وإدارة خزانات المياه.
  • تشجيع الشركات الصينية على الاستثمار بالمناطق الحرة الإيرانية، بما في ذلك جزيرة «قشم» فضلًا عن مدينتي «أروند» و«ماكو».
  • التعاون بين شركات السيارات بالبلدين لنقل وتوطين التكنولوجيا، وإنشاء مدينة لصناعة للسيارات والصناعات المغذية لها، باستخدام تكنولوجيا الطاقة المتجددة، بغرض الاستخدام المحلي بالبلدين والتصدير للبلدان الأخرى.
  • التعاون المالي المصرفي:
  • تسهيل التعاون المالي والمصرفي والائتماني، والجمركي.
  • فتح أفرع لبعض البنوك الإيرانية داخل المناطق الاقتصادية الخاصة الصينية.
  • إنشاء بنك إيراني ـ صيني مشترك، وفتح فروع له بالمناطق الحرة والمناطق الاقتصادية الخاصة بالبلدين.
  • تسهيل الاستثمارات الصينية، في مشروعات المنطقة الصناعية الحرة والمناطق الاقتصادية الخاصة.
  • تشجيع مؤسسات الائتمان الصينية على تغطية المشروعات المالية الإيرانية الكبرى.
  • تشجيع الاستثمارات الصينية لتمويل مشروعات البنية التحتية، وفقا لأولويات التنمية الإيرانية.
  • تعزيز التجارة غير النفطية بين البلدين، مثل المنتجات الزراعة والمجالات القائمة على المعرفة. 
  • إقامة مشروعات مشتركة لتسهيل التبادل التجاري بين البلدين.
  • المحور الثقافي والعلمي:
  • تقديم المنح العلمية، وتبادل الأساتذة والطلاب، وإجراء البحوث الأكاديمية المشتركة، وزيادة الاعتراف المتبادل بين الجامعات، ودعم كراسي تدريس اللغتين الفارسية والصينية وآدابهما لدى الطرف الآخر.
  • التعاون السياحي في مجال صناعة وتنشيط السياحة وتطوير البنية التحتية والخدمات الفندقية.
  • التعاون الإعلامي بين الجانبين سواء على مستوى الإعلام التقليدي منه أو الإعلام الاليكتروني
  • التبادل الثقافي وتعزيز التعاون في مجال حماية التراث الثقافي والصناعات اليدوية وتنظيم الفعاليات المنتظمة بين البلدين
ثالثا: أهمية الاتفاقية:
تنطوي اتفاقية التعاون الشامل مع الصين على أهمية كبيرة بالنسبة لإيران؛ نظرا لأنها تجني من ورائها عددا من المكاسب المهمة، منها:
  • المكاسب السياسية
  • تعزيز موقف إيران الدولي استنادًا إلى أن الصين، هي إحدى الدول الخمس دائمة العضوية ولها حق النقض بمجلس الأمن، وإحدى الدول الموقعة على الاتفاق النووي؛ وبالتالي فإنها سوف تمثل، بموجب هذه الاتفاقية، سندًا قويًا لإيران، إلى جانب حليفتها روسيا التي تتمتع بذات المكانة والحقوق. ()
  • ليس لدى الصين، حتى الآن، أفكار هيمنة تماثل تلك التي لدى الولايات المتحدة والدول الغربية. كما أنها لا تستخدم مسألة حقوق الإنسان ورقة ضغط لفرض سطوتها الجيوسياسية على إيران.
  • لن تهيمن الثقافة الصينية على المجتمع؛ نظرا لعدم وجود قواسم ثقافية ودينية ولغوية مشتركة بين البلدين.
  • سوف تجعل الاستثمارات الصينية بكين أكثر حساسية وحرصًا على أمن إيران، أي أنها سوف تتحول إلى قوة دولية ضامنة لها، بما يسهم في خفض حدة التوتر حول توجهاتها ويقلل حجم الضغوط عليها.
  • سوف تدرك القوى المعادية لإيران، وخاصة الولايات المتحدة، خطأها الاستراتيجي بمقاطعة إيران وحصرها في زاوية الخيار الصيني الوحيد، الذي يجعلها تستغله للخروج من عزلتها، تنشئ تحالفا استراتيجيًا مع بكين، يساعدها في حل عقدة العقوبات وتفسح الطريق مرة أخرى أمام تعاملات إيران العالمية ()
  • المكاسب الاقتصادية
  • زيادة إنتاج النفط والغاز، إذ سوف تتولى الصين تطوير المرحلة 11 من حقل «بارس» الجنوبي، بعد شراء شركة البترول الوطنية الصينية (CNPC) حصة شركة «توتال» الفرنسية التي غادرت إيران؛ بسبب العقوبات، والبالغة 50.1٪، إضافة إلى حصة الشركة الصينية الأصلية البالغة 30٪ بالحقل المذكور. 
  • زيادة صادرات النفط والغاز الإيراني للصين، بنسبة خصم تصل لـ 30٪ وفترة سداد تمتد لعامين، ولها أن تسدد ثلثي المبلغ بعملتها الوطنية يوان، والثلث المتبقي سلعًا وخدمات؛ نظرًا لأن الصين تخطط للاحتفاظ باحتياطيات نفطية استراتيجية على متن ناقلات راسية بجميع سواحلها، دون الحاجة إلى التخزين الجمركي.
  • استعادة إيران أهمية موقعها الجغرافي بوصفه نقطة التقاء استراتيجي للطرق البرية والبحرية والجوية من شرق العالم إلى غربه، بعد أن كادت هذه الأهمية تتوارى بسبب العقوبات المفروضة على جميع مسارات النقل الجوي والبري والبحري والسكك الحديدية وحتى على خطوط نقل الكهرباء والغاز. وبالتالي أعطت هذه الاتفاقية إيران دورًا أكثر أهمية بمبادرة الحزام والطريق، وهو الأمر الذي سوف يترتب عليه البدء في تنمية مسارات العبور بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، عبر الممرات البحرية والبرية والسكك الحديدية، استغلالا لمزايا هذا الموقع الجغرافي
  • سوف تتحول إيران، بموجب الاتفاقية، إلى بوابة المنتجات الصينية للأسواق الأوروبية، بعد أن أصبحت تمثل جزء مهما من مبادرة الحزام والطريق، والتي سوف تتدفق إليها عبر الطرق القائمة فعلا، أو المزمع إنشاؤها مثل خط طهران ـ مشهد الحديدي بطول 900 كم، والقطار فائق السرعة بين طهران ومحافظتي قم وأصفهان، وربطه بسكة حديد شمال غرب إيران، الواصل لمدينة تبريز، التي تضم أهم معامل تصنيع النفط والغاز والبتروكيماويات. والتي من المزمع تحويلها، بموجب الاتفاقية، إلى نقطة انطلاق خط أنابيب الغاز إلى أنقرة.
  • تدفق الاستثمارات الصينية، وذلك وفقًا لما ذكرته مجلة «بتروليوم إيكونوميست» (The Petroleum Economist) في سبتمبر 2020م، نقلا عن مصادر إيرانية مطلعة، أن الصين سوف تستثمر، بموجب الاتفاقية، حوالي 280 مليار دولار في صناعة النفط والغاز، وحوالي 120 مليار دولار بمشروعات تطوير البنية التحتية الحيوية الإيرانية، التي تتماشى مع مبادرة الحزام والطريق. إلى جانب استثمارات أخرى بقطاعي الصناعة والنقل الإيراني، مع اعتزامها الاستعانة بالعمالة الإيرانية الرخيصة في تشييد شركات التصنيع الصينية الكبيرة بإيران
  • تنفيذ مشروع الإنترنت الوطني الذي يحظى بأهمية قصوى لدى طهران، إذ تم الاتفاق على قيام شركة «هواوي» (Huawei) بتأسيس البنية التحتية اللازمة لإنشاء شبكة «G5» وقد صرح «محمد صالح جوكار» رئيس لجنة الشؤون الداخلية بمجلس الشورى الإسلامي، بقوله إن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها دراسة إمكانية التعاون مع الصين لتنفيذ مشروع شبكة معلومات وطنية، خاصة أن إيران تحاول منذ سنوات امتلاك شبكة محلية منفصلة عن الشبكة العالمية لأسباب أمنية، وأنفقت على ذلك قرابة الـ 19 ألف مليار تومان؛ لأنه ليس من المنطقي أن يكون الخادم الرئيس لوسائل تواصلنا الاجتماعي موجود بالولايات المتحدة أو كندا.
رابعا: الانتقادات الموجهة للاتفاقية:
لا شك أن توقيع وزيرا خارجية الصين وإيران على اتفاقية التعاون الشامل، يوم 27 مارس 2021م، أمام وسائل الإعلام العالمية، قد أثارت اهتمام الرأي العام الإيراني وأذكت هواجسه ومخاوفه الوطنية. وارتبطت هذه المخاوف بمدى تزايد وعي الإيرانيين بحجم التبعات الاقتصادية الملقاة على عاتق بلادهم بموجب هذه الاتفاقية، والتي جاء التوقيع عليها متزامنا مع تصاعد الاحتقان السياسي، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، حتى بات مجرد الإعلان عن أي اتفاق خارجي مثير للمخاوف حول المستقبل. ولما لا وسياسات النظام جلبت عليهم عقوبات أمريكية وأممية، وتراجعت مبيعات النفط إلى أدنى مستوى لم تشهد له إيران مثيلا، منذ أزمة التأميم في مطلع الخمسينات من القرن العشرين. فضلا عن عدم قدرة النظام البنكي على ممارسة عمليات تحويل الأموال؛ بسبب إدراج إيران ضمن القائمة السوداء لـ «مجموعة العمل المالي الدولية» «FATF» (Financial Action Task Force‏) بما مؤداه، أن أصبح المواطن الإيراني يعيش وضعا اقتصاديا يشهد:
  • تراجعا حادا في تدفق الاستثمارات الأجنبية، وهروب رؤوس أموال ضخمة من البلاد
  • بطء شديد في نقل التكنولوجيا بفعل تراجع أوجه التعاون التكنولوجي لأدنى مستوى لها مع العالم الخارجي
  • انخفاض معدلات الإنتاج الوطني، وتراجع الصادرات غير النفطية
  • زيادة معدلات التضخم والبطالة وانخفاض قيمة العملة الوطنية 
  • تدني جودة الحياة المستدامة وزيادة معدلات الطلاق والإدمان والجريمة، فضلا عن الانحرافات السلوكية.
وبناء عليه، يمكن القول إن الرأي العام الإيراني لديه شعورا عميقا بأن الاتفاقية الموقعة مع الصين، هي لحماية النظام واستمرار بقائه، وليست في صالح الدولة ولا في مصلحة الشعب نفسه. كما أصبح لديه شكوكا ومخاوف من أن التنازلات التي قدمها النظام للصين إنما جاءت على أمل أن يضمن لنفسه حليفا سياسيا ينقذه من الانهيار. وبالتالي بات يرى في هذه الاتفاقية تجسيدا لجميع مخاوفه، ويوجه لها انتقاداته من حيث إنها:
  • إهدار للمصالح الوطنية: إذ أثارت الامتيازات التي قدمتها إيران إلى الصين بموجب هذه الاتفاقية، لدى الوعي الجمعي لكثير من الإيرانيين، ذكريات تاريخية مؤلمة، استدعت معها تجارب «تعاقدية مذلة» في تاريخ البلاد القريب. فأخذ يماثل بين هذه الامتيازات وبين التنازلات المؤلمة التي سبق أن أُرغمت طهران على تقديمها لروسيا القيصرية، بموجب معاهدتين الأولى تسمى «گلستان» (24 أكتوبر عام 1813م) والثانية تسمى «ترکمنچای» (10 فبراير 1828م) والتي تنازلت بموجبهما عن حوالي 250 ألف كيلومتر من أراضيها بمنطقة القوقاز، وهي الأراضي التي تقع اليوم ضمن حدود دول: أرمينيا وأذربيجان داغستان وجورجيا والشيشان وانجوشيا. 
  • تهديد لاستقلال البلاد: يستند أصحاب هذا الرأي إلى أن الأبعاد الخفية للاتفاقية، والخاصة بالوجود العسكري والاستخباري الصيني بإيران، وتسليم بعض الجزر إلى الصين مثل جزيرة كيش، والموانئ مثل «چابهار» المطل على الخليج. إلى جانب منحها امتياز الصيد بالسواحل المطلة على خليج عمان وبحر عمان، يعد إهدارا لمصالح إيران الوطنية ولمواردها، ومن شأنه أن يجعل من إيران مجرد مستعمرة تعتمد اقتصاديًا على الصين
وفي هذا السياق، ذكر الصحفي البريطاني «سايمون واتكينز» (Simon Watkins) نقلاً عن مصادر إيرانية رفيعة، أن الصين تتطلع إلى تحويل إيران إلى رأس جسر لها إلى الشرق الأوسط، وذلك من خلال:
  • إنشاء واحدة من أكبر محطات جمع المعلومات والاستخبارات في العالم مجهزة بأحدث أجهزة التجسس والحرب الإلكترونية، بالمنطقة المحيطة بميناء «چابهار» تعمل على نطاق واسع يبلغ نصف قطره حوالي خمسة آلاف كيلومتر، يديرها طاقم قوامه 1000 عنصر من كبار خبراء المخابرات الصينية، إلى جانب بعض الخبراء الروس في الأجهزة والتقنيات اللازمة بهذا المجال، وعدد ضئيل جدًا من كبار ضباط الحرس الثوري الإيراني الذين سيتم انتقائهم بعناية وتدريبهم على بعض المهام.
  • نشر أنظمة المراقبة والتحكم؛ لتغطية جميع سكان إيران اعتبارًا من الأسبوع الثاني من نوفمبر 2021.
  • وضع سبع مدن إيرانية كبرى تحت مراقبة أكثر نظم التتبع تقنية في التعرف على بصمة الوجوه
  • تقوم قوات الأمن الصينية بنشر حوالي 5000 عنصر من عناصرها، لحماية المصالح الصينية على الأراضي الإيرانية.()
  • الوقوع في فخ الديون: انبرت الأقلام الإيرانية المعارضة للاتفاق لإلقاء الضوء على ما يسمى بدبلوماسية فخ الديون الصينية، للتعريف بها والتحذير من وقوع إيران فيها، مستشهدة بسجل الصين المعروف لدى بعض الدول الفقيرة، مثل سريلانكا وباكستان. حيث سيطرت على أهم موانئ بهما بموجب عقود طويلة تراوحت ما بين 43 و99 سنة، بعد أن أوقعتهما في فخ الديون، التي لم تستطيعا الوفاء بها. وفي هذا السياق، قال الكاتب والناشط السياسي محسن سازگارا ، إن الاتفاقية الموقعة مع الصين تعد خيانة عظمى لأن الصين أينما ذهبت، فإنها تستولي على موانئ الدول الفقيرة إما بالقوة، أو بموجب عقد إيجار وهذا ما تفعله إيران.
ومن بين الأمثلة التي ساقتها الأقلام الإيرانية للتدليل على أن الصين تستخدم القروض للهيمنة على الدول النامية، «سريلانكا» التي اضطرت، بسبب عجزها عن الوفاء بديونها للصين، إلى أن تؤجر ميناء «هامباتوتا» وهو الميناء الأهم لديها، إلى شركة Merchants Port Holdings   بقيمة 1.1 مليار دولار. ولذات السبب أيضا وافقت «جيبوتي» عام 2016م، على تأجير إحدى قواعدها العسكرية للصين مقابل 20 مليون دولار سنويًا. ثم باكستان التي وقعت اتفاقية مع الصين لتطوير وتشغيل ميناء «جوادر «المطل على المحيط الهندي، ثم اضطرت إلى تأجيره لها، عام 2015م، لمدة 43 سنة حتى عام 2059م، كما اضطرت إلى إغلاق منطقة الميناء بالكامل لحماية الاستثمارات الصينية به، وأنها مطالبة أيضا بفرض حظر التجول، وتقييد حركة مواطنيها في محيط الميناء؛ إذا لزم الأمر.
  • انتهاك للدستور: ثار جدل سياسي وقانوني واسع في إيران حول دستورية هذه الاتفاقية الدولية، إذ رأت فيها بعض الآراء مساسا بالسيادة الوطنية وبسلامة الأراضي الإيرانية، كما شكك بعض الخبراء في دستوريتها؛ انطلاقا من أن التكتم على تفاصيلها على نحو يعد قرينة على أنها تتضمن بنودا لا يريد النظام إطلاع الشعب عليها؛ بدليل أن رئيس البرلمان «علي لاريجاني» وليس وزير الخارجية «محمد جواد ظريف» هو الذي سلم المسودة الأولى للاتفاقية إلى الرئيس الصيني، أثناء زيارته لبكين في مارس 2016م، في عدم امتثال للبروتوكولات المتبعة في هذا الشأن. إلى جانب أن توقيع الاتفاقيات الدولية المهمة يستوجب تصديق البرلمان، وفقا للمادة 77 من الدستور. وهذا مالم يحدث.
كما طرح بعض الخبراء الإيرانيين تساؤلين مهمين، في ضوء الدستور، مفادهم: أليس نمط التعاون العسكري والدفاعي مع الصين، الوارد بالاتفاقية، أو تشغيل مصافي النفط الإيرانية بواسطة المهندسين الصينيين وتحت حماية خمسة آلاف جندي من القوات المسلحة الصينية على التراب الإيراني يمثل شكلا من أشكال الهيمنة على إيران؟ أليس بيع النفط للصين بخصومات تتراوح ما بين 32 إلى 62% مقابل شراء الخردة أو الأسلحة الصينية، قبولا للهيمنة الصينية؟ وبالمخالفة لنص بالمادة 152من الدستور() التي تنص على الامتناع عن أي شكل من أشكال الهيمنة، أو الخضوع لها، والحفاظ على الاستقلال الكامل للبلاد وسلامة أراضيها. والمادة 153 التي نصت على حظر أي اتفاق يؤدي إلى السيطرة الأجنبية على الموارد الطبيعية والاقتصادية والثقافية للبلاد أو على الجيش وشؤون البلاد الأخرى.
وعلى الرغم مما ورد سابقا، يمكن أن نستنبط النوايا الإيرانية الحقيقية من هذه الاتفاقية في النقاط التالية:
أولًا: إن زيارة رئيس البرلمان لبكين عام 2016م، لتسليم المقترحات الإيرانية حول مسودة الاتفاقية، كانت تستهدف إيصال رسالة للصين مفادها أن الاتفاقية المزمع توقيعها بين البلدين أمر سيادي يتبع المرشد الأعلى وليس حكوميًا بما يعكس الإصرار على التعاون مع الصين. خاصة أن توقيع وزير الخارجية محمد جواد ظريف الاتفاقية، بعد مفاوضات استمرت خمس سنوات، كان سيعني أنها أقرب إلى مذكرة تفاهم، يلزمها توقيع عقود أخرى. ولكن عدم تصديق البرلمان عليها يعني، دستوريا، أنها إما قابلة للفسخ أو التعديل أو الإلغاء.
ثانيًا: أن الاتفاقية سوف تجعل من إيران المحور الرئيس بمبادرة الحزام والطريق، ومن ثم إزاحة العراق، وميناء الفاو تحديدًا، من أمام الاهتمامات الصينية؛ ليصبح العراق إما معتمدًا على نفسه في إنشاء ميناء الفاو الكبير، أو ان يظل خاضعًا للإرادة الإيرانية.
ثالثًا: أنها تحيي الآمال الإيرانية لإعادة إحياء مبادرة الجنوب الشمال مع روسيا. غير أن هدف إيران الأساسي منها هو استعادة نفوذها الجيوسياسي بمنطقة القوقاز، وهو الأمر الذي بات صعب المنال بالنسبة لها. خاصة في ظل الخصومة السياسية بينها وبين جمهورية أذربيجان، والعداء بينها وبين إسرائيل، التي تمتلك نفوذًا واسعًا لدى باكو، وأكبر محطة تجسس وتسهيلات عسكرية على حدود إيران الشمالية الغربية.
رابعًا: أن الاتفاقية من المحتمل أن تعزز موقف إيران في مواجهة الولايات المتحدة، وتعزز قدراتها العسكرية وتزيد نفوذها الإقليمي. خاصة أنها سوف تساعدها على حماية منشآتها الحيوية، وتطوير أسلحتها وتجهيزاتها ومنشآتها العسكرية، سواء البرية، أو البحرية، أو الجوية. ولكنها جعلت إيران في نفس الوقت جزءًا من استراتيجية الصين تاجه بالشرق الأوسط، والمنطقة كلها جزءًا من المواجهة الأمريكية الصينية.
خامسًا: أن تطوير الصين لمينائي «چابهار» و«جاسک» إلى جانب استمارتها بمنطقة «مكران» وببعض الجزر الإيرانية بالخليج العربي، سوف تكبح التهديدات الإيرانية المستمرة بإغلاق الملاحة بالخليج. ولكن ربما يؤدي إنشاء الصين لمحطة جمع المعلومات مجهزة بأحدث أجهزة التجسس والحرب الإلكترونية، حول ميناء «چابهار» المطل على خليج عمان، إلى نشوب مواجهة اليكترونية بين الولايات المتحدة والصين.
سادسًا: سوف تعزز من فرص التسويات السياسية بين إيران والسعودية، وبين إيران وتركيا. كما ستعزز علاقات إيران مع كل من باكستان وأفغانستان. خاصة أن استراتيجية الصين تجاه منطقة الشرق الأوسط، تقوم، حتى الآن على عدم التعامل بناء على إرث الصراع القديم بها، سواء كان بين العرب وإسرائيل أو بين العرب وإيران أو بين إيران وإسرائيل، فقد وقعت معهم جميعا اتفاقيات تعاون اقتصادي وشراكة استراتيجية، لتؤكد أنها ليست طرفا في صراع قديم، واتفاقها مع طرف لا يخضع إلا لشروط التعاون فقط.
سابعًا: أن اتفاقيات التعاون والشراكات الاستراتيجية التي أبرمتها الصين مع كل من إيران والسعودية والإمارات، وهي الدول المشاطئة للخليج العربي، تعني أنها تمتلك استراتيجية متوازنة لتعزيز وجودها بالمنطقة، ولديها عزم وإصرار على مقاسمة الولايات المتحدة أكثر مناطق نفوذها حساسية بالعالم. من المحتمل أن تطور شراكاتها مع الدول التي تمر عبرها مسارات مبادرة الحزام والطريق إلى نظام أمن جماعي في المستقبل؛ يضمن سلامة الأهداف المشتركة لجميع دول الحزام والطريق بما فيها إيران. ولكن من المحتمل ألا تتخلى الولايات المتحدة الأمريكية عن إيران ومنطقة الخليج العربية للصين.
ثامنًا: أن الاتفاقية زادت من فرص اكتساب إيران للعضوية الدائمة بمنظمة شنغهاي للتعاون. ومن المرجح أن تتخلى إيران عن مقولاتها المتعلقة بمساندة مستضعفي «الأويجور» بالصين؛ نظرا لأن المصلحة ستوجب ذلك.
تاسعًا: إذا نجح البلدان في تفعيل البنود الخاصة بتطوير البنية الصناعية والإنتاجية والبنية التحية الإيرانية؛ فسوف تتحول إيران إلى عملاق اقتصادي، بفضل امتلاكها ثروات هائلة من الطاقة والخامات الطبيعية.

 

الخاتمة
توصلت الدراسة إلى جملة من النتائج أهمها، ما يلي: –
  1. أن العلاقات السياسية بين إيران والصين خلال الفترة (1971–2021م) لم تتطور في خط تصاعدي ثابت، بل خضعت لمنطق التكيف مع البيئة الدولية، واتسمت بالبرجماتية والمرونة، مع بقاء سقفها السياسي دون مستوى التحالف الاستراتيجي، رغم التقدم النسبي الذي بلغته بتوقيع اتفاقية التعاون عام 2021م.
  2. أن العلاقات السياسية بين إيران والصين، خلال مدة الدراسة، لم تتشكل بوصفها امتدادًا طبيعيًا للإرث الحضاري والتاريخي بينهما، بل جاءت نتاجًا مباشرًا للتحولات البنيوية في النظام الدولي، ولا سيما توازنات الحرب الباردة وما أعقبها من إعادة توزيع لمراكز القوة العالمية. وقد مثّل عام 1971م نقطة انطلاق لهذه العلاقات في سياق دولي فرض عليهما تنويع خياراتهما الخارجية أكثر من كونه معبرًا عن تقارب استراتيجي
  3. أن العلاقات الإيرانية–الصينية اتسمت، في مختلف مراحلها، بطابع برجماتي، ظل محكومًا بحسابات المصالح الوطنية وحدود الحركة التي يفرضها النظام الدولي على الطرفين. فعلى الرغم من التحولات الجذرية التي شهدتها السياسة الخارجية الإيرانية عقب الثورة الإسلامية عام 1979م، لم تؤدِّ إلى قطيعة مع الصين، بل أسهمت في إعادة ضبط العلاقة ضمن إطار يقوم على الاستقلال السياسي وتعدد الشراكات، تزامنًا مع توجه الصين نحو الانفتاح والإصلاح وتوسيع حضورها الدولي.
  4. أن التحول البنيوي في النظام السياسي الإيراني عقب الثورة الإسلامية لم يؤدِّ إلى تدهور العلاقات مع الصين، بل أتاح إطارًا جديدًا للتقارب السياسي في ظل شعار «لا شرقية ولا غربية»، وتزامن ذلك مع تحوّل السياسة الخارجية الصينية نحو الانفتاح والإصلاح وتعدد الشراكات الدولية 
  5. لم يفضِ التواصل الرفيع بين البلدين إلى قيام تحالف سياسي استراتيجي بينهما، نتيجة حرص الصين على موازنة علاقاتها مع إيران من جهة، ومع القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين الآخرين من جهة أخرى. وقد شكّلت العقوبات الدولية المفروضة على إيران عاملًا ضاغطًا دفعها إلى تعميق توجهها شرقًا، إلا أن الاستجابة الصينية ظلت محكومة بالتزامات بكين الدولية ومصالحها الاقتصادية والسياسية الأوسع.
  6. أظهرت الدراسة أن كثافة زيارات الرؤساء الإيرانيين أسهمت في ترسيخ قنوات الاتصال وبناء الثقة السياسية، لكنها لم تنجح في تجاوز حدود التعاون البرجماتي، بسبب القيود الدولية وطبيعة السياسة الصينية الحذرة.
  7. أن تصاعد الضغوط والعقوبات الغربية على إيران، دفع طهران إلى التعويل على الصين، التي استفادت من ضعف الموقف الإيراني، مع التزامها بقرارات مجلس الأمن، مما حدّ من دعمها السياسي المقدم لإيران.
  8. أن اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل الموقعة عام 2021م تمثل ذروة المسار التراكمي للعلاقات السياسية بين البلدين، لا قطيعة مع مراحلها السابقة، إذ تؤسس لشراكة مرنة طويلة الأمد، دون أن تنقل العلاقة إلى مستوى التحالف الاستراتيجي الصلب. وعليه، يمكن القول إن العلاقات السياسية الإيرانية–الصينية خلال الفترة محل الدراسة ظلت علاقة تكيف وتوازن، تعكس قدرة الطرفين على إدارة المصالح المشتركة ضمن نظام دولي متغير، أكثر مما تعكس توجّهًا نحو اصطفاف سياسي دائم.
  9. أن الصين تتعامل مع إيران بوصفها عنصرًا مهمًا في استراتيجيتها الشرق أوسطية، دون الانحياز الكامل لها في صراعاتها الإقليمية، وهو ما يفسر توازن بكين في علاقاتها مع إيران ودول الخليج وإسرائيل في آنٍ واحد.

اترك تعليقا