الرئيسية » الدراسات » تأثير العدوان الإسرائيلي على النساء والفتيات في لبنان

تأثير العدوان الإسرائيلي على النساء والفتيات في لبنان

الكاتب:

ومن المعروف أيضا أن الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية المتكررة، فاقم هذا الوضع، بدءًا من عملية الليطاني عام 1978م ثم الاجتياح الواسع عام 1982م واحتلالها لجنوب لبنان حتى عام 2000م مرورًا بـ حرب يونيو 2006م. صولًا إلى التصعيد المتجدد منذ أكتوبر 2023م والذي تحول في سبتمبر 2024م، إلى حرب شاملة استمرت حتى أواخر العام ذاته عقب توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.
وخلال العدوان الذي بدأ في أكتوبر 2023م، قُتل أكثر من 4 آلاف لبناني وأصيب نحو 17 ألفًا آخرين وتدمير للبنية التحتية المدنية لمناطق متعددة، خاصة في الجنوب اللبناني. وبين الضحايا نسبة كبيرة من النساء والأطفال، ما يعكس الأثر غير المتناسب للنزاع على الفئات الأكثر هشاشة. وقد عاشت آلاف الأسر في ظروف إنسانية صعبة داخل مراكز إيواء مكتظة، أو لدى أقارب في ظل نقص الغذاء والرعاية الصحية والخدمات الأساسية.
ولا تزال مناطق حدودية متنازع عليها، من بينها مزارع شبعا والقرى السبع، تشهد توترات متكررة وقصفًا متقطعًا، وضع سكان الجنوب، وخاصة النساء، في حالة خوف وعدم استقرار دائمين. وفي ظل انهيار اقتصادي متفاقم منذ عام 2019م الي عام 2024م، أدى إلى فقدان العملة الوطنية أكثر من 98% من قيمتها وارتفاع معدلات الفقر، تتحمل النساء أعباء مضاعفة تشمل إعالة الأسرة، ورعاية الأطفال وكبار السن، والتعامل مع انقطاع الخدمات الأساسية.
وقد خلق التداخل بين الاحتلال والتصعيد العسكري والانقسام الطائفي البنيوي والانهيار الاقتصادي، بيئة إنسانية رخوة. وفي قلب هذه البيئة تقف النساء والفتيات بوصفهن الأكثر تأثرًا بتداعيات النزاع، سواء من خلال النزوح القسري، أو فقدان الأمان، أو التمييز القانوني، أو تصاعد العنف القائم على النوع الاجتماعي. ومن هنا، يهدف هذا التقرير إلى توثيق وتحليل هذه الانتهاكات من منظور إنساني حقوقي يركز على أثرها المباشر على حياة النساء وكرامتهن وحقوقهن الأساسية.
أولا: المركب السكاني والسياق البنيوي:
يتكون المجتمع اللبناني من مركب ديموغرافي اثني قوامه الأعراق والقوميات والمذاهب الدينية، مما يجعله واحدًا من أكثر المجتمعات تنوعًا في المنطقة العربية. ويُعد هذا التنوع عنصرًا أساسيًا في تشكيل النظام السياسي والاجتماعي، إذ يقوم النظام الدستوري على مبدأ المحاصصة وفق توازنات طائفية، لا وفق معايير المواطنة المتساوية، في توزيع السلطة والمناصب السياسية والإدارية العليا بين الطوائف.
ويشكل العرب الغالبية العظمى من السكان بنسبة تتجاوز 90%، غير أن الانتماء الطائفي يمثل المحدد الأبرز للبنية الاجتماعية والسياسية.إذ يشكل المسلمون ما بين 65% و67% من السكان، وينقسمون إلى شيعة وسنة. يتُدَّر نسبة الشيعة بنحو 31–32% ويتمركزون في الجنوب، لا سيما في النبطية وصور وبنت جبيل، وفي البقاع الشمالي مثل بعلبك والهرمل. إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت. أما السنة فيشكلون أيضا نسبة مماثلة، ويتمركزون في بيروت الغربية وطرابلس وعكار وصيدا والبقاع الغربي.
وتمثل نسبة المسيحيين ما بين 32% و35% ويتوزعون بين عدة طوائف، أبرزها الموارنة الذين يشكلون نحو 25% ويتمركزون في جبل لبنان، خاصة كسروان والمتن وزغرتا وبشري وجبيل، إضافة إلى حضورهم في بيروت. كما يوجد الروم الأرثوذكس بنسبة تقارب 8
، والروم الكاثوليك بنحو 5%، إضافة إلى الأرمن الذين يُقدَّر عددهم بنحو 150 إلى 200 ألف نسمة، ويتمركزون في برج حمود والمتن وبيروت.ويشكل الدروز نحو 5% من السكان، ويتمركزون في الشوف وعالية وراشيا. إضافة إلى 200 إلى حوالي 250 ألفا من اللاجئين الفلسطينيين الموزعين بالمخيمات. ومعهم حوالي مليون لاجئ سوري منذ عام 2011م، موزعين في منطق مختلفة؛ مما أدى إلى ضغط ديموغرافي واقتصادي متزايد ولا يقتصر أثر هذا التنوع على الجانب الثقافي والاجتماعي، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على مبدأ الحقوق والواجبات داخل الدولة. فالتعدد الطائفي يرتبط بوجود أنظمة قانونية دينية متعددة، خاصة في قضايا الأحوال الشخصية، تتفاوت فيه حقوق النساء تبعًا لانتمائهن الديني. كما أن تمركز بعض الطوائف في مناطق أكثر عرضة للنزاع أو أكثر هشاشة اقتصاديًا يخلق تفاوتًا إضافيًا في مستوى الحماية والأمان المتاح للنساء والفتيات.
وعليه، فإن المركب السكاني بلبنان ليس مجرد توصيف ديموغرافي، بل إطار بنيوي مؤثر في توزيع السلطة والموارد، ويحدد إلى حد كبير طبيعة الفرص والتحديات التي تواجه النساء في مختلف المناطق. وفي ظل التداخل بين الانقسام الطائفي والأزمات الاقتصادية، والتوترات الأمنية، يصبح فهم هذه البنية السكانية شرطًا أساسيًا لتحليل أوضاع النساء والفتيات في لبنان من منظور حقوقي شامل.
ثانيا: تأثير الحرب على النساء والفتيات:
منذ بدء العمليات العسكرية في جنوب لبنان في أكتوبر 2023م، دخلت لبنان مرحلة إنسانية معقدة تفاقمت في خريف 2024م، واستمرت تداعياتها طوال 2025م، وحتى فبراير 2026م، مع آثار غير متكافئة على النساء والفتيات. وتشير تقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن عدد الأشخاص الذين احتاجوا إلى مساعدات إنسانية خلال 2025م، تجاوز 3.7 مليون شخص داخل لبنان شكّلت النساء والفتيات نسبة تقارب 51% من إجمالي المتضررين والنازحين داخليًا خلال ذروة التصعيد
كما أظهرت بيانات النزوح الصادرة عن منظمة الهجرة الدولية في 2025م، أن ما يقارب 900,000 شخص تعرضوا لنزوح داخلي مؤقت أو متكرر، فيما ظل نحو 160,000 شخص غير قادرين على العودة الكاملة لديارهم حتى مطلع 2026م، بسبب الأضرار الواسعة في البنية التحتية والمخاطر الأمنية القائمة.
  • النزوح وتزايد الأعباء الاقتصادية على النساء: أدت الحرب إلى تعميق الأزمة الاقتصادية الذي يعاني أصلًا من انهيار مستمر منذ 2019م، إذ فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها بحلول أواخر 2025م، وارتفعت معدلات الفقر لتشمل نحو 80% من السكان وفق تقديرات البنك الدولي
وفي هذا السياق، بيّنت تقارير (UN Women) للتقييم متعدد القطاعات في ديسمبر 2025م، أن أكثر من 2.1 مليون امرأة وفتاة كنّ بحاجة مباشرة إلى دعم إنساني، وأن نسبة الأسر التي تعيلها نساء في المناطق الأكثر تضررًا تجاوزت 30% من إجمالي الأسر النازحة كما أظهرت البيانات أن 68% من الأسر التي ترأسها نساء تعتمد بصورة رئيسية على المساعدات الإنسانية، وأن 45% منها اضطرت إلى تقليص الوجبات الغذائية اليومية نتيجة الضغوط الاقتصادية
  • العنف القائم على النوع الاجتماعي: في سياقات النزاع الممتد، تتزايد مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي بصورة ملحوظة. فقد قدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقاريره الصادرة في 2025م، أن نحو 1.4 مليون امرأة وفتاة في لبنان يحتجن إلى خدمات الوقاية من العنف القائم على النوع الاجتماعي أو الاستجابة له
كما سجّلت الجهات الشريكة في برامج الحماية ارتفاعًا في طلبات الدعم المتعلق بالعنف الأسري بنسبة قاربت 30% مقارنة بمستويات ما قبل التصعيد (17) وأشارت تقارير (Gender Alert) الصادرة عن (UN Women) في 2025م، إلى أن مخاطر الاستغلال والتحرش والزواج المبكر ارتفعت في مراكز الإيواء والتجمعات المكتظة، خاصة في مناطق الجنوب والبقاع
  • الصحة الإنجابية والخدمات الصحية: بحلول فبراير 2025م، قدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان أن عدد النساء اللبنانيات في سن الإنجاب المتأثرات بالأزمة بلغ نحو 900,000 امرأة، من بينهن قرابة 45,000 امرأة حامل خلال العام. وأشارت تقارير منظمة الصحة العالمية خلال 2025م، إلى أن نحو 20% من المرافق الصحية في المناطق المتأثرة تعرضت لأضرار جزئية أو توقفت مؤقتًا عن العمل خلال التصعيد
كما أفادت البيانات بأن 35% من النساء الحوامل في بعض التجمعات النازحة لم يتمكنّ من الوصول المنتظم إلى خدمات الرعاية السابقة للولادة، وهو ما يزيد من مخاطر المضاعفات الصحية. ويضاف إلى ذلك التأثير الممتد على التعليم، حيث أظهرت تقارير اليونيسف في 2025م، أن أكثر من 180,000 طالبة تعرضن لانقطاع تعليمي مؤقت خلال ذروة النزوح، واستمر تأثير ذلك على ما يقارب 60,000 فتاة حتى العام الدراسي 2025–2026م.
  • النساء كفاعل في الصمود المجتمعي: رغم حدة الأزمة، لعبت النساء دورًا محوريًا في جهود الاستجابة المحلية خلال 2025م، حيث شاركت أكثر من 600 منظمة محلية، بينها منظمات نسوية، في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي وتنظيم توزيع المساعدات. كما ارتفعت نسبة مشاركة النساء في لجان الاستجابة المحلية بنسبة 18% مقارنة بعام 2023م، إلا أن تمثيلهن في آليات التنسيق الوطنية لم يتجاوز 20% حتى فبراير 2026م.
  • المخاطر المستقبلية: رغم إعلان وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024م، لا تزال الهشاشة قائمة حتى فبراير 2026م، إذ تشير تقديرات (OCHA) إلى أن نحو 1.5 مليون شخص يعيشون في مناطق ملوثة بمخلفات الحرب غير المنفجرة، ما يحدّ من العودة الآمنة ويؤثر بصورة خاصة على النساء اللواتي يتحملن مسؤوليات الرعاية والتنقل اليومي.
كما لم يتجاوز تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025م، نسبة 52% من إجمالي الاحتياجات المطلوبة، ما يهدد بتقليص برامج الحماية والدعم الموجهة للنساء والفتيات خلال 2026م
وعليه، فإن أي مقاربة مستقبلية لتحقيق الاستقرار في لبنان يجب أن تعتمد منظورًا جندريًا واضحًا، يضمن إدماج النساء في مسارات التعافي وإعادة الإعمار، وتوسيع نطاق الحماية القانونية والصحية والاقتصادية لهن باعتبارهن الفئة الأكثر تعرضًا لتداعيات النزاع الممتد.
ثالثا: الانتهاكات الإسرائيلية ضد النساء والفتيات:
منذ أكتوبر 2023م، دخلت المناطق الجنوبية من لبنان في دورة تصعيد عسكري اتسمت بتكرار الضربات واتساع نطاقها الجغرافي، ما انعكس بصورة مباشرة على المدنيين. وتشير البيانات الموثقة حتى أواخر نوفمبر 2024م إلى مقتل أكثر من 3,961 شخصًا، من بينهم 736 امرأة و248 طفلًا كما ارتفع إجمالي القتلى وفق تحديثات لاحقة إلى 4,047 قتيلًا، مع 16,638 جريحًا منذ بداية التصعيد
وعند تحليل هذه الأرقام من منظور جندري، يظهر لنا أن النساء كنّ ضمن الفئات المتأثرة بالهجمات، سواء داخل المنازل، أو أثناء محاولات النزوح. وحتى 25 نوفمبر 2024م، تم تسجيل 3,768 قتيلًا و15,699 جريحًا، إضافة إلى نزوح 899,725 شخصًا داخليًا ويعني ذلك أن حوالي مليون شخص—بينهم مئات الآلاف من النساء والفتيات—تعرضوا لاقتلاع قسري من بيئاتهم الأصلية خلال فترة قصيرة نسبيًا.
  • نمط الاستهداف واتساع دائرة الخطر: خلال سبتمبر 2024م، سُجل 1,030 قتيلًا، من بينهم 558 قتيلًا في يوم واحد هذه القفزات المفاجئة في أعداد الضحايا تعكس نمطًا من الضربات المكثفة التي تجعل المناطق السكنية عرضة لخطر متكرر، وتُحوّل الحياة اليومية للنساء إلى إدارة مستمرة لحالات الطوارئ. فالمرأة في هذا السياق لا تواجه فقط خطر الإصابة، بل تتحمل عبء حماية الأطفال وكبار السن في لحظات يصعب فيها اتخاذ قرارات آمنة. وفي بلدة يونين مثلا، أسفرت ضربات جوية بين سبتمبر ونوفمبر 2024م عن مقتل 33 مدنيًا، بينهم 15 طفلًا
ويشير هذا النوع من الحوادث إلى أن الضربات لم تكن محصورة في مناطق عسكرية بحتة، بل طالت تجمعات مدنية. الأثر الإنساني لهذه الوقائع لا يقف عند حدود الخسائر البشرية؛ بل يمتد إلى اضطرابات نفسية عميقة لدى الأمهات والفتيات اللواتي شهدن فقدان أفراد من أسرهن أو من محيطهن الاجتماعي.
  • استمرار سقوط ضحايا بعد الهدنة: لم تؤدِ التهدئة إلى إنهاء الخطر بشكل كامل. فقد تم توثيق مقتل 71 مدنيًا منذ وقف إطلاق النار، من بينهم 14 امرأة و9 أطفال، مع استمرار نزوح نحو 92,000 شخص كما تم الإبلاغ لاحقًا عن مقتل ما لا يقل عن 127 مدنيًا منذ الهدنة نتيجة ضربات متفرقة
وفي سبتمبر 2025م، قُتل خمسة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال في ضربة بطائرة مسيّرة وفي فبراير 2026م أُعلن عن مقتل أربعة أشخاص بينهم طفل في ضربتين إضافيتين استمرار هذه الحوادث بعد إعلان التهدئة يعكس هشاشة البيئة الأمنية، ويجعل النساء والفتيات يعشن في حالة “تعليق دائم” بين الحرب والسلم، حيث لا يمكن استعادة الإحساس الكامل بالأمان.
  • الخرق الجوي والضغط النفسي المزمن: إلى جانب الضربات المباشرة، تم تسجيل نحو 7,800 خرقًا جويًا وأكثر من 2,500 نشاط عسكري شمال الخط الأزرق خلال عام واحد هذا النمط المتكرر من التحليق والأنشطة العسكرية خلق بيئة تهديد مستمرة، حتى في الفترات التي لا تشهد قصفًا.
ويعني ذلك بالنسبة للنساء والفتيات العيش تحت صوت الطائرات المسيّرة والمقاتلات، وما يصاحبه من قلق واضطراب نوم وخوف دائم من ضربة مفاجئة. ويزداد هذا الأثر لدى الأمهات اللواتي يتحملن مسؤولية طمأنة الأطفال رغم شعورهن الشخصي بعدم الأمان.
  • استهداف الأعيان المدنية وتداعياته على النساء: شملت تداعيات الحرب تدمير منازل وأعيان مدنية، وهو ما أُثيرت بشأنه مخاوف من انتهاك قواعد حماية المدنيين. تدمير المنازل يضاعف أثر النزاع على النساء تحديدًا، إذ يتحول المنزل—الذي يمثل مركز الرعاية والأمان—إلى مساحة مهددة أو مدمرة.
كما أثيرت في فبراير 2026م مزاعم تتعلق برش مواد كيميائية قرب الحدود الجنوبية، مع تقارير عن مستويات مرتفعة في التحاليل الأولية وإذا ثبتت مثل هذه الوقائع، فإن أثرها الصحي والبيئي يمتد إلى النساء العاملات في الزراعة وإلى الفتيات في المجتمعات الريفية، حيث يرتبط الأمن الغذائي والصحة البيئية مباشرة بدور المرأة في إدارة الموارد المنزلية.
  • البعد الجندري للانتهاكات: رغم أن الإحصاءات تُعرض غالبًا بصورة إجمالية، فإن أثرها غير متساوٍ بين الجنسين. فالنساء اللواتي يفقدن أزواجهن يتحولن إلى معيلات رئيسيات في سياق اقتصادي هش، والفتيات اللواتي يفقدن أفرادًا من أسرهن يتعرضن لصدمات نفسية قد تؤثر على مسار تعليمهن وحياتهن الاجتماعية.
إن الجمع بين القتل المباشر، والنزوح الواسع، واستمرار الخروق العسكرية، واستهداف الأعيان المدنية، أنتج تجربة إنسانية مركبة للنساء والفتيات، تتجاوز اللحظة العسكرية إلى تأثيرات طويلة الأمد على الصحة النفسية، والاستقرار الأسري، وإمكانية التخطيط للمستقبل.
  • أثر الانتهاكات على التعافي وإعادة البناء: بحلول فبراير 2026م، ورغم تراجع حدة العمليات مقارنة بذروة 2024م، لا تزال البيئة الأمنية غير مستقرة. استمرار سقوط ضحايا مدنيين بعد الهدنة يُقوّض جهود التعافي ويؤخر عودة النازحين.
النساء في هذا السياق لا يواجهن فقط آثار الماضي، بل عبء الحاضر المستمر. فإعادة بناء المنازل لا تعني بالضرورة إعادة بناء الشعور بالأمان، وإعادة فتح المدارس لا تمحو أثر الخوف المتراكم. التعافي الحقيقي يتطلب ضمانات حماية فعلية، وآليات مساءلة، ودعمًا نفسيًا واجتماعيًا طويل الأمد للفئات الأكثر تضررًا.
رابعا: الإطار القانوني للمساءلة والالتزامات الدولية تجاه حماية النساء اللبنانيات
  • توصيف النزاع وانطباق القانون الدولي الإنساني: تندرج الأعمال العدائية المستمرة على الحدود الجنوبية للبنان منذ أكتوبر 2023م، ضمن نطاق نزاع مسلح يخضع لقواعد القانون الدولي الإنساني بما في ذلك اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م
وتؤكد هذه القواعد على حظر استهداف المدنيين والهجمات العشوائية أو غير المتناسبة. وقد أظهرت التقارير الدورية الصادرة عن مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة استمرار سقوط ضحايا مدنيين في المناطق الجنوبية نتيجة التصعيد العسكري المتبادل، مع تسجيل آلاف القتلى والجرحى منذ بدء التصعيد (38) كما وثّقت تقارير الأمين العام بشأن تنفيذ القرار 1701 استمرار الخروقات على طول الخط الأزرق، وما ترتب عليها من مخاطر مباشرة على المدنيين، بمن فيهم النساء
وفي ضوء مبدأ التناسب المنصوص عليه في المادة 51 من البروتوكول الإضافي الأول، فإن أي هجوم يُتوقع أن يُحدث أضرارًا مفرطة بالمدنيين مقارنة بالميزة العسكرية المرجوة قد يشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني.
  • النزوح القسري وتأثيره القانوني على حماية النساء: تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى تسجيل موجات نزوح واسعة من القرى الحدودية خلال فترات التصعيد في 2024–2025م وهو ما أكدته أيضًا منصات البيانات التابعة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين (42) ويؤدي النزوح القسري، في حال كان نتيجة مباشرة لهجمات غير مشروعة أو غير متناسبة، إلى إثارة مسؤولية قانونية بموجب أحكام اتفاقيات جنيف.
وفي السياق ذاته، وثّقت تقارير منظمة الصحة العالمية تضرر مرافق صحية وصعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات الطبية الطارئة في الجنوب اللبناني وهو ما يمس بشكل خاص النساء، لا سيما الحوامل والمصابات، ويثير مسألة احترام الالتزام بحماية الأعيان المدنية والمنشآت الطبية.
  • الحماية الخاصة للنساء في النزاعات المسلحة: يظل القانون الدولي لحقوق الإنسان واجب التطبيق بالتوازي مع القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (45)، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة
وأكدت لجنة (CEDAW) في توصيتها العامة رقم 30 على التزام الدول بضمان حماية النساء في سياقات النزاع ومنع تعرضهن لأشكال متعددة من العنف كما شدد قرار مجلس الأمن 1325 (2000م) على ضرورة اتخاذ تدابير خاصة لحماية النساء والفتيات من آثار النزاعات المسلحة وضمان مشاركتهن في عمليات صنع القرار
وفي ضوء البيانات الإنسانية الحديثة التي تشير إلى تزايد الاحتياجات المتعلقة بالحماية والدعم النفسي والاجتماعي للنساء في المناطق المتأثرة بالتصعيد، فإن الإخفاق في توفير تدابير وقائية فعالة قد يشكل إخلالًا بالالتزامات الدولية ذات الصلة.
  • الالتزامات الواجبة على المستوى الدولي والوطني: في ظل استمرار التوترات الأمنية، تبرز مجموعة من الالتزامات القانونية:
  • احترام وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701 وضمان حماية المدنيين في جنوب لبنان.
  • الامتناع عن أي أعمال عسكرية قد تؤدي إلى أضرار غير متناسبة بحق السكان المدنيين، وفقًا للبروتوكول الإضافي الأول.
  • مواءمة التشريعات الوطنية مع التزامات لبنان بموجب اتفاقية (CEDAW) لضمان حماية النساء من جميع أشكال التمييز والعنف
  • اتخاذ تدابير اقتصادية واجتماعية لحماية النساء المتضررات من النزاع، اتساقًا مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
  • المسؤولية الدولية والمساءلة: إذا ثبت أن بعض الهجمات أدت إلى خسائر مدنية مفرطة أو استهدفت مناطق مدنية دون ضرورة عسكرية واضحة، فقد يندرج ذلك ضمن الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف، وقد يشكل جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية
كما أن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية الموثق في تقارير الأمم المتحدة دون اتخاذ تدابير تصحيحية فعالة، يثير تساؤلات حول مدى احترام الالتزامات الدولية المتعلقة بحماية المدنيين، وخاصة النساء.
وهكذا، تكشف المعطيات الميدانية الممتدة من 2023م حتى فبراير 2026م أن النساء والفتيات في لبنان لم يكنّ مجرد متأثرات بالنزاع، بل كنّ في صلب تداعياته المركّبة. فالتصعيد العسكري في الجنوب، والانهيار الاقتصادي المتواصل، والتصدعات السياسية والطائفية، تداخلت جميعها لتُنتج واقعًا إنسانيًا معقدًا، تتضاعف فيه هشاشة النساء على المستويات الأمنية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية.
إن القراءة المتأنية للوقائع تُظهر أن الخطر لم يكن محصورًا في التهديد المباشر الناتج عن القصف أو النزوح، بل امتد ليشمل أنماطًا أعمق من التهميش البنيوي. ففي ظل غياب الاستقرار تتقلص فرص العمل وتُستنزف المدخرات وتضعف شبكات الحماية الاجتماعية، فتجد النساء أنفسهن في موقع الإعالة القسرية دون ضمانات قانونية أو اقتصادية كافية. هذا التحول القسري في الأدوار الاجتماعية يحدث غالبًا دون تمكين حقيقي، ما يجعل المسؤولية أكبر من القدرة، والعبء أثقل من الموارد المتاحة.
كما أظهرت المؤشرات الإنسانية أن بيئات النزوح ومراكز الإيواء المكتظة تخلق مساحات رمادية تتزايد فيها مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، والاستغلال، والزواج المبكر، لا سيما في ظل ضعف الرقابة المؤسسية وتراجع الخدمات. ولا يمكن فصل هذه الظواهر عن السياق الأوسع لانهيار البنية التحتية الصحية والاجتماعية، حيث يؤثر نقص الخدمات الأساسية—من الرعاية الصحية إلى الدعم النفسي—على النساء بصورة غير متناسبة، خصوصًا الحوامل، وربّات الأسر، والناجيات من العنف.
ومن منظور تحليلي، يمكن القول إن الأزمة اللبنانية لم تُنتج فقط معاناة ظرفية، بل أعادت تشكيل موقع النساء داخل المجتمع في سياق نزاعي طويل الأمد. فالتراكم الزمني للأزمات—من الانهيار المالي عام 2019م، إلى تداعيات انفجار مرفأ بيروت، ثم التصعيد العسكري بعد أكتوبر 2023م—خلق طبقات متداخلة من الهشاشة. وهذا التراكم يجعل أي معالجة جزئية غير كافية، إذ إن جذور المشكلة تتجاوز الحدث الأمني المباشر إلى بنية قانونية واقتصادية واجتماعية تحتاج إلى مراجعة شاملة.
ويبين التحليل الإنساني أن النساء كنّ فاعلات في الاستجابة المجتمعية؛ فشاركن في جهود الإغاثة المحلية ودعمن شبكات التضامن الأسري وأسهمن في الحفاظ على تماسك المجتمعي في المناطق المتضررة. غير أن هذا الدور لا يُقابل عادة باعتراف سياسي أو إدماج حقيقي في مسارات صنع القرار أو مفاوضات التهدئة، ما يعكس فجوة مستمرة بين الخطاب الدولي حول “النساء والسلام والأمن” وبين التطبيق العملي على الأرض. ومن ناحية أخرى، إن استمرار النزاع دون معالجة جذوره، واستمرار الانهيار الاقتصادي دون إصلاحات عادلة، يعني عمليًا إدامة دورة الهشاشة التي تقع النساء في قلبها. ومن ثم، فإن أي مقاربة إنسانية أو قانونية لا بد أن تنطلق من فهم تراكمي للأزمة، يعترف بتعدد أبعادها ويضع النساء ليس فقط كمستفيدات من الحماية، بل كشريكات في صياغة الحلول.
وفي الختام، يمكن القول إن مسار السنوات الأخيرة أظهر بوضوح أن قضية النساء في لبنان لم تعد قضية قطاعية يمكن التعامل معها عبر تدخلات محدودة أو برامج قصيرة الأمد، بل أصبحت مؤشرًا كاشفًا لمدى تماسك الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات بعدالة. فحين تتراجع الحماية القانونية، وتضعف الخدمات العامة، ويتفاقم الاستقطاب السياسي، تكون النساء أول من يدفع الثمن وأطول من يتحمل تبعاته. ومن هنا، فإن تحسين أوضاع النساء ليس ملفًا منفصلًا عن الإصلاح الوطني، بل هو جزء جوهري منه.
وأن التجربة اللبنانية تؤكد أن النزاعات الممتدة لا تُحدث فقط دمارًا ماديًا، بل تُعيد ترتيب العلاقات الاجتماعية وتُعمّق الفجوات القائمة أصلًا. وإذا لم تُرافق مرحلة التهدئة—كلما حدثت—بإصلاحات قانونية شجاعة، تشمل مراجعة قوانين الأحوال الشخصية، وتعزيز استقلال القضاء، وتوسيع مظلة الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي، فإن المجتمع سيظل يدور في حلقة من الاستجابة للأزمات بدل منعها. الإصلاح هنا ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وقائية تحول دون إعادة إنتاج الهشاشة.
وأن إدماج النساء في دوائر صنع القرار—على المستويين المحلي والوطني—لا ينبغي أن يظل التزامًا شكليًا أو استجابة رمزية للمعايير الدولية. إن المشاركة الحقيقية تعني تمكين النساء من التأثير في السياسات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، خصوصًا تلك المرتبطة بإدارة النزاع، وإعادة الإعمار، وتوزيع الموارد. فالتجارب المقارنة تُظهر أن المجتمعات التي تُشرك النساء في عمليات السلام والتخطيط الاقتصادي تكون أكثر قدرة على بناء استقرار طويل الأمد.
ولا يقل أهمية عن ذلك الاستثمار في الصحة النفسية والدعم المجتمعي طويل الأجل. فالآثار غير المرئية للنزاع—كالقلق المزمن، وفقدان الشعور بالأمان، وانكسار الروابط الاجتماعية—تحتاج إلى استجابات مؤسسية مستدامة، لا تقتصر على الإغاثة الفورية. إن التعافي الحقيقي يبدأ حين تشعر النساء بأن لهن مكانًا آمنًا في الحاضر، وأفقًا قابلًا للتخطيط في المستقبل.
وعليه، فإن حماية النساء في لبنان يمثل رهانًا على مستقبل الدولة ذاتها. فكلما توسعت مساحات العدالة والمساواة، تعززت فرص الاستقرار؛ وكلما أُهملت قضاياهن تعمّق الخل الذي يهدد السلم الاجتماعي

اترك تعليقا