الرئيسية » الدراسات » سوسيولوجية السياسة الخارجية الإيرانية

سوسيولوجية السياسة الخارجية الإيرانية

الكاتب:

وفي هذا الإطار، عبرت أفكار الدكتور «مُحمد مُصدق» رئيس وزراء إيران (1952م-1953م) عن إيمانه العميق بالرغبة في التحرر من هيمنة الاحتكار الأجنبي على ثروات بلاده، والقضاء على مشكلاتها العرقية والاجتماعية والمذهبية، وبناء مجتمع ديمقراطي حديث. فاستقطب تيار الجبهة الوطنية إلى جانبه الحركة التمامية الإسلامية إضافة إلى جزب توده، وبعد أكثر من ربع قرن من سقوط حكومته، التقت ذات التيارات السياسية؛ لإنهاء عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وصياغة قواعد جديدة لعلاقات القوة، بناء على مفهوم خاص للتوازن الدولي في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وقد وجدت أفكار هذا الطريق الخاص صدى لدى بعض شعوب العالم الثالث التي كانت تكافح في سبيل التخلص من هيمنة الأيديولوجيات العالمية، وتحقيق التحديث استنادًا إلى إرثها الثقافي والروحي، ضمن إطار تعزيز التقاليد. وهذا ما يمثل في حد ذاته ديالكتيكية اجتماعية، تختلف عما هو موجود في البلدان الصناعية الرأسمالية المتقدمة.
وقد صرح آية الله خميني (1979م-1989م) بقوله: «إن إيران تريد نشر نفوذ الإسلام في العالم» على حد تعبيره ثم أضاف مؤكداً إن طهران: «لا تجبن أمام اتهامها بالتوسعية، وبأنها تحلم بإقامة امبراطورية إسلامية كبرى» وانطلاقا من هذه المبادئ، حدد خميني ثلاثة أهداف أساسية لجمهورية إيران، تتمثل بـ: القضاء على الصهيونية، والرأسمالية والشيوعية في العالم.
وعلى كل، سوف تُعنى هذه الدراسة بالتحليل النفسي للعقل الإيراني في مجال العلاقات الخارجية، عبر دراسة الأيديولوجية الدينية-السياسية ولتصوراتها المفترضة، حيال بناء نظام دولي إسلامي. اعتمادًا على آراء بعض الشخصيات الإيرانية الرسمية وشبه الرسمية، وانطباعات وبحوث وأفكار بعض المتخصصين بالشؤون الإيرانية من بلدان الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية وكندا إضافة لروسيا الاتحادية.
كما ستحاول اعتماد أهم الأفكار كفرضيات أولية للإجابة على تساؤل محوري مفاده: ما جوهر السياسة الخارجية الإيرانية؟ وكيف يمكن للدين الإسلامي أن يكون أيديولوجية قابلة للتطبيق في السياسة الخارجية؟
ونعتقد، أن الإجابة عن هذا التساؤل ممكنة عبر عرض وتحليل معطيات الموضوع وفق الاتي: دراسة جيوستراتيجية السياسة الخارجية الإيرانية؛ عرض مبادئ الاستقلال والوحدة الناجزة؛ تحليل الفلسفة الإسلامية-القومية، والأيديولوجية الدينية-الكونية. ثم أخيرا، تحليل ثوابت ومتغيرات هذه السياسة

 

أولا: جيوستراتيجية سياسة إيران الخارجية:
حدد محمد رضا شاه بهلوي مفهوم سياسة إيران الخارجية، منذ عام 1963م، بقوله: سوف تبقى سياسة إيران الخارجية كما كانت دائما، لأنها بنيت للدفاع عن المصالح الخاصة لبلدنا. وفلسفتنا السياسية هي: التفاهم مع البلدان الغربية، وهذا لن يتغير لكن هذا الموقف لا يمنعنا من رؤية 2500 كم من الحدود المشتركة مع الاتحاد السوفييتي، لذا فنحن نرتب البيت بسلام وحسن جوار، وبصداقة مع السوفييت دونما تخلي عن مبادئنا السياسية
ومن ثم استندت سياسة إيران الخارجية في عهده على استراتيجية تضمنت أربعة مفاهيم للقوة:
  • التحالف مع الغرب للحصول على العلوم والتكنولوجيا.
  • موازنة الخوف من الماركسية، بإرساء علاقات طبيعية ومتكاملة مع الاتحاد السوفييتي.
  • جعل إيران بلداً مسلماً بالمعنى الديني للكلمة وليس بالمعنى السياسي؛ خوفًا من الإسلام السياسي 
  • جعل إيران القوة المهيمنة في الخليج العربي والشرق الأوسط والمحيط الهندي.
بناء عليه، تطور تعاون إيران العسكري والتكنولوجي مع الدول الغربية الصناعية الرأسمالية، وبدرجة أقل مع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية. فقد بلغت نسبة التعاون الاقتصادي والاستثمار الأجنبي بين إيران واليابان، فيما بين عامي 1973-1976م، 47%، بينما بلغت مع الولايات المتحدة 20%، وألمانيا الغربية 15%، وفرنسا 5%. أما الاتحاد السوفييتي فقد انتهج دبلوماسية هادئة معها، بعد زيارة الزعيم «ليونيد برجينيف» (Leonid Brezhnev) لطهران عام 1963م، إذ قامت الشركات السوفييتية ببناء مجمع الحديد والصلب في أصفهان وبوشر، ومد أنبوب الغاز الذي بدأ بتجهيزه بـ 9.3 مليار م‎3 عام 1976م بينما استوردت إيران معدات عسكرية غير استراتيجية. وحاول الشاه عبر تنمية العلاقات الاقتصادية والسياسية الإيرانية-السوفييتية، إضفاء طابع الاستقلال القومي على سياسته الدولية، لكي يتمكن من تطبيق استراتيجيته للهيمنة الإقليمية.
لقد تميزت سياسة إيران الخارجية، المحكومة بظروف الموقع، بالتنوع والتوسع لضمان الأمن الإقليمي، واستقرار دول منطقة الخليج والشرق الأوسط في مواجهة استراتيجية الاحتواء السوفييتية أدت هذه الفلسفة لتكوين منظومة من التحالفات الاقليمية السياسية والاقتصادية والعسكرية، جعلت من إيران نقطة مركزية في محورين: الأول يمثل أنقرة-طهران-إسلام آباد، تبلور في قيام «حلف بغداد» أو «سنتو» منظمة المعاهدة المركزية(C.E.N.T.O) (Central Treaty Organization) عام 1955م، ثم بمنظمة «التعاون الإقليمي للتنمية» (R.C.D) عام 1964م، التي فشلت أيضًا في وقف توسع النفوذ السوفييتي، بعد أن وطد علاقاته مع مصر والعراق وسوريا واليمن الجنوبي. بينما تمثل الآخر في محور القاهرة-الرياض-طهران الذي تشكل في عهد الرئيس محمد أنور السادات.
وبعد قيام الثورة الإسلامية، عام 1979م، حصل تطور راديكالي في سياسة إيران الخارجية، عندما أدانت سياسة الهيمنة والتوسع، وانسحبت من الاحلاف، وأعلنت حل منظمة المعاهدة المركزية وبدأت تبحث عن إرساء علاقات متوازنة مع دول الجوار الإقليمي وأعلنت وزارة الخارجية عن الايمان بمبادئ الاستقلال وفلسفة حركة عدم الانحياز في العلاقات الدولية

 

ثانيا: مبادئ الاستقلال والوحدة الوطنية:
يفترض ابتداءً، التمييز بين ثلاثة مراحل مهمة في تاريخ الثورة الإيرانية، الأولى: إسلامية ليبرالية، بدأت في 1 فبراير 1979م، حتى استقالة المهندس «مهدي بازركان» رئيس الحكومة الانتقالية المؤقتة، عقب اقتحام مقر السفارة الأمريكية بطهران في 4 نوفمبر 1979م، الثانية: إسلامية اشتراكية، تبدأ منذ احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية وتستمر لحين تصفية حزب توده الشيوعي عام 1984م، حيث بدأت المرحلة الثالثة: الشمولية الاستبدادية الإسلامية، التي تميزت بالتطرف المذهبي واحتكار الفقهاء المطلق للسلطة.
وخلال المرحلة الأولى، ذات الطابع الليبرالي، تعايشت القوى الليبرالية واليسارية والاسلامية التي تشاركت في الثورة، ومن ثم شهدت السياسة الخارجية تحولاً مهماً، عندما تخلت إيران عن استراتيجية التحالفات التقليدية: إذ لم تعد هي القوة المسؤولة عن أمن الخليج العربي، ولا الحليف الاستراتيجي للدول الأوربية والولايات المتحدة، بل أصبحت هي الدولة المنتمية لحركة عدم الانحياز والمؤمنة بمبادئ الاستقلال.
من ثم، كانت سياسة إيران الجديدة، تقوم وفق تصور كريم سنجابي وزير الخارجية، على أربعة دعائم: التاريخ؛ الموقع الجغرافي؛ ومُثل الإسلام الروحية والإنسانية، ومبدأ المعاملة بالمثل في العلاقات مع الدول الأخرى. بعد أن تحملت إيران، عبر التاريخ النفوذ الإمبريالي الروسي والبريطاني، ثم هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية، لهذا يؤكد كريم سنجابي: “إننا نريد اقتلاع بقايا الإمبريالية من بلادنا، سواء جاءت من الشمال أم من الجنوب، من الشرق أم من الغرب”
كانت لإيران حدوداً طويلة مشتركة مع الاتحاد السوفييتي الذي ترك عبر التاريخ أطيب الذكريات وأسوئها، حسب اعتقاد كريم سنجابي، مع ذلك شدد على أهمية بناء علاقات ودية معه، ورفض تحويل إيران إلى قاعدة للاعتداء، أو للدعاية المضادة له. ولكنه حذر أيضا من أطماعه في إيران، بقوله: «لن نسمح بتكرار مطالب مزعجة، على غرار المتعلقة بالحقوق والامتيازات البترولية، أو الإعلان عن قيام جمهوريات تتمتع بالاستقلال الذاتي تحت حمايته، نحن سندافع بأي ثمن عن استقلال إيران وسلامة ووحدة أراضيها»
لذا لن تتساهل إيران، في تطبيق مبدأ «المعاملة بالمثل» مع القوى الكبرى والدول المجاورة. وتطبيقاً لهذا، أعلن كريم سنجابي عن: رفض «جميع الاتفاقيات والعقود التي لا تبنى على المساواة وعلى احترام المصالح المتبادلة» وعلى سبيل المثال: «فان العلاقات مع الولايات المتحدة التي بنيت على معاهدات غير متكافئة، يفترض إعادة النظر بها
ضمن هذا الإطار، يمكن تفسير خروج إيران من منظمة المعاهدة المركزية مع بقائها في منظمة التعاون الإقليمي للتنمية (R.C.D) لاعتقادها بأهمية التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي مع تركيا وباكستان والعمل على توفير الأجواء السياسية لانضمام أفغانستان والهند والعراق لتطوير فاعلية هذه المنظمة.
لقد اعتبرت الدول الأوربية الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، بعد الاحتلال السوفييتي لأفغانستان عام 1979م، أن الإسلام حليف استراتيجي موضوعي في مجابهة الالحاد الشيوعي والنظرية الماركسية-اللينينية، لكنه اكتشف في الثورة الإيرانية، كما يبين «سيمون جارجي» (Simon Jargy) وجها آخر من الإسلام المضطهد الذي يُحمل الامبريالية الامريكية المسؤولية الأساسية في استلابه واذلاله، فهو إسلام مبني على اعتبار كل سلطة زمنية على أرض الإسلام غير شرعية؛ لذا يجب اللجوء إلى المقاومة السلمية داخلياً، والتي تتحول عند توفر الشروط إلى هجوم شعبي وثورة مسلحة لإحلال السلطة الدينية
ويمثل رفض الجمهورية الإسلامية، الخضوع للإمبريالية الالتزام السياسي بمبادئ الاستقلال التي تدفع إيران لرفض التبعية للاستراتيجيات الدولية، التي لا تتناسب مع إمكانياتها وقدراتها، سواء في الخليج العربي، أو في المحيط الهندي والقرن الإفريقي. ولإيمانها بأهمية التشاور والحوار مع الدول المجاورة، حذرت طهران من خطورة استبدال التعاون بالتهديد العسكري.
وبعد استقالة كريم سنجابي لم تطرأ تحولات عميقة على الاتجاهات الرئيسية للدبلوماسية الإيرانية، لكن السنوات اللاحقة شهدت تغيرات دراماتيكية في مجال السياسة الخارجية وفي مقدمتها اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية وتعقيداتها الإقليمية والدولية التي لاتزال تنعكس بآثار سلبية على العلاقات والأمن الإقليمي في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

 

ثالثا: الأيديولوجية الإسلامية الأممية:
تستند الأيديولوجية الدينية الأممية لإيران، تسند إلى الاعتقاد بأنها مؤهلة لتكريس جهودها وزعامتها، لتحقيق هدفها الاستراتيجي في بناء نظام دولي إسلامي. ويجسد الإمام خميني مفهومه للدور الإيراني عندما طرح فكرة: «أن الإسلام مسؤولية مقدسة من الله لأنفسنا، ويجب أن ينمو بقوة وثبات حتى يُكرم الإسلام بشموله للعالم» أي يعد الدور القيادي لإيران بمثابة واجب وتكليف سماوي، «فالحكومة الإيرانية في الظرف الراهن، هي النموذج الوحيد الذي لا يماثله أي نظام في بلدان العالم الثالث» كما اعتقد أن الفقه يحتل: «موقع السيادة في الدولة ومنه تُستمد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وشرعيتها، أي: من سيادة دين الله»
ومن ثم تميز تصدير النموذج الإيراني بالشمولية والكونية والشعبوية أكثر من كونها أفكار وأيديولوجية إسلامية، فتم نشر هذا النموذج من خلال البعثات الدعوية المكلفة بنشر المبادئ الشيعية في المجتمعات العربية والافريقية والآسيوية. وفي هذا السياق، شدد آية الله خميني في حديثه لسفراء إيران في العالم على وجوب عدم استخدام السيف لتصدير الأيديولوجية الإسلامية لاعتقاده: بان تصدير الأفكار بالقوة لا يُعد تصديراً، يُمكننا تصدير الإسلام فقط عندما نساعد الإسلام والنظم الإسلامية على النمو في هذه البلدان. هذه هي مسؤوليتكم وهذا هو واجبكم الذي يفترض أن تنجزوه، فيجب الترويج لهذه الفكرة اعتماد على نهج يقود الدعاية للإسلام من خلال المطبوعات والصحف والصور عن الجمهورية الإسلامية، هذه الحملات هي التي تؤدي لنشر الإسلام على الصعيد الدولي.
فالاعتقاد الديني الأممي والرؤية الإسلامية للعالم، يُمثل خلاصة الأيديولوجية الإيرانية لإعادة بناء الأمة الإسلامية واعتبار إيران محورها المركزي، وترتكز هذه الأيديولوجية نظرياً وعملياً على مجموعة المبادئ الآتية:
  • الإسلام ظاهرة سياسية، لذا يجب تكوين الحكومة الإسلامية بما يتطابق مع نموذج النبي محمد والإمام علي، أي الممتدة من إندونيسيا إلى المغرب العربي. إضافة للجمهوريات الإسلامية بآسيا الوسطى والمناطق الإسلامية في البانيا ويوغسلافيا.
  • الثورة الإسلامية، يجب أن تكون شاملة لكي تؤسس الدولة الإسلامية بناء على الأحكام الإلهية، حيث تتجسد في رئيس الجمهورية المصالح القومية، اما الأمة الإسلامية فيجسدها الإمام، لذا يفترض العمل لبناء هذا النموذج للدولة في جميع البلدان الإسلامية. 
بناء على ما تقدم، يجب إزالة جميع النظم المُنحلة التي تقود البلدان العربية والإسلامية وإحلال نظم إسلامية فاضلة تكتمل بظهور الإمام المهدي الذي يقيم حكومة الله العالمية، وعندما ينجز هذا الهدف، سيكون من الممكن تحقيق الانتصار على الغرب الرأسمالي والعالم الشيوعي، وعندها تعود القدس واحدة من المدن الإسلامية المقدسة

 

رابعا: جدلية الترابط بين الإسلام والقومية:
من الثوابت الجيوستراتيجية لمكونات إيران الحديثة، التفاعل والتداخل بين القومية والدين، الذي تبلور بعد إعلان الجمهورية في أيديولوجية دينية شمولية كونية، تتوجه نحو الشعوب الإسلامية، ونحو جميع المستضعفين حيث تُطرح كواحدة من الأيديولوجيات التحررية في العالم الثالث. ويعتقد الإمام خميني، أن مفهوم الدولة القومية (الوطنية) منقوص فلسفياً، لأنه من صنع العقل البشري القاصر، كما يؤمن بان النظام الدولي المعاصر هو نظام جائر، بسبب تقسيمه للعالم إلى أقوياء وضعفاء. ولكن عملياً، لم تتمكن الأيديولوجية الإسلامية الإيرانية من تحقيق نجاحات مهمة على الصعيد الإقليمي أو الدولي؛ بفعل الطبيعة الراديكالية للسياسة الخارجية الإيرانية
  • المعارضة لفلسفة القومية العربية لتناقضها مع الأممية الإسلامية.
  • المعارضة للسياسة السوفييتية التوسعية وللأيديولوجية الماركسية الملحدة.
  • المعارضة للإمبريالية الغربية وللأممية المسيحية.
ولعل هذا ما أكد الطبيعة المتطرفة للجمهورية الإسلامية الثيوقراطية ودفعها للتعارض مع الفلسفات والنظريات المختلفة للنظم السياسية المعاصرة، وللتناقض مع قواعد القانون الدولي والمجتمع الدولي، مما يعني: رفض الإيمان بمبادئ التعايش السلمي والوفاق بين الدول على اختلاف أنظمتها السياسية والثقافية والاقتصادية، وهو ما يتناقض مع مبادئ واهداف حركة عدم الانحياز للعمل المشترك من أجل بناء السلم والأمن والتعاون الدولي.
إن التأثير الأيديولوجي على السياسة الخارجية في أي دولة يقدم تحدياً فكرياً منهجياً صعباً. لذا يرى «روح الله رمضاني» أن السياسة الخارجية في بلد مثل إيران، تعاني عملياً من صعوبات تطبيقية بفعل مثالية الأيديولوجية الدينية. ومن ثم التمييز بين ظاهرتين، الأولى: شمول السياسة الرسمية على دلالتين، دينية وزمنية، مما يؤدي للغموض والارتباك ويجعل من الصعوبة التكهن بطبيعة القرارات والتصريحات أو لتحديد الاتجاهات المتعلقة بفعاليات الدبلوماسية الإيرانية. الأخرى: الازدواجية بين السياسة الرسمية والشعبية، التي أدت للتداخل والفوضى في مجال الإدارة.
وهذا ما دفع المهندس «مير حسين موسوي» رئيس الوزراء، لوصف وزارة الخارجية، بانها: «غير منظمة، تبدو كوحدات مختلفة تعمل بغير انسجام» ولهذا فإنه اقترح تأسيس وحدة للتنسيق والتنظيم داخل هذه الوزارة، لبناء العلاقة بين الوزارة والبعثات الدبلوماسية الإيرانية. كما اقترح تأسيس هيئة لتحديد: «قاعدة للسياسة الخارجية» بناء على المفهوم الأيديولوجي ومبادئ الحكومة الدينية”
ومن ثم، يمكن تأشير ثلاثة اتجاهات في علاقات إيران الخارجية: إعطاء أولوية خاصة للدول الإسلامية؛ ثم لدول العالم الثالث؛ والدول الأخرى. وضمن نفس الإطار قسم «علي خامنئي» المرشد الأعلى السابق، دول العالم إلى مجاميع: الأخوة؛ الأصدقاء؛ المحايدين؛ ثم الأعداء. ويقصد بالأعداء، الحكومات التي تشن عدواناً على إيران أو التي تتبنى موقفاً سياسياً معادياً لإيران كما يمكن استخلاص العناصر الأساسية للسياسة الخارجية للجمهورية الإيرانية، من خلال تحليل مضامين الأيديولوجية الثيوفراطية في
  • رفض التبعية سواء للغرب أو للشرق.
  • معاداة الإمبريالية.
  • تمييز الولايات المتحدة الأمريكية كعدو أساسي.
  • الكفاح ضد القوى الكبرى وإسرائيل.
  • تحرير القدس ومناوئة الدول الصديقة لإسرائيل.
  • توثيق العلاقات مع الشعوب المضطهدة ودعمها، خصوصاً في البلدان الإسلامية.
ويجسد شعار «لا شرقية ولا غربية» مفهوماً أيديولوجياً لاعتماد الإسلام كطريق ثالث بين الماركسية والليبرالية، لمعارضة التواطؤ بين القوى الدولية الكبرى، الذي قسم العالم إلى مناطق للنفوذ، كما جزأت سابقاً الاتفاقيات الروسية-البريطانية، إيران إلى منطقتي نفوذ عند نشوب كل حرب عالمية بناء عليه، يفترض تأسيس نظام دولي جديد قائم على استقلال إيران عن كلتا الكتلتين واعتماد الإسلام كأيديولوجية وكطريق خاص لتنظيم الحياة والعلاقات بين الدول.
يُعد تحليل العلاقة بين المضامين الفلسفية لسياسة إيران الخارجية وتطبيقاتها للتعبير عن الأيديولوجية الإسلامية، عملية صعبة، سواء عبر معاينة التطبيقات الفعلية لاستراتيجية العلاقات الدولية لإيران، أم عبر تحليل تصريحات أقطاب نظامها الإسلامي. وذلك لسببين، الأول الطبيعة المتقلبة والمتناقضة في مكونات الوقائع السياسية. والآخر: أن القرارات والالتزامات المُحددة للاستراتيجية السياسية يفترض أن تعبر عن جوهر الأيديولوجية الإسلامية الثيوقراطية في فلسفة الإمام خميني.
لكن الواقع التطبيقي أكثر تعقيداً، فمبدأ لا شرقية ولا غربية، يعكس ظاهرياً هذه الفلسفة أما مضمونه الداخلي فيعكس رفض تاريخ كامل من الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية على إيران. وهذا يبين أسباب التداخل والتناقض، بين ما هو أيديولوجي عقائدي وما هو ظرفي مرحلي وتطبيقي، في سياستها الخارجية. وبعبارة أخر، يتضمن العامل المؤثر في صنع السياسة الخارجية معنى مزدوجاً: أيديولوجية ثيوقراطية مثالية، غير واقعية، تتقاطع مع برجماتية أممية شمولية، حيث يتولد ويتبلور دياليكتيك السياسة الخارجية الإيرانية، أي التناقض والتفاعل بين ما هو ديني، روحي وسببي، وبين ما هو دولي، مادي وواقعي، يتعلق بالمصالح المشركة لإيران الإقليمية والدولية.
ولقد أدت الفلسفة السياسية الثيوقراطية، والتطرف الديني والمذهبي، عملياً، إلى إثارة أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران، عندما اقتحم الطلاب الإسلاميين، لاعتبارات أيديولوجية، هذه السفارة؛ دعما للثورة الإيرانية واحتجزوا 52 أميركياً من العاملين في السفارة كرهائن في 4 نوفمبر 1979م، لمدة 444 يوم، وبعد فشل محاولات الولايات المتحدة للتفاوض على إطلاق سراحهم نفذت عملية عسكرية لإنقاذهم، في 24 أبريل 1980م، ولكنها فشلت وأدت إلى تدمير طائرتين ومقتل ثمانية جنود أمريكيين.
وانتهت الأزمة، لأسباب سياسية واقتصادية خالصة، بالتوقيع على اتفاق الجزائر في يوم 19 يناير 1981م، وأفرج عن الرهائن في اليوم التالي، بعد دقائق من أداء الرئيس الأمريكي الجديد «رونالد ريجان» (Ronald Reagan) اليمين الدستورية. ووصفت الأزمة بأنها حادثة محورية في تاريخ العلاقات الإيرانية الأمريكية. إذ كانت عاملاً في هزيمة الرئيس «جيمي كارتر» (Jimmy Carter) في الانتخابات الرئاسية. كما عززت الأزمة من وضع الإمام خميني في إيران، وكانت أيضا بداية لفرض عقوبات اقتصادية أمريكية ودولية على إيران.
وفي إطار المصلحة السياسية المُجردة، وقفت إيران ضد الانتفاضة الإسلامية التي اندلعت ضد الرئيس حافظ الأسد في حماة السورية عام 1982م، والتي نجحت السلطات السورية في إخمادها بقوة عسكرية وأمنية كبيرة، بعد أن فرضت حصارًا على المدينة وتصفية ما يزيد عن 30,000 مدنيّ حسب تقديرات منظّمات حقوق الإنسان. كما استخدمت إيران في علاقاتها السياسية مع المنظمات الإسلامية المناهضة للاحتلال السوفييتي في أفغانستان سياسات متباينة، تنسجم مع المصالح والعلاقات الاستراتيجية مع موسكو وتتناقض مع الأيديولوجية الإسلامية للجمهورية الإيرانية المساندة للشعوب الإسلامية والمناهضة لسياسات الهيمنة الإمبريالية للقوى الكبرى.
نلاحظ، أن إيران تشن حملات سياسية أيديولوجية معادية «للشيطان الأكبر» لكنها في نفس الوقت تقوم وبدافع المصلحة الاقتصادية والعسكرية ببيع النفط للولايات المتحدة ودول أوربا الغربية لشراء الأسلحة من الاتحاد السوفييتي وكوريا الشمالية والصين، بجانب صفقاتها السرية للتسلح مع واشنطن وإسرائيل، فقضية إيران كونترا التي عقدت بموجبها إدارة الرئيس رونالد ريجان اتفاقاً مع إيران لتزويدها بالأسلحة، بسبب حاجتها الماسة لأنواع متطورة منها أثناء الحرب مع العراق، وقضت الصفقة ببيع إيران حوالي 3,000 صاروخ «تاو» (TOW ) المضادة للدروع، و18 صاروخ «هوك» (Hawk) أرض جو المضاد للطائرات، مع الأدوات الاحتياطية لـ 240 صاروخ هوك، والتي نُقلت من إسرائيل إلى إيران، على متن طائرة (DC-8) بدءا من 20 أغسطس 1985م، حتى 17 فبراير 1986م، مقابل إخلاء سبيل خمسة أمريكيين محتجزين بلبنان.
ومن الجدير بالذكر، أن الولايات المتحدة شهدت عام 1985م، خلال ولاية ريجان، تحديات دبلوماسية وعسكرية كبيرة في الشرق الأوسط وأميركا الوسطى. وكان ريغان ومدير المخابرات الأمريكية (C.I.A) وقتها «ويليام كيسي» (Casey Williams) معروفين بسياساتهما المتشددة، المناوئة لموسكو والشيوعية. وكانت إيران-كونترا عبارة عن مخطط سري تعتزم إدارة ريجان بمقتضاه بيع أسلحة لدولة عدوة هي إيران، واستعمال أموال الصفقة لتمويل حركات الكونترا الثورية المناوئة للنظام الشيوعي في نيكاراغوا.
البرجماتية السياسية الإيرانية ذات طبيعة تضليلية، إذ يبدو التناقض واضحاً بين المثالية الأيديولوجية، للحديث عن مواجهة ومعاداة الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر، والادعاء بدعم الشعوب المضطهدة والمظلومة في العالم الثالث، وبين الواقع الذي فرضته المصالح الاقتصادية والسياسية الإيرانية، التي حولت الاتحاد السوفييتي إلى حليف استراتيجي لبناء المفاعلات النووية ومنظومات الصواريخ والقوة الجوية، بجانب التعاون مع الصين واليابان في مجال استثمار حقول النفط والغاز وبناء المؤسسات الاستراتيجية، لكي تتحول إيران إلى قوة عسكرية مهيمنة على الخليج العربي والشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ولهذا حولت إيران الدعم المُفترض للبلدان النامية، من معونات مادية لضمان التنمية إلى أشكال مختلفة من الأسلحة وتدريب الميليشيات الإرهابية، لفرض هيمنتها الأيديولوجية الثيوقراطية، عبر إثارة أعمال العنف والحروب الأهلية، وإثارة التنوع الديني والمذهبي في المجتمعات، مما يُعد شكلا من أشكال التدخل العسكري والسياسي السافر في الشؤون الداخلية للدول ويهدد الأمن الإقليمي والعالمي.
مما يعني، أن الاستراتيجية الإيرانية، استهدفت التحول إلى قوة عسكرية تؤدي دوراً أساسياً في المحيط الإقليمي والإسلامي، وهذا يتطلب استبعاد النفوذ الامبريالي للقوى الدولية. وفي الواقع أن دور الولايات المتحدة، انتهى في إيران بعد الثورة عام 1979م، لذا اضطرت واشنطن لإعادة بناء علاقاتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ولكن بقيت مرتبكة في لبنان والخليج العربي. أما الاتحاد السوفييتي فحاول الاحتفاظ بعلاقات تعاون مع إيران وتعزيز نفوذه باحتلال أفغانستان واقترابه من المياه الدافئة والنفط في الخليج العربي. مما أثار مخاوف تقليدية نفسية لدى طهران، وبرر تقارب إيران مع الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى والذي أخذ طابعاً تجارياً أو لشراء الأسلحة والتفاوض حول الرهائن وتصفية الديون.
ونستخلص ما سبق، أن الإسلام السياسي الأيديولوجي في النظام الثيوقراطي الإيراني، يحاول الجمع بين الإنسان والمجتمع بهدف الانتصار على التخلف ورفع الاضطهاد عن الشعوب، وادعاء العمل للكفاح لإنهاء الامبريالية في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، مما يعني باختصار: بناء قوة ثالثة تعتمد على عناصر التاريخ والمجتمع والثقافة والعوامل الروحية الإسلامية مع المحافظة على الخصائص القومية للشعوب.

 

خامسا: سياسة إيران الخارجية بين الثوابت والمتغيرات
يعتقد المستشرق الأمريكي الذي عكف على دراسة حضارة الشرق الأدنى القديم وإيران «تي. كويلر يونج» (T. Cuyler Young) أن غالبية الإيرانيين معاديين للروس لأسباب تاريخية، ومعادون للغرب لأسباب أيديولوجية، وهذا ما يبين الدافع الحقيقي للتمسك بمبدأ لا شرقية ولا غربية، كقانون جوهري في سياستها الخارجية، تعبيراً عن رفضها للهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية والنفسية ولأشكال التدخل الأجنبي كافة، والعمل على تطوير علاقاتها مع جميع البلدان المحرومة، على قاعدة الاحترام المتبادل.
لقد حاولت إيران تطبيق هذه السياسة، بعد عام 1979م، فسعت إلى تنمية علاقاتها مع الدول الإسلامية ودول العالم الثالث التي كانت مهملة في عهد الشاه، وشكل مجلس الشورى الإسلامي «لجنة العشرة» (24) لمتابعة ومراقبة تنفيذ هذه السياسة بصورة منتظمة ولتحديد حجم التبادل السياسي والاقتصادي مع دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وفي هذا المجال، أكد النائب الأول لرئيس الوزراء، «علي رضا معايري» على اتجاه إيران لشراء السلع الغذائية من الدول الإسلامية، حيث توسعت العلاقات الاقتصادية بشكل خاص مع تركيا وباكستان وعدد من دول الخليج العربي. ولكنه انتقد البيروقراطية الموروثة، التي تحاول عرقلة تطبيق هذه السياسة
ومن أبرز مُشكلات وزارة الخارجية الإيرانية، استمرار ظاهرة الصراع بين الإدارة الدبلوماسية والإدارة الشعبية الثورية، مما يعرقل إمكانية إرساء آليات منطقية وثابتة في صنع السياسة الخارجية. وعلى الرغم من هذه العقبات والتحديات، شرعت الدبلوماسية الإيرانية في إقامة علاقات جديدة مع 22 دولة إفريقية على مستوى سفارة. كما نشرت إيران متخصصين من متطوعي «جهاد البناء» في عدد من الدول الإفريقية لإنجاز مشاريع زراعية وصناعية.
إن استمرار حالة الثورة في إيران، رافقه انعدام الوفاق الداخلي، وتعميق التناقض بين الفلسفة الدينية والفلسفة العلمانية، لذا واجه ويواجه نظام رجال الدين، مآزق حقيقية في مجال العلاقات الدولية، من أبرزها: رفض الأيديولوجية الدينية لمفهوم النظام الدولي المعاصر والقانون الدولي، دونما اقتراح لبديل منطقي لبناء نظام دولي إسلامي. فمع تبني إيران الظاهري لاستراتيجية سلمية لتحقيق الثورة الإسلامية العالمية، فلقد اثبت الواقع الفعلي تبنيها لاستراتيجية أزموية لبناء النظام الإسلامي العالمي وهذا ما أدى لتحديد وتقييد السياسة الخارجية بثوابت أيديولوجية أرثودوكسية دوجمائية طبعت التصريحات والقرارات والالتزامات وخلق ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الإيرانية المُتشددة، المعزولة إقليمياً ودولياً.
ان تمسك الإيرانيين «بطرح نظريتهم لعالم أوسع من حدود إيران (….) عن طريق القوة المسلحة»  يؤدي إلى تعميق روح التعصب بين الشعوب، ويرى «ليونيد ايڤانوڤيتش ميدڤيدكو» أن مفهوم «تصدير الثورة» يُشكل خطورة على الأمن القومي لدول الشرق الأوسط ولجمهوريات آسيا الوسطى لذا لن تثق الدول العربية بالسياسة الإيرانية، وسوف تزيد نفقاتها على التسلح لمواجهة استراتيجية إيران التوسعية المعادية للأنظمة العربية المدنية والوضعية. ويعتقد «ايڤانوڤيت» أن التفاهم الأمريكي-الإيراني وارد مستقبلاً لأهمية إيران في مواجهة موسكو ولتحقيق التوازن في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.
إن الصراع كما يتصوره «كلود جوليان» (Claude Julien) ليس بين جعل إيران سوفيتية، أو أمريكية، بل بين أن تكون دينية عنصرية منغلقة ومتطرفة، تصدر الإرهاب، أو دولة تعترف بشرعية الدول الأخرى وتتعايش معها ضمن إطار المواثيق المُنظمة للعلاقات الدولية ومن المؤكد أن السياسة الخارجية واجهت وتواجه عقبات كبيرة في مجال التطبيق، تجسدت بشكل بارز في فشل استراتيجية تصدير الثورة، سواء عن طريق الحرب العراقية-الإيرانية التي انتهت بانتصار العراق وهزيمة الجيوش الإيرانية في 8 أغسطس 1988م، أو عن طريق زرع المنظمات الإرهابية أو اثارة النعرات الطائفية والتمييز المذهبي بجانب تغذية الحروب الدينية. لقد واجهت هذه السياسات طريقاً مسدوداً، مما عمق النظرة السلبية لفلسفة النظام الإيراني، وكرس ظاهرة التنافر في علاقة الأديان الأخرى مع الإسلام.
لقد أدت الخسائر الفادحة التي مُنيت بها إيران بفعل الدبلوماسية غير الواقعية، إلى تقلص التظاهرات والتأييد الشعبي المؤيد للحرب والتوسع، حيث أكدت صحيفة نيويورك تايمز: أن التظاهرات في طهران والمدن الأخرى تحولت للمطالبة بوقف نزيف الدم أو للاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية الصعبة وهذا ما آثار جدلاً واسعاً حول ضرورة إعطاء الأولوية للإصلاحات الاقتصادية والضغط على القيادة للتفكير جدياً بإنهاء الحروب.
ولإنقاذ إيران من مأزقها، اتسع نفوذ «هاشمي رفسنجاني» رئيس البرلمان لتبني سياسة خارجية معتدلة وواقعية حفاظًا على الجمهورية الإسلامية، حتى لو اضطر «للتصادم مع المبادئ المتفق عليها بصورة جماعية» ويُعد رفسنجاني من أكثر المتحمسين لإيلاء أهمية أكبر لحل معضلات إيران الاقتصادية، وهو من دعاة الإبقاء على خيار وضع حد لإنهاء الحرب عن طريق التفاوض.
وبدعم من الخميني، لم يتردد رفسنجاني في الإعلان بأن بمقدور إيران تحقيق أهدافها من الحرب، بوسائل أخرى. فأكد، في 2 يونيه 1988م، عبر التلفزيون أنه: سيفعل كل شيء «لمنع أعداء إيران من تصويرها أمام الرأي العام الدولي، على انها صانعة حروب، بينما يحاول العراق البحث عن السلام. وعندما نتحدث عن نصر على الجبهة، يجب ألا ننسى بان نترك الباب مفتوحاً أمام أي حل غير عسكري» هذه العبارة اعتبرت كتهيئة لإعلان إيران: الموافقة على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 الصادر في 18 يوليو 1988م.
وفي ذات الحديث، اعترف رفسنجاني، بارتكاب أخطاء في السياسة الخارجية، أسهمت في فشل إيران في إحراز أي انتصار عسكري، وانتقد بشدة الدبلوماسية الإيرانية، خاصة على صعيد العلاقات مع الدول الغربية، عندما أعلن: «بأن أحد الأخطاء التي ارتكبناها وسط الجو الثوري السائد في إيران، هو خلق الأعداء باستمرار. لقد دفعنا هؤلاء الذين كان يمكن أن يكونوا محايدين، إلى صفوف الأعداء، ولم نفعل شيئا لاجتذاب من كان يمكن أن يصبحوا أصدقاء لنا»
من الواضح، أن هاشمي رفسنجاني قد حدد مهمة إعادة هيكلة السياسة الخارجية الإيرانية، بهدف وضع حد للعزلة الدبلوماسية، عبر تطبيق سياسة عقلانية في محيط العلاقات الدولية. لقد وضع رفسنجاني، الذي تصفه صحيفة الفايننشال تايمز: بأنه الرجل الذي لا يشعر بالخجل من التعامل مع «الشيطان الأكبر» من مسافة معقولة، سيناريو مرحلة الانفتاح السياسي، لإيمانه بان الغاية تبرر الوسيلة ومن المؤكد، أن برنامج انقاذ الاقتصاد من الدمار دفع إيران للانفتاح على الاستثمارات والرساميل الأجنبية، لإعادة بناء الهياكل الصناعية والزراعية في البلاد.
ومما لا شك فيه، أن العلاقات الإيرانية-الأمريكية، تعكس مجموعة من الحقائق السياسية الاستراتيجية والمصالح الاقتصادية المُشتركة. وضمن هذا الإطار، يحدد «هنري كيسنجر» (Henry Kissinger) ثلاثة أهداف أساسية للولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج العربي، حيث يوجد نصف احتياطي العالم من النفط
  • ضمان حماية خطوط الملاحة لمنع تكرار حدوث هزات وصدمات بترولية تهدد الديمقراطيات الغربية.
  • منع الهيمنة السوفييتية (الروسية) على المنطقة.
  • الحفاظ على وحدة الأراضي الإقليمية للدول الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية وتشجيع تقدمها.
ويعتقد كيسنجر: أن انتشار قطع البحرية الأمريكية في الخليج العربي، أدى إلى الضغط على الأصوليين في إيران، وأمام العجز الإيراني في كسب الحرب ضد العراق، جاءت حادثة إسقاط الطائرة الإيرانية المدنية لتكون من عوامل إعادة النظر الشاملة في سياسة إيران الخارجية، وجاءت موافقة إيران على قرار وقف إطلاق النار الصادر عن مجلس الأمن الدولي، على أساس الخضوع للأمر الواقع والقبول بمنطق الهزيمة العسكرية أمام العراق، ليشكل فرصة مهمة لإعادة ترتيب علاقات القوة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.

 

الخاتمة
هكذا أخذت سياسة إيران الخارجية، طابعاً شمولياً وكونياً، في إطار نظرية ثيوقراطية إسلامية تستهدف التمهيد لظهور دولة ولاية الفقيه، لإحقاق العدل والسلم والأمن، وهذا يعني: رفض الأنظمة الوضعية الدستورية المدنية، بوصفها غير شرعية، مما يوجب على المسلمين شن الحروب لتقويض الجمهوريات والممالك والامارات، والاعلان عن تأسيس الجمهوريات الإسلامية التابعة لدولة ولاية الفقيه في إيران.
ولتحقيق الأهداف الاستراتيجية الإيرانية، يفترض تغيير النظام المعاصر للعلاقات الدولية، الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، مما يعني أن إيران مضطرة لاتباع سياسة خارجية تتقاطع أيديولوجياً واستراتيجياً مع العالمين الاشتراكي والرأسمالي، عبر شرعنة الحروب والصراعات المسلحة لتحقيق المقاصد والاهداف المتوخاة، لإعلان ظهور الحكومة العالمية التي يقودها الإمام المهدي. وتأخذ نظرية الحرب في الأيديولوجية الإيرانية، معنى جهادياً راديكاليا، لتبرير مواجهة الظلم والطغيان السياسي والاقتصادي لإعادة تقسيم العالم وفق منظور ثيوقراطي مذهبي إقصائي متطرف.
ولكن من المؤكد، أن الحرب والعنف المسلح، لن يكون الأداة الجذرية لإعادة صياغة المضمون الحضاري للعلاقات الدولية، بل وعلى العكس، سيقود سباق التسلح الإقليمي والحروب لتكريس أشكال جديدة من الأزمات والتطرف وتنامي ظاهرة الإرهاب والتمييز الديني والمذهبي مما يعمق التعسف والعنصرية والاستبداد. لذا يبدو أن مستقبل إيران يرتبط بالعمل على بناء دولة مدنية، غير ثيوقراطية، تمثل وفاقاً قومياً بين الأديان والقوميات والثقافات المكونة للجمهورية الإيرانية، على أن يكون الرئيس رمزاً للوحدة الوطنية وليس مركزاً للسلطة السياسية والمذهبية
أي بناء دولة دستورية، منحازة لجميع الإيرانيين، قادرة على ضمان أمنها الداخلي والخارجي، عبر تحقيق العدل الاجتماعي والمساواة الدينية والمذهبية وازدهار الحريات السياسية والاقتصادية والدينية، وتنتهج سياسة خارجية تستمد مبادئها من التاريخ والجيوبوليتك وتحترم تقاليد التوازن والتعاون مع دول الجوار الجغرافي وتؤمن بحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية المنطقة.

اترك تعليقا