الرئيسية » الدراسات » (8) عوامل صمود إيران أمام الولايات المتحدة وإسرائيل

(8) عوامل صمود إيران أمام الولايات المتحدة وإسرائيل

الكاتب:

كما تشير إلى أن هذا الصمود يُعزى إلى عدة عوامل أبرزها الحصانة الجغرافية وصلابة العقيدة العسكرية والاستقلال الاستراتيجي، ومتانة النظام السياسي، وقدرته على حماية التماسك الداخلي وإفشال أهداف العدو الاستراتيجية، وفتح جبهات قتال إقليمية متعددة. ناهيك عن تهديد الملاحة بمضيق هرمز؛ للضغط على الاقتصاد العالمي. إضافة إلى الدور الروسي والصيني الداعم لإيران. وسوف نحاول في هذه الورقة استعراض هذه العوامل التي جعلت إيران قادرة على الصمود، بإيجاز على النحو التالي:
أولا: الحصانة الجغرافية:
إيران ذات طبيعية جغرافية فريدة تصفها مراكز الفكر الإيرانية بأنها ركن «مضاعف للقوة» نظرًا لأنها تشكل حصنا أمنيًا ودرعا دفاعية قوية، ساعدها على الصمود أمام الهجوم الأمريكي الإسرائيلي عليها، حيث تتميز بالخصائص التالية:
    1. اتساع المساحة، حيث تبلغ مساحة إيران 1,648,195كم، ويوفر لها هذا الاتساع عمقًا إستراتيجيًا، مكنها من تكوين شبكة دفاع وهجوم قوية موزعة على جميع اتجاهاتها الاستراتيجية، وتوزيع منشآتها الحساسة على نحو يقلص قدرة أي قوة معادية على تدميرها بالكامل، أو الانتشار داخل أراضيها، بدليل أن العراق لم يستطع الاحتفاظ بالأراضي الإيرانية التي احتلها في بداية الحرب بينهما.
    2. الوعورة الجبلية، إذ تقع إيران على هضبة تهيمن عليها سلاسل جبال «زاگروس» و«كردستان» و«ألبرز» الشاهقة، تشكل موانع طبيعية، يصعب على أي قوة خارجية اجتيازها للسيطرة على قلب الدولة. كما توفر لها حماية طبيعية، وتحصين عميق لبنيتها العسكرية ومنشآتها النووية والصناعية، وإقامة قواعد ومدن صاروخية وترسانة أسلحة ومسيرات ومستودعات ذخيرة داخل الأنفاق والممرات والكهوف الجبلية. ناهيك عن مراكز القيادة والسيطرة وإدارة والعمليات. مما وفر لها القدرة على شن هجمات مستمرة بالصواريخ والمسيرات على إسرائيل والقواعد الأمريكية المنتشرة بدول الخليج.
  • المساحلة البحرية، تمتلك إيران سواحل بحرية تجعلها في قلب العالم (Heartland) وتمنحها ميزة استراتيجية كبرى؛ حيث يبلغ إجمالي سواحلها 2700كم، منها 2043كم، سواحل جنوبية على بحر عمان والخليج العربي، وأخرى شمالية على بحر قزوين تبلغ657كم، على نحو عظم أهيمتها في مجال أمن الطاقة والملاحة البحرية. خاصة أنها تمتلك 31 جزيرة في مياه الخليج، منها 12 مأهولة، مثل جزيرة «خارک» التي بها أكبر رصيف نفطي في العالم. ولكنها ترتكز على 6 جزر منها، تشكل لها قوسًا دفاعيًا/ هجوميًا مهيمنًا، هي: «لارک» و«قشم» و«أبو موسى» و«تنب الكبرى» و«تنب الصغرى» و«هرمز» التي تمثل نقطة ارتكاز هجومي/ دفاعي ضد أي قوة تستهدف فرض السيادة على الخليج العربي والمحيط الهندي. أو السيطرة على إمدادات النفط والغاز المتجهة من الخليج إلى الأسواق العالمية. ولهذا نجحت إيران في إغلاق مضيق هرمز واستخدامه أداة ضغط قوية على الاقتصاد العالمي.
ثانيا: صلابة العقيدة العسكرية:
تتبنى إيران عقيدة دفاعية تشبه نسبيا تلك التي كانت سائدة في عهد الأسرة القاجارية (1889 – 1925م) تسمى «الدفاع الفسيفسائي» والتي عرفتها مراكز الدراسات الإيرانية بأنها شبكة دفاع مرنة وغير مركزية؛ مُصممة لمواجهة قوات معادية ذات تفوقً تكنولوجيً وجوي كاسح، عبر تحويل الأراضي الإيرانية إلى شبكة من الخلايا الدفاعية المستقلة التي يصعب شلها بضربة واحدة، وتتوزع فيها مراكز القيادة الميدانية على إحدى وثلاثين منطقة عمليات، تغطي جميع الاتجاهات الاستراتيجية، ويتمتع فيها قادة المناطق بصلاحية كاملة في مواصلة القتال دون الرجوع إلى القيادة المركزية؛ حال تعذر الاتصال، أو استهداف مراكز القيادة والسيطرة، أو القيادة المركزية بطهران. على نحو يجعل هيكل الدولة العسكري عصيّ على الانكسار. وتعتمد استراتيجية الدفاع الفسيفسائي على عدة ركائز أساسية، أهمها:
1. لا مركزية القيادة: التي تتحول فيها كل منطقة عسكرية إلى مركز قيادة وعمليات مستقل بذاته، قادر على مواصلة القتال بذاته وفق تكتيكات الحرب غير المتماثلة. على نحو يكون في مجمله شبكة دفاع، تتكامل فيها القدرات الصاروخية والمسيرات ومختلف الأسلحة والمعدات الأخرى لحماية الدولة، ومنع انهيار المؤسسة العسكرية، أو شلها بسهولة، ومواصلة القتال ضمن شبكة متماسكة مقاومة للانهيار. ولذلك أظهرت القوات الإيرانية قدرة على الانتشار الأفقي والعمل المستقل بوصفها مراكز قيادة مستقلة. وذلك في استجابة مضادة لاستراتيجية قطع الرأس التي تبنتها القوات الأمريكية والإسرائيلية منذ بدء الهجوم.

 

2. التوزيع غير التقليدي: تعتمد الجيوش الإيرانية توزيعا غير مركزي واسع وفي نقاط جغرافية يغلب عليها الإخفاء؛ على نحو يخلق نوعاً من الغموض الاستراتيجي. خاصة أن عمق إيران الجغرافي يتمتع بطبيعة جبلية. ويتضمن هذه التوزيع خطوط دفاع محصنة في أغوار الجبال والأعماق الأرضية، ومنشآت عسكرية وقواعد للصواريخ والمسيرات ومخازن للأسلحة والذخيرة ومستودعات الإمداد اللوجيستي.
كما تتمركز القوات حول مراكز الثقل الاستراتيجي الثلاثة الأساسية: العاصمة؛ بهدف حماية النظام السياسي والجبهة الداخلية من الانهيار، ومراكز القيادة والمنشآت النووية، ومجمعات التصنيع العسكري والصناعات الثقيلة. إضافة إلى الانتشار الأمامي عبر مرتكزات محور المقاومة بغرب آسيا. وتقوم فسلفة هذا التوزيع الهجين على تعزيز قدرة القوات المسلحة على امتصاص الضربة الأولى والصمود أمام أي عدوان، واستنزافه، ونقل الصراع معه إلى خارج حدود الدولة. ولذا تتوزع قيادة عمليات الحرس الثوري على 31 فيلقا يتمتع بصلاحية إدارة الحرب والمقاومة بشكل مستقل، تسمى «فيالق المحافظات» (سپاه‌های استانی) ضمن أربع مناطق عمليات رئيسية وذات اكتفاء كامل، هي:
  • المنطقة المركزية، وتغطي قلب الدولة (طهران وأصفهان وقم) وتضم عدة قواعد، أهمها قاعدة «أمام علي» (شمال طهران) وقاعدة «باهنر» (بالقرب من سد كرج) و«مقر ثار الله» المسؤول عن أمن العاصمة. كما تضم مجمعات صناعية ضخمة، مثل مجمع «پارچین» المركزي للصناعات العسكرية المتقدمة، ومجمع «شهر ري» القريب من طهران ومجمع «شكوهيه» الصناعية في «قم» لإنتاج الصواريخ الباليستية وأجهزة الطرد المركزي. 
أما أصفهان فهي جزء من هذا القلب الدفاعي، الذي يجمع بين حماية المنشآت النووية والانتشار الصاروخي. خاصة أنها تضم ترسانة هائلة من الصواريخ الباليستية والمسيرات ومستودعات الاحتياط الاستراتيجي داخل الأنفاق المحصنة تحت الأرض وفي المناطق الجبلية المحيطة بها، والمكلفة بحماية المناطق القريبة من المطارات العسكرية والقواعد الجوية ومستودعات المواد الكيميائية والوقود النووي، مثل قاعدة «هشتم شكاري». وتدعمها مدينة «كاشان» التي تعد نقطة دفاع استراتيجي عن منشأة «نطنز» النووية، والمركز الرئيسي لتوزيع وتخزين القواعد الصاروخية ومنصات إطلاق المسيرة «شاهد» 
  • المنطقة الشرقية: تعتمد على شبكة لامركزية من القواعد الصغيرة والمتوسطة بدلا عن القواعد الضخمة، مثل قاعدة «إمام رضا» (مشهد) وقاعدة «زاهدان» الجوية قاعدة «ميرجاوه» الحدودية قاعدة «بيرجند» العسكرية وقاعدة «شاهرود» إضافة إلى قاعدة «إمام علي» البحرية (ميناء تشابهار) التي تغطي جميعها شرق وجنوب شرق إيران، وتنتج فيها القوات الجوفضائية الأقمار الصناعية ومحركات الصواريخ التي تعمل بالوقود الصلب.
  • المنطقة الغربية، وتغطي شمال غرب الدولة وتضم «معسكر رمضان» (كرمان) و«معسكر حمزة» (كردستان) «معسكر نصر» (مركزي) كما تضم قاعدة «باختران» (كرمنشاه) وبها أكبر مخزن تحت الأرض للصواريخ التكتيكية ومتوسطة المدى الموجهة إقليمياً ومجمع «شهيد همت» لتصنيع وتخزين الصواريخ الباليستية التي تعمل بالوقود السائل. إضافة إلى قاعدة «تبريز» و«سنندج» للصواريخ متوسطة المدى ومنصات إطلاق المسيرات. إضافة إلى «لواء عاشوراء» أحد أهم مراكز القيادة الإقليمية للحرس الثوري (تبریز) التي تضم أيضا خزانات الوقود الاستراتيجية التي تغذي المعدات الثقيلة.
  • المنطقة الجنوبية، حيث قاعدة «بندر عباس» التي تغطي الخليج وجزره الاستراتيجية، وتعد المستودع المركزي للصواريخ الساحلية المضادة للسفن والألغام البحرية، كما تضم قواعد طائرات F-14. إضافة إلى قاعدة جزيرة «قشم» التي يمكنها إغلاق مضيق هرمز. ناهيك عن منطقة «شيراز» التي تعد المركز الاستراتيجي الأول لقدرات إيران العسكرية في المنطقة الجنوبية والجنوبية الغربية، ومحور الربط بين الوسط (أصفهان) والغرب (الجبهة العراقية) والجنوب (الخليج) كما تعد قاعدة خلفية لتأمين الخليج وبحر العرب. وتضم قاعدة «شهيد دوران» الجوية، التي تضم مستودعات صيانة وذخيرة لطائرات F-14 وسوخوي، ومصانع ومخازن الإلكترونيات العسكرية، وترسانة الصواريخ الباليستية ومتوسطة المدى المخبأة في المرتفعات المحيطة بالمدينة، وقادرة على ضرب القواعد العسكرية في دول الخليج العربية.
التحصينات العميقة:
بما أن تمويه الأسلحة والمعدات فوق الأرض بات شبه مستحيل في عصر الطائرات المسيرة والشبحية وأقمار التجسس وخوارزميات تحليل البيانات، فقد ركزت إيران على أن تكون منشآتها العسكرية محصنة داخل أغوار الجبال والأنفاق الخرسانية العميقة؛ لحماية مركز ثقلها الاستراتيجي ومراكز القيادة والسيطرة والترسانة الصاروخية، التي تعرف بمدن الصواريخ (شهرک‌های موشکی) والقواعد العسكرية وورش تصنيع وإطلاق المسيرات، ومستودعات والأسلحة والذخيرة، التي تشكل في مجملها العمود الفقري لاستراتيجية الردع.

وقد صممت هذه التحصينات على امتصاص الضربة الأولى والحفاظ على قدرة القوات على الرد. وإخفاء موقعها الدقيق وتجهيزاتها من حيث العدد والحجم والنوع، ولمنع العدو من رصد تحريك الصواريخ، أو تحركات القوات؛ حتى تصبح حسابات شن أي هجوم عليها معقدة ومكلفة أيضًا.
الدفاع الأمامي:
أداة إنهاك العدو في الأماكن البعيدة؛ لضمان حماية العمق الداخلي للدولة وبنيتها التحتية، ونقل المواجهة معه إلى خارج الحدود، وتوسيع نطاقها على المستوى الإقليمي. ثم تحويل هذه المواجهة إلى حرب استنزاف لا يمكن له حسمها سريعًا. وتعتمد إيران فيه على عدة أدوات أهمها: محور المقاومة، والصواريخ الباليستية، والطائرات المسيرة، والألغام البحرية، والزوارق السريعة.
حتى لو نجح في كسر الدفاع الأمامي، مثلما فعلت إسرائيل منذ أكتوبر 2023م، وانتهاء بحرب الاثني عشر يوما في يونيه 2024م، ثم قرر شن هجومًا مباشرًا، مثلما فعلت الولايات المتحدة وإسرائيل بدءًا من يوم 28 فبراير 2026م، فإن إيران تلجأ إلى الدفاع الفسيفسائي باستهداف دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز للتأكيد على أن تهديد أمنها يعني تهيد أمن الجميع، وأنها سترد الهجوم بهجوم مماثل. وهنا تكون قد حققت عدة مكاسب:
  • كسب الوقت اللازم لاستنفار قوات الحرس والجيش، والدفاع الشعبي.
  • إحداث أزمة طاقة والتأثير على الاقتصاد العالمي واتخاذها أداة للمساومة التفاوضية.
  • إشعال مناطق صراع في المحيط الإقليمي؛ لتشتيت قدرات العدو بعيداً عن الداخل الإيراني. 
  • رفع تكلفة تقدم العدو في كل شبر من الأرض ومحاولة تغيير موازين القوى لصالحها.
المقاومة الشعبية
يعد دمج البسيج مع الحرس الثوري نموذجاً فريداً من المقاومة الشعبية المسلحة، التي تدمج بين العقيدة العسكرية والولاء الأيديولوجي والانتشار الجغرافي. ولهذا يشكل هذا الدمج أحد الركائز الأساسية في الدفاع والأمن القومي الإيراني. ضمن رؤية تهدف إلى تحويل عملية الدفاع من مفهومه العسكري إلى مفهوم الاجتماعي أو المقاومة الشعبية ويحول المواجهة من مواجهة جيش نظامي إلى مواجهة ضد مجتمع لديه القدرة على الصمود. على نحو يجعل من فكرة الغزو البري لإيران مقامرة خاسرة. إضافة إلى حماية تماسك الجبهة الداخلية وإحكام السيطرة الأمنية على الدولة.
ثالثًا: الاستقلال الاستراتيجي:
الاستقلال الاستراتيجي، يعني في التفكير الإيراني «عدم التبعية» للولايات المتحدة المهيمنة على النظام الدولي، وقد أصبح استجابة للعقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية، وتجسيدًا لرؤية متكاملة تهدف إلى تحويل التحدي إلى فرصة ونقاط الضعف إلى مراكز قوة.  لذا، سعت إيران لامتلاك القدرات الذاتية لتقليص فعالية الضغوط والعقوبات عليها وجعل كلفة إخضاعها سواء عبر الاحتواء المزدوج، أو الضغط الأقصى، باهظة، وأن شل حركتها لم يعد ممكناً.

ومن ثم، تبنت إيران اقتصاد المقاومة بوصفه بديلا اقتصاديًا لمواجهة الحرب الاقتصادية عليها، لتقليل الاعتماد على النفط، وتشجيع الصناعات المحلية والاقتصاد القائم على المعرفة، وبناء شبكات تجارة غير رسمية تسمح باستمرار تدفق السلع والعملة الصعبة؛ لخلق نوع من الاكتفاء الذاتي، وتطوير القطاعات الصناعية والعسكرية المحلية، بدلا عن الاستيراد.
وبما أن الاستقلال الاقتصادي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالصمود العسكري فقد اعتمدت إيران استراتيجية توطين الصناعات الدفاعية وبناء شبكة من الحلفاء الإقليميين، لخلق جبهات متعددة تستنزف العدو، جعلها دولة غير قابلة للاحتواء عسكرياً، ويجعل أي مواجهة مباشرة معها باهظة الثمن.
رابعًا: متانة النظام السياسي:
يتكون نظام الجمهورية الإسلامية من بنية فريدة متعددة الأبعاد والمستويات، تمتزج فيها الأيديولوجية بالعقيدة العسكرية والأمنية، وتتلاحم فيها العقيدة مع البعد الاجتماعي والاقتصادي على نحو جعله قادرًا على تحمل الضغوط والتهديدات المختلفة. فإلى جانب سلطاته التنفيذية والتشريعية والقضائية، يقوم هذا النظام على هيكل قيادة يجسد ولاية الفقيه، التي صيغت لها المبادئ الدستورية الضامنة لسرعة الانتقال السلمي لمنصب المرشد الأعلى حال وفاته، استنادا إلى مبدأ «الاستمرارية فوق القيادة»

وتقوم ولاية الفقيه، على شرعية مستمدة من التراث الشيعي المتراكم، منذ قيام الدولة الصفوية 1500م، وصفها آية الله خميني في كتابه الحكومة الإسلامية بأنها «حكومة القانون الإلهي» وقد أصقلت التجارب التي مر بها النظام، بدءا من الصراع على السلطة وصولا إلى عميات التطويق من الداخل، مرورا بحرب الثماني سنوات مع العراق، قدراته على التحمل وجعلته مستعدًا لجميع الاحتمالات. ويقوم هذا النظام الفريد على ثلاثة أركان أساسية، هي:
1. مؤسسة الولي الفقيه:
تتمتع مؤسسة الولي الفقيه بدور محوري في بنية النظام، وتمثل الجوهر الذي تقوم عليه «الجمهورية» «الإسلامية» نظرا لكونها تمثل الجانب التطبيقي لنظرية ولاية الفقيه. لذا شدد الدستور على أهميتها وقداسة مكانتها حتى جعل الإيمان بها مساويا للإيمان بالإمامة باعتبارهما الأساس للجمهورية، والمنطلق لاستمرارية الثورة. وتتكون هذه المؤسسة من ثلاثة أركان، هي:
  • مكتب المرشد الأعلى للثورة (دفتر مقام معظم رهبری) وهو العمود الفقري للنظام، ومركز اتخاذ القرارات السيادية. ويقع مقره داخل مجمع إداري وسكني ضخم بشارع «باستور» الراقي بشمال طهران، والذي صممت تحته شبكة أنفاق محصنة، بطول 5 كم. وتتكفل نخبة من الحرس الثوري بمهمة حماية المرشد ومقر إقامته، تسمى قوة «فيلق ولي الأمر» المعززة بعناصر من الاستخبارات وأمن الدولة والقوات المسلحة. وتتبعها تشكيلات دعم وإسناد أخرى، في بعض ضواحي طهران، مثل: «كرج» و«ورامين» و«بويين زهرا» إضافة إلى «قوة أنصار المهدي» لحراسات جميع كوادر مقر المرشد والإدارات التابعة له، والمقيمة بمبنيين من ستة طوابق بنفس المجمع.
  • مجلس خبراء القيادة (مجلس خبرگان رهبري) مجلس منتخب وفقا لقواعد وشروط محددة، وتنحصر مسئوليته في النقل السلس لمنصب المرشد، دون حدوث هزات تؤثر على سلامة النظام. سواء بتعيينه في منصبه ومتابعة اضطلاعه بمسئولياته (المادة 107 ـ 109) أو عزله؛ حال انحرافه الدستوري، أو فقدانه للشروط اللازمة (المادة 111) ويقع مقره الإداري داخل مدينة قم
  • مجمع تشخيص مصلحة النظام (مجمع تشخیص مصلحت نظام) أحد أهم مؤسسات صنع واتخاذ القرار، والمخول بصلاحية تشريع في حدود اختصاصاته الدستورية، ويتمتع بمكانة مهمة في هيكل النظام. من حيث: إنه بمثابة العقل السياسي للمرشد ومستشاره في اتخاذ القرارات العليا وتخطيط السياسات العامة للدولة (المادة 110) وفي الإشراف على تنفيذ هذه السياسات (المادة 112) إضافة إلى شئون السياسة الخارجية والأمن والنفط والبنية التحتية.
2.الأجهزة السيادية:
تتكون من ثلاثة أجهزة أساسية المجلس الأمن القومي الأعلى ومجلس الدفاع الوطني، ووزارة الاستخبارات:
  • مجلس الأمن القومي الأعلى: (شورای عالی امنیت ملی) تأسس وفقً (المادة 176) من الدستور بـهدف «تأمين المصالح الوطنية وحماية الثورة ووحدة أراضي البلاد وسيادتها الوطنية» ومخول برسم السياسات الدفاعية والأمنية للدولة، في إطار توجيهات المرشد الأعلى، وتنسيق الأنشطة السياسية والأمنية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية الداعمة للخطط الدفاعية والأمنية العامة، وحشد الإمكانات المادية والمعنوية بالدولة لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية. إضافة إلى تعيين قيادات الهيئات التابعة مثل مجلس الدفاع وهيئة الاستخبارات وأمن الدولة، التي يترأسها رئيس الجمهورية 
  • مجلس الدفاع الوطني (شورای عالی دفاع ملی ) أنشئ في أغسطس 2025م، في ضور الدروس الأمنية والدفاعية المستفادة من حرب الاثني عشر يوما 2025م، ليكون بمثابة غرفة عمليات مركزية دائمة، تابعة لمجلس الأمن القومي الأعلى، برئاسة الرئيس «مسعود بزشكيان» للقيام بتنسيق الاستراتيجية الدفاعية بين مجلس الأمن القومي الأعلى وبين قيادتي الجيش والحرس الثوري، واتخاذ القرارات السريعة أثناء الأزمات والطوارئ، والتعامل مع التهديدات المحتملة على المستوى العسكري والأمني، وضمان وجود هيكل قيادة مركزي  قادر على إدارة البلاد في اللحظات الحرجة. إضافة إلى تولى مهمة نقل منصب المرشد الأعلى حال وفاته، وتعزيز قدرة الدولة على الصمود والردع ومواجهة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية المتصاعدة بشتى الطرق والوسائل.
المؤسسة العسكرية:
في إيران الجيش والحرس الثوري هما جناحا المؤسسة العسكرية المسئولة عن الدفاع عن الدولة وحماية الثورة ونظامها السياسي، ولكل منهما مهام ونطاقات عمل محددة: 
  • الجيش: يتكون بدوره من الأفرع والتشكيلات الرئيسية: البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي والمظلات ورئاسة الأركان والشرطة العسكرية والمخابرات الحربية. 
  • الحرس الثوري: تأسس على غرار الجيش الأحمر الصيني، ليكون بمثابة مدرسة عسكرية – سياسية – اقتصادية– اجتماعية، ذات منهج فكري وأيديولوجي؛ معنية بحماية نظام الجمهورية الإسلامية وأمنها السياسي. وله أفرع وتشكيلات منفصلة عن الجيش من قوات برية وبحرية وجوية ودفاع جوي إضافة إلى القوات الجوفضائية ورئاسة أركان ومخابرات حربية. وإلى جانب قوات النخبة والحراسات الخاصة، مثل فيلق ولي الأمر وأنصار المهدي، يمتلك الحرس ذراعين مهمين: 
  • فيلق القدس: هو وحدة المهام والعمليات الخاصة ويقع مقر قيادته بقاعدة «المناجاة» بطهران، تتبعه شبكة من معسكرات التدريب الفائق التي تنطلق منها العناصر المكلفة بتنفيذ المهام. إذ يضطلع بمسئوليات داخلية، مثل: حماية الأمن السياسي داخل القطاعات العسكرية، وحماية منشآت الدولة الاستراتيجية (النووية والصاروخية … الخ) ومكافحة الاضطرابات والاحتجاجات وعمليات التمرد العرقي. كما يقوم بتنفيذ مهام خارجية من قبيل جمع المعلومات التكنولوجية الخاصة بتصنيع الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية، وجلب نماذج لأحدث الأسلحة من الخارج، وتسويق الأسلحة الإيرانية. إضافة إلى تدريب وتسليح عناصر التنظيمات الراديكالية والمليشيات الشيعية ومقاتلي محور المقاومة على أساليب القتال وحرب الشوارع والعمليات القذرة والعمليات الإرهابية. ناهيك عن التواجد بجميع سفارات إيران بالخارج، وعلى جميع خطوط الطيران الإيرانية
  • قوات البسيج: قوات دفاع شعبي شبه عسكرية، تُكلف بفرض الانضباط الاجتماعي والثقافي والسياسي بالمجتمع. وقد أدمج جزء منها في جهاز أمن الدولة، بينما ضُم الجزء الآخر إلى الحرس الثوري. فضلاً عن ضم قطاع كبير منها إلى قوات مكافحة الشغب. وتتمتع قوات البسيج بأهمية خاصة، من حيث إنها تقوم بمهام الإنقاذ السريع والإسعاف والإغاثة أثناء وقوع الزلازل والسيول والأزمات الداخلية الأخرى.
خامسًا: الدعم الصيني والروسي:
يعد الدعم الصيني والروسي من بين العوامل التي ساعدت إيران على الصمود أمام الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد استند الدعم الصين إلى رؤية مفادها أن إيران ضرورة جيوسياسية؛ لضمان عدم خضوع منطقة أوراسيا وغرب آسيا للهيمنة الأمريكية، وأن استقرارها يضمن للصين ممراً برياً حيوياً يربطها بآسيا الوسطى والشرق الأوسط، بعيداً عن الطرق البحرية التي تتحكم فيها البحرية الأمريكية. مع الأخذ في الاعتبار أن شراكاتها الاقتصادية مع دول الخليج العربي وإسرائيل ضرورة لا يمكن تجاوزها ويتعين عليها أن تحافظ عليها.

ومن ثم لم يتجاوز الدعم الصيني حدود دعم صمود الدولة الإيرانية ومؤسساتها. خاصة أن الصن تتجنب التورط في أي مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة. وبناء عليه قدمت دعمًا اقتصاديًا ولوجستيًأ فضلا عن التكنولوجيا المزدوجة الاستخدام والأنظمة الفضائية التي تُبقي إيران صامدة في الحرب، وتمنع انهيار نظامها. لكن مع العمل على جذب اهتمام الولايات المتحدة بعديًا عن آسيا، واستنزاف رصيدها الإقليمي ومراقبة نقاط ضعف ترسانتها العسكرية كـ «بروفة» مستقبلية محتملة لتايوان.
ومن ناحية أخرى، يستند الدعم الروسي لإيران، من كونها تمثل حاجزًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية لتأمين حدودها الجنوبية بمنطقتي آسيا الوسطى والقوقاز، وترى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تعد نموذجًا لما قد تواجهه هي في المستقبل، وأن تجربة إيران أثبتت أن تنازلاتها المتعلقة برنامجها النووي لم تنه الضغوط الأمريكية عليها. وعلى الرغم من أنها لا ترغب في أن تمتلك إيران أسلحة نووية إلا أنها حاولت منع انهيار نظامها، وتسعى بدأب حتى لا يغير اتجاهه نحو الغرب؛ لأن ذلك سوف يمثل كارثة جيوسياسية.
وعليه قدمت روسيا الدعم اللازم لضمان بقاء إيران قوة إقليمية فاعلة، ولكن دون أن تنجر إلى هذه الحرب أو الاصطدام بالولايات المتحدة؛ فوفرت لها التكنولوجيا العسكرية والمعلومات الاستخباراتية وصور أقمار التجسس، وتتبع تحرك القوات والسفن والطائرات الأمريكية والإسرائيلية. إضافة إلى إحداثيات استهداف القواعد العسكرية في دول الخليج ولمحيط الهندي. بهدف إرباك النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، واستنزاف الموارد الغربية بعيداً عن ساحة الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي الختام، يمكن القول إن إيران ليست بالدولة التي يمكن هزيمتها بمجرد ضربة عسكرية استباقية واحدة؛ فقد أثبتت خلال هذه الحرب أن صمودها كان نتيجة لاستراتيجية أعدتها مُسبقًا للتعامل مع هذا السيناريو، وأن أي مواجهة عسكرية معها سوف تنتهي إلى: إما حرب إقليمية ممتدة معها، لا يمكن حسمها سريعاً، أو حل سياسي تقبل فيه بشروط جزئية مقابل رفع العقوبات، دون أن يعني ذلك انهيار نظامها، أو تغيير من عقيدتها.

اترك تعليقا