الرئيسية » الدراسات » استراتيجية تركيا إزاء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وتداعياتها المحتملة

استراتيجية تركيا إزاء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وتداعياتها المحتملة

الكاتب:

خاصة أن المصلحة الوطنية التركية لا تكمن في الانحياز لإيران، أو الاندماج غير المشروط في الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية، بل في سياسة متعددة الطبقات تجمع بين الردع، والوساطة، وضبط الحدود، وتنويع الطاقة، وحماية الاقتصاد. نجاح أنقره سيتوقف على قدرتها على إدارة التوازن بين الحياد النشط وحماية المصالح القومية، وبين تجنب الحرب واستثمار الموقع الجيوسياسي لتعزيز دورها الإقليمي
وتبحث هذه الدراسة في استراتيجية تركيا إزاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لا بوصفها مواجهة عسكرية محدودة، أو أزمة مرتبطة ببرنامج إيران النووي فحسب، بل باعتبارها اختبارًا واسعًا لبنية الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. فالصراع يضع أنقره أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف تحمي أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية من دون الانزلاق إلى اصطفاف حاد مع أي من أطراف المواجهة؟
تتمثل المشكلة المركزية في أن تركيا لا ترى في الحرب تهديدًا واحدًا، بل حزمة متداخلة من المخاطر. فهي، من جهة، تنظر بقلق إلى قدرات إيران الصاروخية وشبكات الوكلاء في العراق وسوريا وما قد تسببه من تهديد مباشر للحدود والمجال الجوي والممرات التجارية. ولكنها، من جهة أخرى، تعد انهيار الدولة الإيرانية أو تفككها، أو تغيير نظامها بالقوة أكثر خطورة؛ لأنه قد يفتح فراغًا أمنيًا واسعًا يمس ملفات اللاجئين، والطاقة، والتنظيمات المسلحة، والتوازنات القومية والمذهبية في جوارها المباشر.
ينطلق الموقف التركي من تقليد راسخ في العلاقة مع إيران يقوم على التنافس المنضبط لا العداء المفتوح. ولذلك تجمع بين رفض الحرب قانونيًا وسياسيًا، وتكثيف المسار الدبلوماسي، ورفع استعداداتها الأمنية لحماية مجالها الحيوي؛ لمنع اتساع المواجهة، وتجنب الانخراط العسكري المباشر، مع المحافظة على علاقاتها مع الغرب وحلف الناتو، دون التحول إلى أداة في استراتيجية أمريكية–إسرائيلية ضد طهران.
وتطرح الدراسة ثلاثة سيناريوهات رئيسة. الأول الاحتواء المتوتر، حيث تبقى الحرب محدودة أو متوسطة مع استمرار قنوات التفاوض، وهو السيناريو الأقل كلفة لتركيا؛ لأنه يتيح لها أداء دور الوسيط ويحافظ على حد أدنى من الاستقرار. الثاني التوسع الإقليمي عبر امتداد الصراع إلى العراق وسوريا والخليج والبنى التحتية للطاقة، بما يرفع مخاطر الحدود والطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة. أما الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في انهيار منظومة الردع وتحول الحرب إلى استنزاف طويل أو أزمة داخلية إيرانية عميقة، بما قد يسفر عن موجات نزوح وثغرات أمنية وصعود جديدًا للفاعلين المسلحين من غير الدول.
ولا تقف التداعيات عند حدود التجارة التركية مع إيران، بل تمتد إلى الصادرات نحو الخليج، وأسعار الطاقة، وتكاليف الشحن والتأمين، وحساسية الممرات البحرية، وثقة المستثمرين. ومع ذلك، قد تتيح الأزمة لأنقره فرصًا محدودة إذا استطاعت تعزيز موقعها كممر بديل للطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا، شرط أن تُدار هذه الفرص ضمن سياسة دقيقة لتقليل المخاطر.
وعليه، توصي الدراسة بأن تقوم الاستراتيجية التركية على مبدأ: البقاء خارج الحرب مع التحول إلى مركز لإدارة تداعياتها. ويقتضي ذلك بناء آلية إقليمية مؤسسية لخفض التصعيد تضم تركيا وباكستان ومصر والعراق وفاعلين خليجيين، مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إيران والغرب. كما يتطلب تعزيز الدفاع الجوي والصاروخي، وتحديد عتبات التشاور مع الناتو، وتكثيف التنسيق الأمني مع بغداد وأربيل، وتنويع مصادر الطاقة، وإعداد خطة صمود اقتصادي تشمل التجارة، والنقل والطاقة والصناعة.
وتنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن الاستراتيجية التركية الأنسب لا تقوم على الانخراط في الصراع أو الانحياز الكامل لأي طرف، بل على ممارسة سياسة موازنة نشطة تسمح لها بالبقاء خارج الحرب مع التحول إلى مركز لإدارة تداعياتها. ومن ثم، تسعى الدراسة إلى تحليل الموقف التركي من الحرب، واستشراف سيناريوهاتها المحتملة، وتقييم انعكاساتها الأمنية والسياسية والاقتصادية على تركيا وصولًا إلى تقديم تصور لاستراتيجية تعزز قدرة أنقره على حماية مصالحها القومية وتعظيم دورها الإقليمي.
وتعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا مركبًا يقوم على تفكيك المحددات السياسية والجيوسياسية التي حكمت العلاقة في عهد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، لا سيما في ملفات الطاقة، والنقل، وأمن الحدود، والتنافس الإقليمي. ثم تبني الدراسة مجموعة من السيناريوهات لتقدير الانعكاسات المحتملة للحرب على تركيا في أبعادها الأمنية والسياسية والاقتصادية، استنادًا إلى مؤشرات كمية ونوعية تسمح بفهم اتجاهات المخاطر والفرص في آن واحد.
وتستند هذه الدراسة إلى مزيج من المصادر الأولية والثانوية؛ فتعتمد في جانب منها على تصريحات رسمية وتقارير مراكز الفكر والدراسات الأكاديمية التركية ذات الصلة. بينما تستفيد في جانب آخر من وسائل إعلام دولية ومؤسسات متخصصة في الطاقة والاقتصاد والأمن الإقليمي. وبذلك تمثل هذه الدراسة تقييمًا استراتيجيًا للأثر المبكر للحرب، استنادًا إلى بيانات المصادر المفتوحة المتاحة حتى 5 مايو 2026م، أخذا في الاعتبار أن مسائل الطاقة والشحن البحري والتفاوض تظل شديدة التقلب وقابلة للتغير السريع

أولا: محددات العلاقات التركية – الإيرانية:
من المعروف أن العلاقات التركية الإيرانية تجمع بين استقرار الحدود واستمرار التنافس السياسي. فمنذ «معاهدة قصر شيرين» عام 1639م، ظل الإطار الحدودي عامل ثبات نسبي، رغم ما رافق العلاقة من توترات مذهبية وأمنية وقومية. وقد شكّل عهد «أتاتورك» نقطة تحول مهمة، إذ اتجهت تركيا إلى تسوية خلافاتها مع إيران وتأمين حدودها الشرقية عبر معاهدة الصداقة والأمن عام 1926م، واتفاقية ترسيم الحدود عام 1932م، ثم زيارة «رضا شاه» إلى تركيا عام 1934م، ومن ثم «ميثاق سعد آباد» عام 1937م.
غير أن الثورة الإسلامية عام 1979م أعادت البعد الأيديولوجي إلى هذه العلاقة، إذ خشيت أنقره من تأثير الثورة على الداخل التركي، مع استمرار حاجتها إلى التعاون الاقتصادي والطاقة. وفي التسعينيات تذبذبت العلاقات بين البرجماتية التجارية والحذر السياسي. ثم شهدت مرونة أكبر مع وصول حزب العدالة والتنمية، قبل أن تعيد الأزمة السورية بعد 2011م، منطق التنافس.
لذلك يمكن فهم العلاقة التركية الإيرانية بوصفها منافسة منضبطة تجمع بين التعاون الضروري والشك المتبادل، من دون أن تتحول إلى تحالف ثابت أو عداء شامل. فقد تميزت العلاقات بينهما في عهد حزب العدالة والتنمية بظاهرة التجزئة (Compartmentalization) إذ تمكن الطرفان من عزل التعاون الاقتصادي والأمني عن الخلافات السياسية الجيوسياسية الحادة. فبينما تصادمهما في ملفات إقليمية كالأزمة السورية والعراق، استمرا في التنسيق ضد التهديدات الكردية المشتركة (مثل PKK وPJAK) وتعزيز التبادل التجاري واتفاقيات الطاقة. ويعكس هذا النمط استراتيجية الاتفاق على الاختلاف الذي يجنبهما المواجهة المباشرة ويحفظ لهما مصالحهما الحيوية رغم تضارب الأجندات الإقليمية.
وبناءً على ذلك، فإن السمة الأكثر تعبيرًا عن هذه المرحلة ليست التقارب الكامل ولا القطيعة الصريحة، بل نمط من “التعاون البراغماتي والتنافس المنضبط.” ولهذا النمط اربعه محددات رئيسه هي:
المحدد الأول: التنافس في الساحتين السورية والعراقية
في الحالة السورية، تموضعت تركيا وإيران في معسكرين متعارضين منذ اندلاع الحرب الأهلية، حيث تكشف دراسة أكاديمية أن تركيا اتهمت إيران في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين باتباع سياسات توسعية في سوريا والعراق واليمن، بينما اتهمت طهران أنقرة بالتدخل في الشؤون الداخلية السورية. أما في العراق، فقد أتاح ملف منع قيام كيان كردي انفصالي، أو رفض أي تغيير أحادي في الوضع القائم شمالي البلاد، مساحة لتنسيق تركي – إيراني ضمني أو معلن في بعض المراحل.
المحدد الثاني: الملف النووي الإيراني والعقوبات الدولية
يتسم موقف تركيا من الملف النووي الإيراني بنزعة توازنية تقوم على دعم حق طهران المشروط في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، مع رفض واضح لتحولها إلى قوة نووية عسكرية لما يمثله ذلك من تهديد للتوازن الإقليمي ومصالح أنقره. وتفضّل تركيا معالجة الملف عبر الدبلوماسية والمفاوضات، رافضةً الخيار العسكري لما قد يسببه من اضطراب إقليمي. وفي ملف العقوبات، تتحفظ أنقره على العقوبات الأحادية التي تعرقل التجارة، مع حرصها في الوقت نفسه على عدم الاصطدام بالشرعية الدولية أو بمصالحها مع الغرب.
المحدد الثالث: التنافس على جنوب القوقاز وممرات النقل
أدى التقارب الاستراتيجي المتزايد بين تركيا وأذربيجان، إلى جانب النقاشات حول ممرات العبور شرق–غرب وممر «زنجزور» إلى تصاعد إدراك التهديد لدى طهران. وتشير دراسة صادرة عام 2024م بعنوان “كيف تدرك إيران صعود تركيا في جنوب القوقاز؟” إلى أن إيران تميل إلى تفسير تنامي النفوذ التركي في المنطقة بوصفه جزءًا من استراتيجية غربية أوسع لتطويقها، فضلًا عن ارتباطه بمخاوفها من النزعات القومية التركية العابرة للحدود. ومن ثم، لم يعد ملف جنوب القوقاز في سياق حرب 2026م، مجرد قضية أذربيجانية–أرمينية، بل غدا عاملًا مضاعفًا للحساسية الأمنية في العلاقات التركية–الإيرانية.
المحدد الرابع: شبكات الاقتصاد السياسي
أكد اجتماع مجلس التعاون رفيع المستوى بين تركيا وإيران بأنقرة في 24 يناير 2024م، رغبة الطرفين في رفع حجم التبادل التجاري إلى 30 مليار دولار، إلى جانب تعزيز التجارة الحدودية، وإنشاء روابط حدودية جديدة، وتشجيع القطاع الخاص على القيام باستثمارات مشتركة في بنيتهما التحتية .غير أن البيانات التي أوردتها وكالة الأناضول مطلع عام 2026م ما أظهرت أن حجم التجارة ظل عند حدود خمسة مليارات دولار تقريبًا حتى نوفمبر 2025م، وهو ما يكشف الفجوة بين الطموح السياسي والواقع الاقتصادي.
ومع ذلك، تظل فاعلية الجهات الاقتصادية غير الحكومية مهمة؛ إذ تشير دراسة أكاديمية عام 2025م، إلى أن جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين (MÜSİAD) أدت، من خلال هويتها المحافظة، دوراً قوياً في تشكيل السياسات الاقتصادية التركية والعلاقات مع إيران خلال العقدين الماضيين، وقامت بدور طبقة وسيطة تخفف من حدة الاحتكاكات الجيوسياسية بين أنقره وطهران.

ثانيا: أبعاد الموقف التركي من الحرب على ايران 2026م:
يتناول هذا المحور الموقف التركي من حرب 2026م على إيران، من خلال تحليل أبعاده القانونية والدبلوماسية والأمنية والاستراتيجية في ضوء حسابات أنقره الإقليمية.
1)البعد القانوني والمعياري
على المستوى الرسمي، تشكّل موقف تركيا من الحرب على إيران عام 2026م من مزيج يجمع بين الاعتراض الواضح على مشروعيتها القانونية، والانخراط المنظم في مسارات الدبلوماسية والوساطة. ففي 2 مارس 2026م، وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الهجمات الأمريكية والإسرائيلية بأنها “انتهاك صارخ للقانون الدولي”، مؤكدًا أن تركيا “تشارك الشعب الإيراني آلامه”، ومعلنًا تكثيف الاتصالات على مختلف المستويات من أجل التوصل إلى هدنة. ولا يُقرأ هذا الخطاب بوصفه مجرد تعبير رمزي عن التضامن، بل باعتباره مؤشرًا على أن أنقره لا تقبل توصيف هذه الحرب كعملية استباقية مشروعة، وترى في تفكك النظام الإقليمي تهديدًا مباشرًا لأمنها ومصالحها.
2)البعد الدبلوماسي والوساطة الإقليمية:
يتمثل البعد الثاني في الوساطة والنشاط الدبلوماسي المكثف. فقد أكد وزير الخارجية التركي «هاكان فيدان» (Hakan Fidan) في مقابلاته، يومي 27 مارس و13 أبريل 2026م أن أولوية تركيا منذ اندلاع الحرب تتمثل في أن هدفنا الأول هو وقف الحرب. وأوضح أن الرسائل تُنقل عبر باكستان، وأن أنقره تحافظ على قنوات اتصال منتظمة مع كلٍّ من واشنطن وطهران. وفي البيان الرسمي الصادر في 8 أبريل رحبت تركيا بالهدنة المؤقتة، معلنة دعمها للجهود الرامية إلى إنجاح المفاوضات الجارية في إسلام آباد.
3)البعد الأمني وحماية المجال الجوي:
يبرز البعد الثالث في تحديد الخطوط الحمراء من خلال البيروقراطية الأمنية التركية. ففي حادثة 4 مارس، اتجه صاروخ إيراني نحو المجال الجوي التركي، ووفقًا لـ”رويترز” قامت عناصر الدفاع الجوي التابعة للناتو بتدميره، وهو ما وضع أنقره أمام مستوى من التهديد يتيح لها، عند الضرورة، تفعيل قنوات التشاور داخل الحلف. وفي تصريح رسمي نقلته وكالة الأناضول في اليوم نفسه، شدد “فيدان” على ضرورة تجنب إجراءات من شأنها توسيع الصراع.
4)البعد الاستراتيجي ومنع تفكك الدولة الإيرانية
تظهر في الدوائر الاستراتيجية غير الرسمية أو شبه الرسمية، قراءة أكثر حدة لطبيعة المخاطر المحتملة. إذ يرى تحليل متخصص أن انزلاق الحرب نحو تغيير النظام في إيران أو تفكيكها عرقيًا يمثل “خطًا أحمر واضحًا” بالنسبة لتركيا. وبالمثل، حذر رئيس المخابرات التركية «إبراهيم فالين» (İbrahim Kalın) في قمة «ستراتكوم» (STRATCOM) من أن هذه الحرب يصاحبها إشعال نار فتنة في المنطقة. وأن أحد الأهداف المخطط لها من هذه الحرب هو اتخاذ خطوات تُمهد الطريق لنشوب حرب أشقاء أو ثأر دموي قد يستمر لعقود بين المكونات الأصلية والمؤسسة للمنطقة، وهم: الأتراك، والأكراد، والعرب، والفرس. وأكد أن تركيا ستظل في حالة تأهب قصوى لمكافحة هذه المخططات ولن تكون طرفاً يغذي نار الفتنة.

ثالثا: الآثار المحتملة للحرب على تركيا:
1)الأثر الأمني
يُعدّ الأثر الأمني أكثر التداعيات إلحاحًا في حسابات أنقره، إذ تخشى تركيا من أن تؤدي الحرب إلى تمدد عدم الاستقرار نحو جوارها المباشر، خصوصًا في العراق وسوريا، حيث توفر البيئات الهشّة مجالًا لإعادة تنشيط الفاعلين المسلحين من غير الدول. ومن ثم، تنظر أنقره إلى الحرب بوصفها أـيضًا تهديدًا محتملًا لمسار تركيا بلا إرهاب، لأنها قد تعيد تدوير الشبكات المسلحة وتمنحها فرصًا جديدة للحركة والتجنيد والتموضع قرب الحدود الجنوبية والشرقية. وفي هذا السياق، تبرز مخاوف تركية من انتقال عناصر مرتبطة بحزب العمال الكردستاني إلى صفوف حزب الحياة الحرة الكردستاني أو إلى تحالفات قتالية جديدة، على غرار ما حدث سابقًا مع انضمام بعض العناصر إلى وحدات حماية الشعب في سوريا. لذلك لا يتمثل الخطر فقط في اتساع نطاق المواجهة، بل في إعادة تشكيل بيئة التهديد ذاتها، بما يقوّض تصور تركيا لمجال أمني منزوع التهديدات غير النظامية، ويفسر أحد دوافعها الأساسية لرفض الحرب.
ويصعب قراءة التحول في العلاقات التركية–الإيرانية بمعزل عن الساحة العراقية؛ فالعراق ليس هامشًا جغرافيًا للصراع، بل عقدة تتقاطع فيها ملفات النفوذ الإقليمي، وأمن الحدود، والطاقة، والممرات، وحركة الفاعلين المسلحين من غير الدول. فقد دفعت الحرب العراق إلى موقع قريب من “الجبهة الثانية”، مع تصاعد هجمات الميليشيات وردّ الولايات المتحدة بضربات نوعية استهدفت مخازن وقدرات وقيادات مرتبطة بها. وهذا التطور يضع النفوذ الإيراني في العراق أمام اختبار مزدوج: هل يبقى أداة ردع فعّالة، أم يتحول إلى شبكة نفوذ سياسي مثقلة بالكلفة؟ فكلما ازداد الضغط العسكري على هذه التشكيلات، تراجعت نسبيًا قدرتها الردعية، لكن احتمال تفككها إلى أنماط أكثر لامركزية وفوضوية يصبح أعلى. هنا تحديدًا تظهر المعضلة التركية: أنقره لا ترغب في عراق خاضع للهيمنة الإيرانية، لكنها تخشى بالقدر نفسه عراقًا متشظيًا تتحرك داخله جماعات منفلتة يصعب ضبطها.
2)الأثر الاقتصادي والتجاري
اقتصاديًّا، لا تبدو تركيا في موقع الاستهداف العسكري المباشر، غير أن ذلك لا يُلغي حجم الكلفة التي قد تفرضها الحرب على مصالحها التجارية والمالية. فوفقًا لدراسة متخصصة، بلغت الصادرات التركية إلى المنطقة عام 2024م، نحو 16.9 مليار دولار، بما يعادل قرابة 6.6% من إجمالي الصادرات التركية، الأمر الذي يجعل مسار الحرب ومدتها ومستوى التهديد في طرق الملاحة عوامل حاسمة في تقدير حجم الضرر. ففي سيناريو متوسط، قد تتراجع هذه الصادرات إلى المنطقة بنحو ملياري دولار، بينما قد ترتفع الخسائر في سيناريو آخر إلى حدود 7 مليارات دولار. وعليه، تواجه أنقره معادلة صعبة: مكاسب جيو-اقتصادية محتملة لاحقًا عبر ممراتها، مقابل أعباء فورية من اضطراب التجارة، والطاقة والشحن والتأمين.
ولا تقف التداعيات الاقتصادية عند حدود تجارة تركيا مع الخليج، بل تمتد كذلك إلى علاقاتها التجارية مع إيران ذاتها. فوفق بيانات وزارة التجارة التركية للعام 2026م، احتلت إيران المرتبة الخامسة والعشرين في وجهات الصادرات التركية عام 2025م، والمرتبة الثامنة والعشرين ضمن مصادر الواردات. فبلغت الصادرات التركية إليها نحو 3.058 مليار دولار، مقابل واردات تقارب 2.493 مليارا. وتركزت هذه الصادرات في الآلات والأجهزة الميكانيكية واللدائن والمعدات الكهربائية والزيوت والمواد الوسيطة.
وتكشف بنية هذه المبادلات أن العلاقة لا تزال ذات أهمية عملية رغم قيود العقوبات وتوترات البيئة الإقليمية؛ إذ ومن ثم، فإن استمرار الحرب لا يهدد حجم التبادل المباشر فحسب، بل يضغط أيضًا على شبكات النقل وسلاسل التوريد المرتبطة بهذا المسار التجاري.
3)أثر أمن الطاقة:
تتجاوز تداعيات الحرب مسألة ارتفاع الأسعار إلى أبعاد أكثر تعقيدًا، تتصل بأمن الممرات البحرية، وكلفة التأمين، واحتمال تسييس تدفقات الطاقة ضمن حسابات الصراع. فقد رأت إحدى الأوراق البحثية التركية أن الحرب جعلت من مضيق هرمز جبهة أمامية للمواجهة، وأن أي اضطراب في الملاحة عبره ينعكس مباشرة على شبكات التجارة العالمية.
ويكشف العراق البعد الاقتصادي والجيوسياسي لهذه الحرب. إذ أعادت أزمة هرمز إحياء النقاش حول خط كركوك–جيهان باعتباره قضية سيادية شائكة بين بغداد وأربيل. فالضغط الذي فرضته الحرب دفع بغداد إلى إعادة تقدير أهمية المسار الشمالي، وسط حديث عن تفاهمات مدعومة أمريكيًا لاستئناف تصدير مئات الآلاف من البراميل عبره. وإذا تواصلت هذه الديناميكية، فقد تجد تركيا نفسها في مركز معادلة جديدة تجمع بين أمن الطاقة، والتفاوض العراقي الداخلي، والتنافس التركي – الإيراني على هندسة النفوذ داخل العراق. وبذلك، لا تؤثر الحرب في حسابات أنقره العراقية من البوابة الأمنية وحدها، بل من خلال إعادة تسعير موقع تركيا الاقتصادي والجيوسياسي في الإقليم أيضًا.
وبالنسبة إلى تركيا، تكشف هذه المعطيات أنها ليست مجرد مستورد للطاقة يتأثر بتقلبات الأسعار، بل دولة عبور محتملة قد تتعاظم أهميتها الجيو-اقتصادية كلما طال أمد الأزمة. فمضيق هرمز لا يمثل ممرًا بحريًا فحسب، بل يشكل ركيزة في بنية الضمانات الأمريكية لأمن الطاقة العالمي؛ ومن ثم فإن أي محاولة لإعادة تعريف السيطرة عليه ستفرض كلفة عسكرية واقتصادية مرتفعة على مختلف الأطراف.
4)الأثر الدبلوماسي
أتاحت الحرب لتركيا هامشًا للحركة، لكنها تضع هذا الهامش نفسه أمام اختبار بالغ الحساسية. فأنقره، بحكم موقعها الجيوسياسي وشبكة علاقاتها المتداخلة مع الغرب وإيران ودول الخليج وروسيا والصين، تستطيع أن تقدم نفسها بوصفها طرفًا قادرًا على تضييق فجوات المواقف، أو على الأقل تنظيم مسار تفاوضي متعدد المستويات، مثل انضمامها إلى الكيان التشاوري الآخذ في التبلور مع مصر والسعودية وباكستان. غير أن هذه الفرصة لا تخلو من كلفة سياسية؛ فكلما تعاظم حضور تركيا كوسيط، ازدادت احتمالات اصطدامها بحساسيات القوى الكبرى، أو بتوقعات متعارضة من أطراف الأزمة نفسها.

رابعًا: السيناريوهات المحتملة:
السيناريو الأول: الاحتواء المتوتر. وفيه تستمر الحرب عند مستوى منخفض أو متوسط الشدة، مع بقاء الضربات والردود ضمن حدود محسوبة، وفتح قنوات تفاوض غير مباشر. ويُعد هذا السيناريو الأقل ضررًا لتركيا؛ لأنه يتيح لها الحفاظ على موقعها الوساطي، ويعزز أهمية ممراتها، من دون أن يدفع النظام الإقليمي إلى الانهيار. غير أنه لا يُنهي الكلفة، بل يبقي الضغوط الاقتصادية والأمنية قائمة، ويجعل العلاقة مع إيران محكومة بمنطق التعاون الوقائي لا بمنطق الثقة الاستراتيجية.
السيناريو الثاني: التوسع الإقليمي. حيث تمتد الحرب إلى العراق والخليج والبنى التحتية للطاقة، أو تتصاعد المواجهة مع الميليشيات والوكلاء بما يفتح مساحات أوسع من الهشاشة. وهو السيناريو الأخطر على أنقره؛ لأنه يجمع بين ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب التجارة، وعودة التهديدات العابرة للحدود، فضلًا عن احتمال دفع الدول إلى اصطفافات إقليمية. وفي هذه الحالة، ستجد تركيا نفسها مضطرة إلى تغليب أدوات الأمن الصلب، وحماية الممرات والبنى الحيوية، وتقليص هامش المناورة الدبلوماسية.
السيناريو الثالث: العودة إلى التفاوض من موقع إنهاك. ويتحقق حين تقتنع الأطراف بأن الحرب لم تُنتج حسمًا استراتيجيًا، فيُعاد فتح مسار التفاوض على قاعدة فصل الملفات، أو ترتيبها زمنيًا. وهذا السيناريو يمنح تركيا أوسع فرصة لتعظيم مكاسبها السياسية، إذ تستطيع تقديم نفسها كدولة رفضت الحرب، وحافظت على قنوات الاتصال المتوازن مع جميع الأطراف. ومع ذلك، لن يؤدي هذا إلى شراكة تركية–إيرانية كاملة، بل إلى العودة لمعادلة المعتادة: تعاون اضطراري، ومنافسة مؤجلة أو منخفضة الوتيرة.

خامسا: الاستراتيجية التركية:
يمكن تعريف الاستراتيجية الأنسب لتركيا بأنها البقاء خارج الصراع مع التحول إلى مركز لإدارة الصراع:

  • تحويل الاتصالات الحالية إلى آلية إقليمية لخفض التصعيد تشمل تركيا وباكستان ومصر وفاعلين خليجيين والعراق.
  • بناء قوة دفاعية أكثر حداثة ضد تهديدات الصواريخ والمسيرات في الحزام الشرقي والجنوبي، وتحديد عتبات التشاور مع الناتو مسبقاً.
  • تنسيق أمني جديد مع بغداد وأربيل للحد من وصول الميليشيات المرتبطة بإيران إلى الممرات والقواعد وخطوط اللوجستيك، تزامناً مع حماية مشروع طريق التنمية.
  • الحفاظ على مرونة التفاوض مع إيران بشأن تمديد العقد، مع زيادة المصادر غير الإيرانية عبر خط الذي بدأ عام 2025 واتفاقيات الغاز المسال.
  • إعداد خطة أزمة قطاعية تشمل تأمين مخاطر الحرب، وتحفيز الشحن لاستخدام الخطوط البديلة.
  • توازن جنوب القوقاز: تقديم ممرات الترانزيت كأطر تزيد من التجارة الإقليمية وليست كأدوات تطويق لإيران، لتجنب تحول القوقاز إلى جبهة ثانية.
الخاتمة
كشفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عام 2026م أن العلاقة التركية–الإيرانية لا تزال محكومة ببنيتها التقليدية القائمة على التنافس المنضبط والتعاون الانتقائي، غير أن الأزمة جعلت مكامن الهشاشة في هذه العلاقة أكثر وضوحًا. فقد أعادت الحرب إبراز المخاوف التركية من امتداد شبكات النفوذ المرتبطة بإيران، ومن القدرات الصاروخية والباليستية التي قد تمسّ أمن الحدود والمجال الجوي التركي، فضلًا عن انعكاساتها المحتملة على العراق وسوريا وجنوب القوقاز وأسواق الطاقة. ومع ذلك، فإن هذه المخاوف لا تدفع أنقرة بالضرورة إلى تبني اصطفاف عدائي شامل ضد طهران؛ إذ ترى تركيا أن انهيار الدولة الإيرانية، أو فرض تغيير سياسي بالقوة، أو انزلاق إيران إلى تفكك عرقي ومذهبي، تمثل سيناريوهات أشد خطورة على أمنها القومي من استمرار التنافس مع إيران ضمن حدود قابلة للإدارة.
ومن هذا المنظور، تبدو الاستراتيجية التركية الأكثر اتساقًا مع مصالح أنقرة قائمة على مبدأ الموازنة النشطة، لا على الانخراط في الحرب ولا على الحياد السلبي. فتركيا تسعى إلى الجمع بين رفض الحرب من زاوية قانونية وسياسية، وتفعيل الدبلوماسية الإقليمية لخفض التصعيد، وحماية حدودها ومجالها الجوي، ومنع انتقال ارتدادات الصراع إلى بيئات الهشاشة المجاورة، ولا سيما العراق وسوريا. كما تسعى في الوقت نفسه إلى الحفاظ على استقلالية قرارها الاستراتيجي، وتجنب التحول إلى أداة في حسابات القوى الكبرى أو إلى طرف مباشر في مواجهة قد تفرض عليها كلفة أمنية واقتصادية طويلة المدى.
وعليه، فإن تعظيم المصلحة الوطنية التركية في هذه الأزمة يقتضي الانتقال من إدارة الموقف إلى بناء قدرة دولة شاملة قادرة على امتصاص الصدمات وتوظيف التحولات. ويشمل ذلك تحديث منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، وتعميق التنسيق الأمني مع بغداد وأربيل، وتنويع مصادر الطاقة ومساراتها، وتعزيز صمود التجارة والصادرات والخدمات اللوجستية، والحفاظ على توازن دقيق في جنوب القوقاز والخليج وشرق المتوسط. فنجاح تركيا في التعامل مع حرب 2026م لا يُقاس بمدى اقترابها من أحد أطراف الصراع، بل بقدرتها على البقاء خارجه، وتقليل كلفته، ومنع تمدده، وتحويل موقعها الجيوسياسي إلى أداة فعالة لإدارة الأزمة وحماية أمنها القومي وتعزيز دورها الإقليمي.

اترك تعليقا