إعادة توزيع الأثقال الحزبية قبيل انطلاق مسار السلام، كان حزب العدالة والتنمية يمرّ بأضعف مراحله، منذ صعوده إلى الحكم قبل عقدين، وسط تزايد الشكوك حول التزامه بالديمقراطية، وتزايد الاتهامات الموجهة له بتسيس القضاء لتشديد قبضته على السلطة. خاصة في ظل حملة الاعتقالات التي طالت رؤساء بلديات منتمين لحزب الشعب الجمهوري وأعضاءه.
وجاءت هذه الحملة، عقب نتائج انتخابات البلديات لعام 2024م، التي كشفت عن تّنامي جماهيرية حزب الشعب الجمهوري المعارض وبعض الأحزاب القومية الأخرى، على حساب جماهيرية حزب العدالة والتنمية الحاكم. فقد حصل حزب الشعب الجمهوري على 37.76% من الأصوات، وفاز بإدارة 35 مدينة من أصل 81، مقابل 35.4% لمرشحي حزب العدالة والتنمية، الذي نال 24 مدينة فقط. ومن المرجح أن تعزز هذه النتائج مكانة الحزب الجمهوري بوصفه المنافس الأبرز للحزب الحاكم في الانتخابات الرئاسية المرتقبة عام 202م، كما سبقت الإشارة. كما أن جماهيرية حزب الشعب الجمهوري تنامت داخل أبرز المدن التركية مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير وبورصة وأضنة وأنطاليا، فيما بين عامي 2019 و2024م، ما أثار مخاوف حيال تراجع نفوذ الحزب الحاكم في هذه المدن ذات الثقل الاستثماري والعقاري. فقد أدّت خسارته فيها إلى تآكل شبكته الانتخابية، نتيجة تقلص قدرته على إعادة توزيع الموارد، وظهور انقسامات داخل صفوفه. () وللتدليل على أهمية هذه المدن، يكفي أن نذكر أن اسطنبول وحدها تمثل نحو 40% من الناتج المحلي، ويسكنها أكثر من 16 مليون نسمة، ويعمل بها 20% من الموظفين. إلا أن هذه الأهمية الاقتصادية بدأت تتراجع بعد عام 2020م، مما ساهم في تفكك القاعدة الناخبة التي اعتمد عليها الائتلاف الحاكم. كذلك شهدت الساحة السياسية توترًا متصاعدًا إثر احتجاج المعارضة على الانسحاب الكردي، بالتزامن مع انتقادات وجهها حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب (DEM) إلى حزب الشعب الجمهوري، على خلفية قضايا الفساد، داعيًا ناخبي الأخير إلى دعمه كبديل نزيه. وفي هذا السياق، جاءت عملية السلام بين الائتلاف الحاكم والحزب الكردي بوصفها محاولة لإفشال التقارب بين قوى المعارضة، لا سيما بعد التحول اللافت في الانتخابات السابقة، حيث اتجه الناخبون الأكراد في غرب تركيا لدعم حزب الشعب الجمهوري على حساب حزبهم التقليدي. في المقابل، أمعن الائتلاف الحاكم في ضغوطه على المعارضة، سعيًا لوقف تآكل شعبيته قبيل الانتخابات المقبلة. وتفكيك هذه المعارضة من الداخل كوسيلة لتحويل الغضب الشعبي من الوضع الاقتصادي إلى خلاف سياسي. فقد أدّى تصاعد البطالة والتضخم إلى تراجع دعم الشرائح ذات الدخل المنخفض، التي تضررت مباشرة من ارتفاع تكاليف المعيشة، بينما واجه رواد الأعمال في عام 2023م، حالة من عدم اليقين الاقتصادي، ما قوّض قدرة الحزب الحاكم على الحفاظ على قاعدته الانتخابية. ثم جاءت التحولات الإقليمية والدولية معززة لموقف الرئيس أردوغان، خاصة بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، الأمر الذي منحه هامشًا أوسع للمناورة وأتاح له أداء دور فاعل في الملف السوري. كما شكّلت فرصة استراتيجية للحكومة التركية لإعادة تموضعها خارجيًا، في ظل انفتاح أمريكي وأوروبي على الدور التركي الجديد، وهو ما ساعدها أيضًا في تعزيز موقفها أمام المعارضة الداخلية. أدى اعتقال عمدة إسطنبول، «أكرم إمام أوغلو»، إلى تصاعد اسم «أوزغور أوزيل» محليًا ودوليًا، باعتباره واجهة لأكبر موجة احتجاجات جماهيرية شهدتها تركيا منذ أكثر من عقد. والتي عكست قوة «إمام أوغلو» كمرشح رئاسي محتمل منافس للحزب الحاكم، لا سيما بعد أن نال أصوات نحو 15 مليون ناخب. ولذا، أثار اعتقاله جدلًا واسعًا وشكوكًا حول دوافع الحكومة، خاصة فيما يتعلق بنزاهة العملية السياسية. وظّف حزب الشعب الجمهوري الاحتجاجات والتوقيعات الشعبية أداة للضغط على الحكومة وتكريس دعوته إلى إجراء انتخابات مبكرة. كما دعا إلى مقاطعة عدد من العلامات التجارية المرتبطة بالحكومة، مُعلنًا الثاني من أبريل يومًا وطنيًا للمقاطعة، ما منح الحزب زخمًا شعبيًا واسعًا ورسّخ حضوره في المشهد العام. في المقابل، شعر ناخبو حزب العدالة والتنمية بحالة من الاغتراب السياسي قبيل انتخابات 2024م، ما يرجّح استمرار تحوّلهم نحو أحزاب أخرى داخل التحالف الحاكم، مثل حزب الحركة القومية (MHP) وحزب الرفاه الجديد (YRP). وقد نجح مرشحو هذه الأحزاب في استقطاب شرائح من الناخبين، بمن فيهم المحافظون والقوميون، مستفيدين من خطاب أكثر توازنًا في مواجهة الانقسامات التي أثارها مرشحو حزب الشعب الجمهوري. وفي هذا السياق، يحدّ تصاعد الاستقطاب السياسي من قدرة أردوغان على تعبئة القاعدة المحافظة خلف حزبه على المدى البعيد. وقد تسهم السياسات الصارمة تجاه المعارضة في إعادة تشكيل التحالفات الحزبية، خاصة مع تركيزها المحتمل على استقطاب الناخبين الأكراد. وتشير استطلاعات مؤسسة (Rawest) إلى تزايد رغبة الأكراد في الانخراط بمشروع «التتريك السياسي» الرامي لتعزيز اندماجهم في السياسة الوطنية. غير أن هذا التوجّه، وإن بدى إيجابيًا على المدى القريب، قد يُفاقم التوترات ويزيد من حدّة المعارضة مستقبلاً.
مستقبل عملية السلام بالتوازي مع التصعيد ضد المعارضة، يُواصل أردوغان مساعيه لحل القضية الكردية عبر المسار السلمي، في تكرار لمحاولات سابقة بدأت بـ «الانفتاح الكردي» عام 2009م، وتلتها مبادرات مماثلة في 2013م، إلا أن جميع تلك المحاولات انتهت بالفشل، بسبب الخلافات السياسية وتقلب التحالفات التي حالت دون الوصول إلى تسوية دائمة. وعلى الرغم من فشل المبادرات السابقة، يواصل الرئيس أردوغان السعي لتوسيع انخراط التحالف الحاكم مع الحركة الكردية ضمن إطار عملية السلام، في محاولة لضرب تماسك المعارضة التي يستند استقرارها إلى دعم ضمني من حزب الديمقراطية والمساواة وناخبيه الأكراد. وفي حال نجاح هذا الانخراط، قد يميل ميزان القوى لصالح تحالف الشعب الحاكم، من خلال تحويل الحزب الكردي إلى شريك تفاوضي، وسحب دعمه من المعارضة. كما يُمكن لهذا التقارب أن يؤمّن دعمًا كرديًا للإصلاحات الدستورية، يُتيح لأردوغان الترشح لولاية جديدة، بالنظر إلى الوزن البرلماني المؤثر الذي يتمتع به حزب الديمقراطية. () قد يحقق تواصل الرئيس أردوغان مع القادة الأكراد مكاسب سياسية آنية، إلا أن استمرارية هذه الجهود تبقى محل شك ما لم تترافق مع مؤشرات جدية فعلية؛ فعملية السلام لا تخلو من مخاطر، أبرزها تصاعد السخط الكردي في حال غياب ضمانات واضحة لمنحهم حقوقًا أوسع. وقد عبّر حزب العمال الكردستاني، في بيان حفل إلقاء السلاح، عن رغبته في إنهاء العنف والانخراط في مسار ديمقراطي وسياسي وقانوني، يكفل للأكراد حقوقهم في بيئة تحترم التعددية. في المقابل، تسجل عملية السلام تقدمًا لافتًا بعد دعوة «عبدالله أوجلان» ما يمنحها طابعًا مختلفًا عن المحاولات السابقة، باعتبارها فرصة لكسر الجمود المستمر منذ أكثر من أربعة عقود، والذي أودى بحياة نحو 40 ألف مدني وعسكري. وتمثل دعوة «أوجلان» إلى نزع السلاح والتحول إلى العمل السياسي اعترافًا ضمنيًا بعدم جدوى الكفاح المسلح واستنزافه، خصوصًا في ظل تفوق الضربات التركية عبر الحدود السورية والعراقية، وتضييق الخناق على الملاذات الآمنة لمقاتلي حزب العمال الكردستاني. وعلى الرغم من هذا التفوق العسكري التركي، إلا أن لم يُفلح في القضاء الكامل على حزب العمال الكردستاني، كما بقيت الأسباب الجذرية للتمرد دون معالجة، مما يشكّل عائقًا أمام طموحات أنقرة الإقليمية والدولية. وتبرز الحاجة إلى حل سلمي يضمن تقدم الأطراف، في ظل تراجع جدوى الخيار العسكري الذي لم يعد يُمثّل الخيار المفضل على الطاولة. مهّد خطاب الرئيس أردوغان، الذي حمل شعار «تركيا خالية من الإرهاب» إلى جانب استعداده للتعاون مع المشرعين الأكراد، الطريق نحو تسوية سياسية محتملة. ويأتي ذلك في اتساق مع مبادرة «باهشتلي» ومقترحات تعيين نائبين للرئيس يمثلان الأكراد والعلويين، وسط تراجع الدعم الأمريكي للجماعات الكردية، وحالة عدم اليقين الإقليمي. وقد تشكل هذه العوامل فرصة لإيجاد مخرج مرضي للمناطق الكردية، ويمنحها حصة في مشاريع التنمية الاقتصادية، بما يساهم في استقرار داخلي مؤقت، يُمكّن أردوغان من تهدئة الساحة الداخلية وتعزيز موقع تركيا إقليميًا. في النهاية، على الرغم من الاضطراب الداخلي الذي قد يعزّز من فرص المعارضة، يسعى أردوغان لتحقيق مكاسب سياسية قصيرة الأجل عبر تحجيم خصومه واستمالة الأكراد. إلا أن بقاءه في الحكم يظل رهن لقدرته على احتواء التصعيد ضد المعارضة ومعالجة الأزمات الاقتصادية، التي إن استمرت قد تُسرّع من تآكل قاعدته الانتخابية. وفي حين تُحرز عملية السلام بعض التقدّم، فإن نجاحها مرهون بتحقيق توازن دقيق بين متطلبات الدستور، واستقلال القضاء في التعامل مع الرموز الكردية، إلى جانب التزام الحكومة بإيجاد مسار فعّال للانخراط السياسي ومعالجة الحقوق الثقافية ضمن إطار ديمقراطي. فالانخراط في المسار ذاته يُكسب أردوغان نقاطًا سياسية ويفتح المجال للمطالب الكردية، إلا أن استمرار التراجع الديمقراطي يُنذر بإعادة العملية إلى مربعها الأمني، مع استبعاد المشاركة الكردية الفعلية، ما يُبقي احتمال المواجهة قائمًا، وإن كان مؤجلًا.