دور الذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة (الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران نموذجًا)
الكاتب:
وقد اتسع نطاق توظيف هذه التقنيات لتشمل مستويين مهمين، الأول المستوى العسكري والاستخباراتي المتعلق بتحليل المعلومات وتوجيه العمليات وتسريع اتخاذ القرار، أما الآخر فيتمثل في المستوى الاجتماعي المرتبط بإدارة الإدراك العام والتأثير في الرأي العام عبر حملات التضليل وتشكيل السرديات لكل طرف.
وتعد الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، في 28 فبراير 2026م، نموذجًا لطبيعة هذا التحول المركب؛ إذ شهدت هذه الحرب توظيفًا عميقًا للذكاء الاصطناعي في إدارة العمليات العسكرية من ناحية، وتوجيه الخطاب الإعلامي والتأثير الاجتماعي من ناحية أخرى، بما يعكس تداخلًا واضحًا بين ميدان القتال والفضاء الرقمي في إطار واحد متكامل يمكن أن نطلق عليه الحرب الهجينة. وهو ما سوف تناقشه هذه الدراسة، تطبيقًا على نموذج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
أولًا: تحول تقنيات الذكاء الاصطناعي من المجال المدني إلى المجال العسكري:
ظهر الذكاء الاصطناعي في منتصف القرن العشرين كفرع من فروع علوم الحوسبة، ويهدف بالأساس إلى محاكاة قدرات الإنسان في الحساب والمنطق وحل المشكلات، ويعني في مفهومه البسيط أنه «عملية محاكاة الذكاء البشري عبر أنظمة الحاسوب، أي محاولة تقليد سلوك البشر ونمط تفكيرهم وطريقة اتخاذ قراراتهم، وتتم من خلال دراسة سلوك البشر عبر إجراء تجارب على تصرفاتهم ووضعهم في المواقف المعينة ونمط تفكيرهم وتعاملهم مع المواقف المختلفة، ثم محاولة محاكاة طريقة هذا التفكير من خلال أنظمة حاسوبية معقدة.
ولم يكن الذكاء الاصطناعي في بداية نشأته الأولى سوى مجموعة من الأدوات الحسابية المبرمجة، تعمل على تنفيذ أوامر تم تحديدها بدقة، وكان استخدامه يقتصر على تحليل البيانات، أو إنجاز بعض المهام المعقدة في نطاقات تقنية ضيقة، إلا أن هذا الدور، في ظل التطورات المتسارعة التي شهدها هذا المجال، وظهور تقنيات التعلم العميق والشبكات العصبية، تحول الذكاء الاصطناعي إلى منظومة قادرة على التعلم الذاتي والتنبؤ بالأنماط والمساهمة في إنتاج المعرفة وتحليلها. ومن ثم، لم يعد مجرد وسيلة داعمة للتفكير البشري، بل أصبح قادرًا على التعامل مع البيانات بصورة أكثر استقلالية وتعقيدًا، وأصبح فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الإدراك واتخاذ القرار، ولعل ذلك ما يفسر حضوره المتصاعد في الحروب الحديثة، سواء على مستوى إدارة العمليات، أو التأثير في الوعي والسلوك الجمعي.
وإمعانًا في هذا الاتجاه، طرح الفيلسوف السويدي «نيك بو ستروم» في كتابه المعنون بــ «الذكاء الخارق: المسارات، المخاطر والاستراتيجيات» تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت الآلة يمكنها أن تتجاوز دورها كأداة لتصبح شريكًا في التفكير واتخاذ القرار. والجدير بالملاحظة أن الكتاب لم يحصر الذكاء الاصطناعي في بعده التقني، بل امتد ليعكس تحولاً أوسع في طبيعة الفعل الإنساني ذاته، خاصةً في البيئات المعقدة التي تتطلب سرعة الاستجابة ودقة المعالجة، وهو ما يُمكن تطبيقه بوضوح في سياق الحرب الحديثة.
وتأتي أهمية هذا الكتاب من كونه قدم تفسيرا لتنامي ور الذكاء الاصطناعي في إدارة الصراعات، بحيث لا يكمن التحدي في امتلاك الآلة لوعي مستقل عن الوعي البشري، بقدر ما يتمثل في قدرتها على العمل بكفاءة فائقة دون الحاجة لهذا الوعي؛ وذلك من خلال تحليل كم هائل من البيانات واتخاذ قرارات تتجاوز في سرعتها واحاطتها القدرة البشرية. وتتمثل أهم هذه الأدوار في إدارة العمليات العسكرية والاستخباراتية وتوجيه مسار تلك العمليات، بل وحتى التأثير في إدراك الفاعلين وصناع القرار، بما يجعل الذكاء الاصطناعي عنصرًا فاعلًا في تشكيل نتائج الحرب، وليس مجرد أداة ضمن أدواتها المختلفة.
وعليه، فإن الإشكالية المركزية لا تتعلق بمدى تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي فقط، بل بمدى قدرتنا على استيعاب أثرها المتنامي على طبيعة الحروب الحديثة، بما يشمل الأبعاد الاستخباراتية والإعلامية والاجتماعية. فمع تحول إدارة الصراع إلى فضاء يعتمد على تحليل البيانات الضخمة والخوارزميات المعقدة، لم يعد التأثير مقتصرًا على ساحة العمليات فحسب، بل امتد ليشكل أنماط الإدراك بالحرب لدى الفاعلين والمجتمعات على حدً سواء.
ثانيًا: توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحرب على إيران.
شهد التوظيف العسكري لتقنيات الذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة تحولًا يتجاوز فكرة تحسين أدوات القتال إلى إعادة هندسة كاملة لمنطق الحرب ذاته، فلم تعد هذه التقنيات مجرد عنصر مساعد ضمن المنظومة العسكرية بل أصبحت مكونًا حاكمًا في تشكيل القرار والتوجيه القتالي. كما لم تعد الحرب تُدار عبر التسلسل التقليدي القائم على الرصد ثم التحليل ثم القرار، وإنما عبر أنظمة خوارزمية تدمج مراحل الرصد والتحليل واتخاذ القرار في مسار واحد متداخل قائم على معالجة فورية للبيانات، تُنتج استجابات سريعة تتجاوز الحدود الزمنية للإدراك البشري.
ويشير مفهوم التوظيف العسكري للذكاء الاصطناعي إلى توظيف الخوارزميات ونظم التعلم الآلي في دعم العمليات القتالية، سواء من خلال تحليل صور الأقمار الصناعية والمسيرات، أو معالجة الاتصالات والبيانات الاستخبارية، أو التعرف الآلي على الأهداف. وقد وظفت الولايات المتحدة أنظمة رئيسية قائمة على أنظمة هذا الذكاء ضمن إدارة عملياتها العسكرية ضد إيران، ضمن منظومة تشغيلية متكاملة؛ تهدف إلى سرعة الاستهداف ودقته، ورفع كفاءة التحليل الاستخباراتي ودعم اتخاذ القرار العسكري. ومن أهم هذه الأنظمة ما يلي:
1.مشروع «مايفن» ((Maven)Smart System) ومنصة «جوثام» (Gotham)
وهما مشروعان تطورهما شركة (Palantir Technologies) ويمثل «مشروع مايفن» أحد أكثر التحولات عمقًا في بنية التوظيف العسكري للذكاء الاصطناعي في المنظومة الأمريكية، منذ اطلاقه عام 2017م، كبرنامج رائد للذكاء الاصطناعي للجيش الأمريكي، لمساعدة المحللين العسكريين في معالجة التدفق الهائل للقطات التي ترسلها المسيرات، إذ يقوم بتحليل كميات هائلة من البيانات المعقدة بشكل لحظي، على تنوع مصدرها، فقد تكون من الأقمار الصناعية أو المسيرات أو أجهزة الاستشعار الميدانية.
بينما تمثل «جوثام» منصة تحليل بيانات ضخمة معززة بالذكاء الاصطناعي تدمج بين تقنيات مثل منصة (AIP) ونماذج لغوية مثل (Claude) تعمل على دمج وتحليل استخباراتي كافة مصادر البيانات وليس الصور فقط، بل تشمل التقارير الاستخباراتية البشرية، بيانات الاتصال، بيانات الرادارات وكذلك نتائج أنظمة أخرى مثل (Maven) () وعلى ذلك يُمكن توضيح دور المشروعين في المراحل التالية:
يبدأ النظام بمرحلة جمع البيانات من مصادر متعددة من داخل بيئة العمليات العسكرية، وتشمل صور الأقمار الصناعية وبث المسيرات ولقطات الفيديو الميداني. إضافة إلى بعض إشارات الاستخبارات الإلكترونية. وتُمثل هذه المرحلة الأساس الذي تُبنى عليه العمليات اللاحقة؛ وذلك لأن توفر البيانات يحدد دقة التحليل.
تأتي المرحلة الثانية، ممثلة في معالجة البيانات بحيث يتم تنقية الصور والفيديوهات من التشويش أو التكرار ثم تنظيمها وتحويلها إلى صيغ قابلة للتحليل بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ومن ثم، فإن هذه الخطوة تؤدي مباشرة إلى تمكين النظام من التعامل مع البيانات بشكل مقروء آليًا بدلًا من كونها مواد خام غير منظمة.
ينتقل البرنامج إلى المرحلة الثالثة، بحيث يقوم بتحليل الصور والفيديوهات، أو البيانات بشكل عام، وهنا تتحول العملية من مجرد الحصول على بيانات إلى توفير المعلومات الدقيقة التي يتم التعامل على أساسها.
تقوم المرحلة الرابعة بعملية التصنيف والتعرف على الأهداف المحتملة، وتحديد ما إذا كانت تُمثل تهديدًا، أو أهدف مهمة. وتربط هذه الخطوة بين التحليل التقني والتقدير العسكري.
ينتقل النظام في مرحلته الخامسة إلى دمج العمليات وتحليلها ضمن إطار أوسع، بحيث يتم ربط النتائج النهائية مع المصادر المختلفة في صوره عملياتية موحدة لساحة القتال، مما يسمح ببناء صورة وعي ميداني متكامل تعكس الوضع العام بشكل لحظي، وفي المرحلة الأخيرة يقوم النظام بدعم عمليه اتخاذ القرار العسكري، من خلال تقليل الفاصل الزمني بين رصد الهدف واقتراح الإجراء المناسب للتعامل معه. وهو ما يسهم في تسريع ما يُعرف بسلسلة القتل، والمتمثلة في سلسلة الخطوات التي تبدأ بتحديد الهدف وتنتهي بتقييم نتائج الاستهداف، مما يضغط دورة اتخاذ القرار.
وبناءً على ذلك، تم توظيف نظام (Maven)ومنصة «جوثام» في الحرب الحالية على إيران، من خلال لعب دورًا مباشرًا في العمليات العسكرية الأولى للحرب، حيث أسهما في تحديد إحداثيات مئات الأهداف خلال الساعات الأولى من الضربات، وهو ما أدى إلى تمكن الولايات المتحدة من استهداف أكثر من 900 موقع خلال الساعات الاثنتي عشرة الأولى، مستخدمة قاذفات التخفي والمقاتلات البحرية وصواريخ كروز، ثم ارتفع عدد الضربات لأكثر من 1250ضربة، وفي ذات الوقت نفذت القوات الجوية الاسرائيلية أكثر من 700 استهداف جوي، تمكنت من خلاله من إلقاء 1200 قذيفة، وقد أسفرت هذه الهجمات عن مقتل المرشد الأعلى للثورة، ودمرت مواقع صاروخية ومنظومات دفاع جوي ومراكز قيادة وسيطرة، فضلًا عن منشآت ذات صلة بالبرنامج النووي.
2.استخدام نموذج (AI Claude)
نموذج ذكاء اصطناعي توليدي طورته شركة (Anthropic) ويعتمد على تقنيات التعلم العميق لمعالجة اللغة الطبيعية وفهم النصوص وتحليلها ولا يعمل كنظام عسكري مستقل، بل كشبكة معرفية تحليلية يمكن دمجها داخل أنظمة أكبر لدعم الفهم واتخاذ القرار. ويتميز هذا النموذج بقدرته على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات النصية وغير المنظمة، ثم تحويلها إلى مخرجات تحليلية قابلة للاستخدام، فضلًا عن قدرته على تلخيص المعلومات الضخمة وتوليد التوصيات والسيناريوهات المناسبة، ومع أنه يُعد تطبيقًا تجاريًا مثل (Chat GPT) و(Gemini) إلا أن الإدارة الأمريكية تملك نسخة منه (Claude gov) للاستخدام في مجال الأمن القومي.
وعلى الرغم من خلاف الإدارة الأمريكية مع الشركة المطورة لنموذج (Claude) بسبب مطالبة الإدارة الأمريكية بضرورة رفع القيود المفروضة على استخدام النموذج، والسماح بما تم وصفه بجميع الاستخدامات القانونية دون توضيح حدود أخلاقية واضحة. ولكن الشركة رفضت هذا الطلب، إلا أن هناك تقارير إعلامية وتحليلات بحثية، أكدت على دمج نموذج (Claude) ضمن المنظومة العسكرية لنظام (Maven) عبر توظيف النموذج في تحليل البيانات الاستخباراتية وتحديد الأهداف ودعم عملية الاستهداف في الزمن المناسب. بل تجاوز دور نموذج (Claude) تحليل الاستخبارات واقتراح الأهداف، وتم توظيفه في التخطيط المحاكي للمعارك ونمذجة السيناريوهات، أي محاكاة ردود الفعل الإيرانية المحتملة، وحساب احتمالات الاعتراض وتحسين توزيع القوات الأمريكية.
وبذلك يُعد أول نموذج نظام ذكاء اصطناعي متقدم يعمل داخل الشبكات العسكرية الأمريكية المصنفة سريًا، وجاء ذلك نتيجة التعاون مع شركة (Palantir Technologies) المطورة لمشروع (Maven)بموجب عقد بقيمة 200 مليون دولار تم توقيعه عام 2025م، ويعود ذلك إلى ميزة أساسية يمتلكها نموذج (Claude)وهي الاتقان المُحكم للهجات واللغات المختلفة، وهي نقطة أساسية في عمليات الأمن القومي الأمريكي.
وفي ضوء ما سبق، يُمكن القول إن العلاقة بين هذه الأنظمة هي علاقة تكاملية متعددة الطبقات، إذ لا تعمل بشكل منفصل، بل ضمن بنية تشغيلية واحدة، تتوزع فيها الوظائف وفقًا لمستويات مختلفة من معالجة المعلومات واتخاذ القرار؛ فيمثل (Maven) الطبقة الأولى، التي تحول البيانات البصرية إلى مؤشرات أولية للأهداف العسكرية. ثم تُمثل منصة «جوثام» الطبقة الثانية الأكثر شمولًا، التي تتولى دمج البيانات البصرية مع مصادر استخباراتية أخرى. وفي المقابل، يأتي دور نموذج (Claude)بوصفه طبقة تحليل معرفي ولغوي، من خلال التعامل مع التقارير والتحليلات المولدة عن الأنظمة الأخرى. وتتمثل وظيفته الرئيسة في تفسير المعلومات وتلخيصها، ومن ثم، تقديم تصورات محتملة لدعم صانع القرار. وبهذا تتشكل منظومة مترابطة، يمكن وصفها بأنها سلسلة معرفية تشير إلى تحول في بنية الحرب الحديثة نحو نموذج يعتمد على التفكير الآلي القائم على التوزيع في المهام، بدلًا من القرار البشري الأحادي التقليدي، مما يُسهل مهمة التموضع المسبق للحرب.
3.الهجمات السيبرانية:
يُمثل البُعد السيبراني أحد أكثر أبعاد الحرب الحديثة تعقيدًا وتشابكًا، إذ لم يعد الأمر يقتصر على تعطيل الأنظمة الاليكترونية، أو اختراق الشبكات التقليدية، بل تطور ليصبح أداة متكاملة لإعادة تشكيل البيئة الاستخباراتية والعملياتية للدول المستهدفة، ومن ثم، مثلت البرمجيات الخبيثة وأنظمة الاختراق المتقدمة إحدى الأدوات المركزية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. خاصة أن هذه البرمجيات عبارة عن برامج وأكواد مصممة خصيصًا لتخريب الأنظمة الاليكترونية وسرقة البيانات أو السيطرة على البنية التحتية للدول والمؤسسات.
وفي هذا الإطار، فقد تزامنت العمليات العسكرية ضد إيران، مع شن موجة واسعة من الهجمات السيبرانية المركبة، التي مثلت جزءا مهما من الحرب الهجينة التي تدمج بين الضربات العسكرية المباشرة وتعطيل البنية الرقمية للدولة المستهدفة؛ فقد شهدت الساعات الأولى من الحرب، انهيار شبه كامل لشبكة الإنترنت داخل إيران، بالتوازي مع استهداف أنظمة حكومية وإعلامية وبنى تحتية رقمية مرتبطة بالطاقة والاتصالات. فضلًا عن استهداف أنظمة التحكم الصناعي وأنظمة الاتصالات الحساسة. وهو ما أُعتبر تعطيل منهجي لبنية القيادة والسيطرة. والجدير بالملاحظة، أن هذه الأنظمة تُمثل العمود الفقري للدولة واختراقها واستهدافها يؤدي إلى خلق تأثير مادي مباشر وليس رقمي فقط، وهو ما ظهر في بيانات مؤشر حركة الإنترنت التابع لمنظمة (NetBlocks) التي أشارت إلى أن حركة الإنترنت داخل إيران تراجعت إلى 1% فقط خلال الأسبوع الأول من الحرب، وهو ما رجح إمكانية وجود اضطرابات سيبرانية تزامنت مع الهجمات الرقمية.
وقد أشارت تقارير استخباراتية إلى أن إيران سبق وطورت خلال السنوات الماضية، شبكة ضخمة من كاميرات المراقبة، التي تُستخدم في الأساس في مراقبة الشوارع والتتبع وضبط الأمن الداخلي، إلا أن هذه الشبكة تحولت إلى نقطة ضعف استراتيجية تم توظيفها في الحرب، عندما تم اختراق الشبكة الرئيسية لهذه الكاميرات واستخدام البيانات الخاصة بها في جمع معلومات قبل تنفيذ الهجمات، فبعد أن تم السطو على البيانات من هذه الكاميرات، جاء دور الذكاء الاصطناعي في تحليل محتواها من خلال ما يُسمى بالرؤية الحاسوبية، ومن ثم، التعرف على الوجوه والأنماط السلوكية، وتتبع حركة الأفراد الذين تم استهدافهم خلال الضربات الأولى.
أما التطور الأبرز في اختراق هذه الكاميرات، فهو بناء نمط حياة القيادات وربط الأماكن التي يترددون عليها وتحديد نقاط الالتقاء والاجتماعات، وذلك بالتكامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى مثل (Maven)وجوثام، وبالتالي، نستنتج أن اختراق هذه الكاميرات لعبت دورًا رئيسيًا في اغتيال العديد من قادة يران في الأيام الأولى من الحرب.
وفي المقابل، لا يُمكن اغفال الدور الإيراني في المجال السيبراني؛ خاصة أنها تبنت منذ سنوات استراتيجية تقوم على توظيف الفضاء الرقمي كأداة قوة تعويضية عن الفجوة في ميزان القوة العسكرية مع الولايات المتحدة وحلفائها. وعلى هذا الأساس، كونت شبكة محترفة من المجموعات السيبرانية.
ولهذا تصاعدت هجمات إيران السيبرانية، بالتوازي مع العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، حتى حذرت الأجهزة الأمنية الأمريكية من هجمات إلكترونية مرتبطة بإيران تستهدف البنية التحتية الحيوية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، مثل منشآت الطاقة والمياه وغيرها. وكانت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأمريكية (CISA) قد وثقت قيام مجموعة «سايبر أفينجرز» التابعة لإيران، باختراق أجهزة التحكم المنطقي المبرمج (PLCs) التابعة لشركة «يونترونيكس» الإسرائيلية، مما أدى إلى اضطرابات في أنظمة ضخ المياه بعدة مناطق، نتيجة استغلال ثغرات في كلمات المرور الافتراضية التي تؤدي إلى الوصول لواجهات أنظمة التحكم()
كما قامت مجموعة تُدعى «حنظلة» تابعة لإيران، باختراق هاتف مسؤول بالجيش الإسرائيلي واستطاعت من خلاله اختراق جميع أرقام المحمول المسجلة على جهازه. كذلك لم تَسلم الدول الخليجية من هجمات إيران السيبرانية، فقد وثقت تقارير أمنية أن مجموعات إيرانية أو موالية لها نفذت هجمات تعطيل خدمات واختراق مواقع حكومية وشركات، وتسريب بيانات، فضلًا عن مهاجمة فروع لشركات أمريكية موجودة بالدول الخليجية مثل مايكروسوفت وأمازون. ولم تكن الاضطرابات التي صاحبت تلك الهجمات محدودة التأثير، بل طالت كل شيء من خدمات مصرفية إلى خدمات المستهلكين.().
4.توظيف الطائرات المسيرة Drones:
يشير مفهوم الطائرات المسيرة أو الطائرات بدون طيار إلى تشغيل طائرات غير مأهولة تُدار إما عن بُعد بواسطة محطات تحكم أرضية، أو عبر أنظمة ملاحية وآلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، دون الحاجة إلى طيار بشري، وقد توسع نطاق استخدام هذه الطائرات ليشمل المجالين العسكري والمدني؛ ففي المجال المدني تُستخدم في الزراعة والمسح الجوي وأعمال الإغاثة والإنقاذ، أما في المجال العسكري فتُوظف لأغراض الاستطلاع والمراقبة والهجوم.
وتمثل الطائرات المسيرة أداة حاسمة في إعادة تشكيل ميزان القوة بين الدول، خاصةً في حال عدم التكافؤ العسكري وهو ما يُفسر توظيف إيران لهذه التكنولوجيا بكفاءة، معتمدة على تطوير منظومات مسيرة منخفضة التكلفة وعالية المرونة. ومع استمرار الهجمات العسكرية عليها، شنت إيران ضربات مماثلة ضد أهداف بمنطقة الخليج العربي باستخدام مسيرات «شاهد» الانتحارية، والتي اُعتبرت العامل الحاسم الذي مكن إيران من الرد. خاصة أنها استخدمت نسخًا معدلة منها ترعف باسم «شاهد 101» لضرب أهداف إسرائيلية، فضلًا عن «شاهد-136» ذات المدى الأطول، والتي اعتمد عليها الحرس الثوري بدلًا عن الصواريخ الباليستية.
وعلى الجانب الآخر، طورت شركة (Perennial Autonomy) الأمريكية والمتخصصة في تقنيات الدفاع، طائرات مسيرة مزودة بالذكاء الاصطناعي تُعرف باسم (Merops) تتمثل مهمتها في تحديد المسيرات المعادية وتعقبها ثم اعتراضها وتدميرها، وقد مكنت هذه الطائرات الجانب الأمريكي من مواجهة أسراب طائرات شاهد بسرعة وكفاءة بشكل آلي(). كما استخدمت أيضا للمرة الأولى مسيرات أحادية الاتجاه منخفضة التكلفة تُسمى (LUCAS) وهي تشبه مسيرات شاهد الانتحارية الإيرانية، ويمكنها التحليق لمدة قد تصل إلى 6 ساعات متواصلة قبل أن تصطدم بالهدف، ولذا تم توظيفها في استهداف منشآت عسكرية إيرانية، منها منصات الصواريخ الباليستية.
وعلى مستوى آخر، وظفت الولايات المتحدة أبرز المسيرات في ترسانتها العسكرية وهي طائرة «إم كيو-9 ريبر» التي يبلغ مداها نحو 1150 ميل، ويتم تشغيلها عن بُعد بوسطة مُشغل بشري، وعملت على تزويدها بقنابل صغيرة، تسمح بضرب أهداف تقع على مسافات أبعد.
وبناء على ما تقدم، يُمكن القول إن المسيرات لم تعد مجرد وسيلة دعم تكتيكي، بل تحولت إلى ركيزة في بنية العمليات العسكرية. وقد أظهرت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تطور التفكير الاستراتيجي الايراني، عندما استخدم منظومة مسيرات «شاهد» ضمن إدارة عمليات معقدة تجمع بين الاستطلاع والاستهداف الدقيق، بما يشير إلى أن إيران نجحت في توظيف هذه التكنولوجيا لتعظيم كفاءتها القتالية وبتكلفة منخفضة، وفي الوقت ذاته كوسيلة لتشكيل معادلات الردع في بيئة صراع غير متكافئة عسكريًا.
ويكشف الشكل عن تحول نحو نمط جديد من الحروب يعتمد على الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي. كما يوضح أن حجم سوق الطائرات المسيرة العسكرية بلغ نحو 21.3 مليار دولار عام 2024م، ومن المتوقع أن يصل إلى 42.1 مليار دولار بحلول عام 2030م، وهو ما يفسر تأكيد عدة تقارير زيادة عدد الشركات المصنعة للطائرات المسيرة من 6 شركات فقط عام 2022م، إلى أكثر من 200 شركة عام 2024.
وتشير هذه الأرقام إلى أن سوق الذكاء الاصطناعي العسكري يدخل مرحلة توسع مستمر وليس مجرد نموًا عاديًا؛ فبالنظر إلى حجم النمو في الفترة من 2024م، والبالغ نحو 9.31 مليار دولار حتى 2026م، بحجم نمو بلغ حتى الآن نحو 13.78 مليار دولار، أي بمعدل تسارع يُقارب نحو 20%، وعلى هذا الأساس من المتوقع أن يصل حجم النمو عام 2030م، إلى 28.67 مليار دولار، مما يعكس انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه تقنية داعمة داخل الأنظمة العسكرية إلى كونه مكونًا بنيويًا في منظومة التحديث العسكري، وليس مجرد أداة مساعدة.
ويعني هذا المسار التصاعدي أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم يعد مرتبطًا فقط بتحسين الكفاءة، أو تقليل التكلفة، بل أصبح مرتبطًا بإعادة تشكيل مفهوم القوة العسكرية. خاصةً في مجالات مثل الاستطلاع والتحليل الاستخباراتي واتخاذ القرار وسرعة الاستجابة في ساحة العمليات. وتشير هذه الأرقام إلى دخول الدول في مرحلة من سباق التسلح الرقمي، على نحو يعكس تحولًا استراتيجيًا في طبيعة الحروب المستقبلية نحو الاعتماد على الأنظمة الذكية في إدارة الصراع العسكري.
ثالثًا: التأثير الاجتماعي للذكاء الاصطناعي خلال الحرب:
شكل البعد الاجتماعي في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أحد أكثر الأبعاد تعقيدًا وخطورة، إذ تم توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي في التأثير على الوعي الجميع الإيراني والرأي العام، عبر توظيف تطبيقات تعمل على برمجة العقول وتشكيل الوعي حول مشهد الحرب، وتتنوع هذه الآليات ما بين الاستهداف الإدراكي التنبؤي للرأي العام، وآلية التزييف العميق القائمة على إنشاء محتوى مضلل، سواء كان ممثلًا في صور وفيديوهات، أو نصوص مفتعلة، وتلعب منصات التواصل الاجتماعي الدور الأبرز كوسيلة رئيسية لتوظيف هذه الآليات، وعملت إيران على توظيف هذا الجانب بفعالية مستهدفة الرأي العام المحلي والإقليمي والعالمي، عبر بناء سرديات مثلت لها ورقة رابحة في الحرب ، وعليه، يُمكن تناول أهم مظاهر توظيف هذه الآليات في الحرب الجارية على النحو الآتي:
1. اخترقت إسرائيل، مع الساعات الأولى لشن الضربات العسكرية على إيران، تطبيق «باده صبا» أو Bade Saba، أشهر التطبيقات الإسلامية الإيرانية وأكثرها استخدمًا لتتبع أوقات الصلاة، ويتمتع بانتشار واسع داخل إيران، وأرسلت عبره إشعارات باللغة الفارسية ورسائل موجهة للشعب الإيراني تقول إن «المساعدة قد وصلت»، وإشعارات أخرى موجهة إلى القوات المسلحة وقوات الحرس الثوري تتضمن دعوات للانشقاق.
فضلًا عن اختراق عدد من المواقع الإخبارية الإيرانية مثل وكالة «إرنا» ونشر صور على بوابتها للهجمات ورسائل تزعم هزيمة الحرس الثوري مصحوبة بنص «ساعة مرعبة لقوات أمن نظام الملالي، لقد تلقى الحرس الثوري والباسيج ضربة قاصمة» وقد أثرت هذه الرسائل سلبيا على معنويات الشعب والقوات المسلحة الإيرانية.
2.استطاعت إيران توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في المجال الاجتماعي الإعلامي بشكل فعال، على محو مكنها من تحقيق تفوق نسبي في إدارة المحتوى الرقمي والتأثير على الإدراك العام؛ فخلال الأيام الأولى من الحرب ومع تزامن الرد العسكري على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، شنت مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران هجمات إلكترونية استهدفت الإسرائيليين، وإرسال رسائل نصية كأن مصدرها الجيش الإسرائيلي، تدعوهم إلى تحميل تطبيق مزيف للملاجئ، وعند تحميله يسمح بسرقة كميات كبيرة من البيانات الشخصية، فضلًا عن ذلك، تضمنت الرسائل نصوصًا تهديدية مثل «نتنياهو مات أو الموت قريب منكم، ستفتح أبواب الجحيم أمامكم قبل أن تدمركم صواريخ إيران، اتركوا فلسطين» هدفت هذه الهجمات لإثارة الزعر والتأثير على الإدراك العام الإسرائيلي للضغط على القادة لإيقاف استهداف إيران.
3.وجهت إيران جهودها في إطار الحرب الإدراكية نحو جمهور متعدد يشمل الولايات المتحدة، إسرائيل والدول العربية وخاصة الدول الخليجية، إضافة إلى الداخل الإيراني، عبر بناء سرديات إعلامية مضللة تقوم على المبالغة في عرض نتائج الحرب، وتضخيم الخسائر التي يتعرض لها الخصم وتقليل حجم الخسائر التي تتعرض لها، وتقديم صور تُمثل إلحاق خسائر بالغة بالقوات الأمريكية والإسرائيلية. وفي هذا السياق، قامت بنشر صور على حسابات تواصل اجتماعي وهمية لمسؤولين وجنود سابقين إسرائيليين. توضح حجم الدمار الذي لحق بإسرائيل جراء الهجمات الإيرانية، ليتبين بعد ذلك أنها صور مولدة بالذكاء الاصطناعي وأن الغرض الرئيسي منها هو تعزيز صورة إيران كقوة قادرة على الردع والتفوق.
ووفقًا لتقرير لشركة Cya bra المتخصصة في مجال تحليل النشاطات غير الحقيقية على الإنترنت، فقد تم رصد أكثر من 37 ألف محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، حقق ما يزيد عن 145 مليون مشاهدة وأكثر من 9.4 مليون تفاعل، يحملون وسم مثل standwithiran#، وقد شكلت وفقًا للتقرير منصة TikTok النسبة الأكبر من هذا الانتشار بنحو 72%، في حين ساهمت منصتي Facebook وX النسبة الأخرى، بما يعكس مستوى عالي من التنسيق الرقمي واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إدارة الحرب الإدراكية.4.استمرت ايران في استراتيجيتها الإعلامية والدعائية المستندة إلى الذكاء الاصطناعي خلال الحرب، فانتشر على منصات التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يتضمن رسوم متحركة مولدة بالذكاء الاصطناعي، تربط بين السياسات الأمريكية وقضايا داخلية مثل ملفات فضيحة «جيفري إبستين» وذلك للتأثير على الجمهور الأمريكي وتعبئته ضد الإدارة الأمريكية، ومع استمرار تدفق ما يُطلق عليه «الميمات الإيرانية» تجد الإدارة الأمريكية نفسها في موقف دفاعي لسلاح يتجاوز تأثيره أحيانًا القوة العسكرية التقليدية؛ إذ عملت هذه المقاطع على توضيح تورط الرئيس الأمريكي ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في فضيحة ملفات «إبستين» بل ومقارنة ذلك بقصف تلاميذ مدرسة مدينة «مناب» الإيرانية، في إشارة إلى أن الإدارة الأمريكية وظفت هذه الحرب في إطار صرف الأنظار عن فضيحة ملفات «إبستين» .
وهكذا، مثلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية ذد إيران، نموذجًا حيًا لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في توليد المحتوى المزيف لأغراض الدعاية السياسية والعسكرية، وهو ما يُمثل امتدادًا للدور ذاته في حربي أوكرانيا وغزة، وجزءًا من مشهد أوسع يتزايد فيه التوظيف الممنهج للمحتوى المولد أثناء الأزمات؛ وذلك من أجل بناء سرديات تشتت الرأي العام وتشوب مصادر المعلومات العامة، بل تعوق القدرة على تقدير المواقف في فترة مرتبكة بالأساس، لما تحمله من ضغوط تجعل المتلقين أقل قدرة على التحقق وسط حالة من الغموض وعدم التأكد.
ويشير ذلك إلى الاستخدام واسع النطاق لتقنيات الذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة؛ إذ وثقت دراسات متخصصة أنه خلال عامي 2024 و2025م، وُجدت آلاف المواد المضللة المنتجة بالذكاء الاصطناعي خلال الأزمات والصراعات العسكرية إقليميًا ودوليًا، مع صعوبة متزايدة في كشفها نتيجة تطور النماذج التوليدية، وهو ما يعكس انتقال التوظيف من حالات فردية إلى حملات رقمية منظمة لها اهداف استراتيجية مختلفة.
رابعًا: حدود تأثير توظيف الذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة.
لم يعد توظيف الذكاء الاصطناعي في الحروب مجرد امتداد تقني يعزز كفاءة الأدوات العسكرية أو يدعم العمليات الاستخباراتية، بل أصبح عنصرًا في تشكيل منطق الصراع وحيثياته، فبينما أسهم أيضا في تقليص الزمن العملياتي، وتسريع اتخاذ القرار وتعزيز دقة الاستهداف، فإنه في المقابل كشف عن حدود توظيفه المعرفية المتعلقة بمدى قدرته على التحكم الكامل في بيئات الصراع المعقدة، وتأتي هذه المفارقة بوضوح في التداخل بين التوظيف العسكري المباشر، والتوظيف الاجتماعي والإدراكي. يُمكن توضيح أبرز التأثيرات الناتجة عن هذا التوظيف على النحو الآتي:
تقليص الوقت وتسريع اتخاذ القرار:
أحدث توظيف الذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة تحول جوهري في طبيعة إدارة العمليات العسكرية من حيث الزمن والكفاءة، فقد أتاح دمج أنظمة تحليل البيانات الضخمة والمعقدة مثل (Maven)مع قدرات المعالجة الفورية للبيانات من خلال تطبيقات مثل (Claude)إمكانية تقليص الزمن الفاصل بين جمع المعلومات الاستخباراتية واتخاذ القرار، وانعكس هذا التطور في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في القدرة على تنفيذ سلاسل ضربات متتابعة تعتمد على التحديث اللحظي للأهداف، والتي تم تجميع بياناتها بالاعتماد على الأقمار الصناعية والطائرات المسيرة الاستطلاعية، والجدير بالملاحظة أن القرارات العسكرية كانت في الماضي تستغرق وقتًا يسمح بعملية التقييم السياسي والاستراتيجي، أما مع إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي للساحة العسكرية، أصبحت الأنظمة الذكية قادرة على تحليل المعلومات في زمن قصير ومحدد.
وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا التأثير على الرغم من أهميته، يظل محكومًا بقيود جوهرية مرتبطة بدقة وجودة البيانات والحاجة المستمرة للإشراف البشري لتجنب أخطاء التقدير والانحراف، ومن ثم، فإن الذكاء الاصطناعي يعمل كمُسرع للقرار وليس بديلًا عن مُتخذ القرار.
إحداث إرباك مؤسسي للدولة المستهدفة:
تُمكن تقنيات الذكاء الاصطناعي من إحداث نوع من الاستخدام الهجين لها، فبالتزامن من قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بالعملية العسكرية «الغضب الملحمي» لم تكن الحرب السيبرانية بعيدة عنها، بل تم استهداف البنية التحتية الإيرانية بما فيها البنية الرقمية والاتصالية وأجهزة التحكم الصناعي، على نحو أحدث نوعاً من الإرباك والشلل لدى هذه المؤسسات، فضلًا عن القدرة على التأثير على تواصل المؤسسات مع القادة لتنسيق العمليات. وبالتالي، كان لهذا التوظيف أثره البالغ في استهداف عدد من القادة الإيرانيين في الساعات الأولى من الحرب وعلى رأسهم المرشد الأعلى «علي خامنئي» رئيس مجلس الدفاع الوطني «علي شامخاني» والقائد العام للحرس «محمد باكبور» ويعكس هذا النمط الهجين انتقال مستوى الحرب إلى نوع من التكامل السيبراني العسكري.
تعقيد مفهوم السيادة الرقمية للدولة:
تشير السيادة الخوارزمية إلى قدرة الدولة على الاحتفاظ بالتحكم الكامل بالأنظمة الرقمية والخوارزميات التي تُشارك في صنع القرار الاستراتيجي، ولكن في عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت هذه السيادة من أكثر التحديات تعقيدًا أمام الدولة في ظل الحرب الحديثة، فلم يعد مفهوم السيادة مرتبطًا بالحدود الجغرافية أو القدرات العسكرية التقليدية، بل امتد ليشمل السيطرة على البنية التحتية الرقمية التي تشارك في صياغة القرار الاستراتيجي، وبالتالي، اعتماد الدول على أنظم ذكاء اصطناعي أو منصات تحليل بيانات مملوكة لدول خارجية، يخلق نوع من التبعية التقنية التي قد تؤثر بشكل غير مباشر على استقلال القرار الأمني.
وفي ضوء ذلك، فإن التحول الأهم لا يتمثل في امتلاك التكنولوجيا، بل في القدرة على توطينها والتحكم الكامل في دورة إنتاجها وتشغيلها، ويزداد هذا التحدي تعقيدًا مع اتساع اعتماد المؤسسات العسكرية والأمنية على النماذج التحليلية المتقدمة، ومن ثم، يصبح اتخاذ القرار متعلق بالمخرجات الحسابية للأنظمة الذكية، وهو الأمر الذي يفرض إعادة تعريف شاملة لمفهوم السيادة في القرن الحالي .
تغيير معادلات الردع في ظل استهداف الوعي الجمعي والرأي العام:
عمل توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في الحروب الحديثة، ولا سيما الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، على إحداث تحول بإنتاج محتوى دعائي مضلل يمكنه هندسة الإدراك الجمعي من خلال بناء واقع بصري بديل، سواء كان بالصورة، الفيديو أو النص المفتعل، والذي يجعل المتلقي يرى الحرب بطريقة مختلفة وكأنها أكثر حسمًا أو دقة مما هي عليه في الواقع، وبالتالي يتغير إدراكه لما يحدث على الأرض.
وعليه، فإن الإدراك العام يصبح جزءًا أساسيًا من معادلات الردع للدولة؛ وذلك لأن الدولة القادرة على التأثير في الوعي العام لدى الخصم أو جمهوره، تكون أكثر قدرة على خلق ضغط نفسي واستراتيجي يفوق أحيانًا القوة لعسكرية التقليدية، وبالتالي تتحول استراتيجيات الدول من التركيز على الردع القائم على امتلاك وتعزيز الترسانة العسكرية إلى الردع القائم على إدارة الصورة الذهنية وسرعة تشكيل الوعي العام، وهو ما يعني أن القدرة على السيطرة على الوعي العام أصبحت امتدادًا مباشرًا للقدرة على التأثير في موازين القوة والاستجابة في الحرب الحديثة.

