الرئيسية » الدراسات » أزمة اليمن بين هشاشة الدولة والتنافس الإقليمي

أزمة اليمن بين هشاشة الدولة والتنافس الإقليمي

الكاتب:

أولا: الجذور التاريخية للأزمة:
قد يكون من الصعب فهم أزمة اليمن الراهنة بمعزل عن هذا التاريخ المعقد، ولا عن الكيفية التي تشكّلت بها هذه الدولة، التي كانت شطران منفصلان. فقد كان اليمن الشمالي يخضع، حتى مطلع ستينيات القرن العشرين، لنظام الإمامة الزيدية، وهو نظام تقليدي، يقوم على الشرعية الدينية والتحالفات القبلية، وإدارة المجتمع عبر شبكة من الولاءات، أكثر من اعتماده على مؤسسات الدولة بمفهومها الحديث. وقد خلق هذا النمط من الحكم مجتمعًا سياسيًا منغلقًا نسبيًا، وغير قادر على استيعاب التحولات الإقليمية والدولية في تلك الفترة. وبالتالي كان من الطبيعي أن يطاح به، عام 1962م؛ لإرساء نظام سياسي يضع اليمن على أعتاب الدولة الحديثة
غير أن هذا التحول لم يمر في سياق داخلي محض، فقد وُلدت هذه الدولة في بيئة صراع داخلي بين أنصار النظام الجمهوري وأنصار النظام الإمامي، سرعان ما تحول إلى صراع إقليمي بين مصر؛ دعمًا للنظام الجديد، والسعودية دعمًا للقوى الإمامية. وبالتالي لم تُتح لهذه الدولة الوليدة فرصة بناء مؤسسات مستقلة عن ميزان القوة الإقليمي والتحالفات الخارجية. وعلى الرغم من انتهاء هذا الصراع في عام 1970م، إلا أنه أثر في تشكّل نظامها. خاصة أن استقر على أساس من التسويات السياسية والعسكرية المعقدة، بين السلطتين القبلية والعسكرية دون أن يُنتج جهازًا إداريًا حديثًا لديه القدرة على فرض سيادة الدولة على كامل أراضيها. ومنذ ذلك الوقت، أصبح الحكم في صنعاء قائمًا على إدارة التوازنات، لا على بناء عقد اجتماعي شامل.
أما الجنوب اليمني، فقد كان له مسار مختلف تمامًا. إذ كان، حتى عام 1967م، خاضعًا للاحتلال البريطاني، خاصة في عدن ومحيطها. ومع انسحاب هذا الاحتلال، في مطلع السبعينات، أُعلنت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ذات النظام المركزي والحزب الواحد على غرار الأنظمة الاشتراكية. ومن ثم مؤسسات أمنية وعسكرية، تختلف في بنيتها وهيكلها عن النظام القائم في اليمن الشمالي. ولم يكن هذا الاختلاف شكليًا، بل خلق نظامين سياسيتين متناقضتين، وبلد منقسم إلى شطرين شمالي وجنوبي، داخل فضاء جغرافي واحد.
وما انفك شطرا اليمن منفصلين، حتى توحدا، عام 1990م، في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة. غير أن هذه الوحدة لم تراع معالجة جذور الاختلافات السياسية والاقتصادية والمؤسسية بين الشطرين. لذا ورثت الدولة الموحدة تناقضات بنيوية، أخذت تتفاقم داخل مؤسساتها، حتى تفجرت الحرب بينهما، صيف 1994م، صحيح أنها انتهت بالحفاظ القسري على الوحدة وتكريس مركزية السلطة في صنعاء، وإقصاء دعاة الانفصال من النخب السياسية والعسكرية الجنوبية. لكن دون أن يمنع ذلك من أعادة إنتاج فكرة الانفصال مرة أخرى في صورة مظلومية سياسية واقتصادية. ولهذا لم تعد الوحدة إطارًا توافقيًا بين شطري اليمن، بل تحوّلت إلى علاقة غير متكافئة ومتوترة بين مركز قوي وأطراف مهمّشة.
وفي خضم هذا الوضع الهش، كانت هناك أزمة أخرى تتبلور على هامش الشمال اليمني، عندما نجحت إيران في تكوين مليشيا مسلحة بمنطقة صعدة، تسمى «أنصار الله» وأخذت في مناوأة الدولة، منذ عام 2004م، عبر مواجهات متكررة، كشفت مدى فشل النظام السياسي وتآكل مؤسساته وضعف قدرته على إدارة أزمات الدولة، وميله إلى الحلول العسكرية للأزمات، بدلا عن المعالجة السياسية، على نحو زاد من تآكل سلطة الدولة بشكل تدريجي. حتى دخل اليمن مرحلة مفصلية في تاريخه السياسي، عندما دفعت احتجاجات عام 2011م، المجتمع إلى دائرة الفوضى المستمرة. خاصة أنها كانت انعكاسًا لتراكم السخط الشعبي تجاه نظام الحكم، وغياب العدالة الاجتماعية، وتفشي الفساد داخل مؤسساته.
وفي هذا السياق، طُرحت المبادرة الخليجية، في نوفمبر 2011م، كآلية انتقالية تُجنّب انهيار الدولة، عبر نقل منظم للسلطة؛ فتنحّى بموجبها علي عبد الله صالح، ليتسلّم نائبه عبد ربه منصور هادي رئاسة البلاد. غير أن ذلك لم ينه حكم صالح إلا شكليًا، كما لم تعالج الأزمة من جذورها؛ لأنها أعادت تدوير النخب السياسية نفسها داخل بنية الدولة، بل وأبقت مراكز القوة الفعلية خارج إطار المحاسبة والإصلاح المؤسسي. ولهذا عجزت السلطة الانتقالية، بين عامي 2012 و2014م، عن بسط سيطرتها على كال مؤسسات الدولة، أو إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية بصورة فعالة؛ مما أتاح للقوى المحلية المسلحة فراغًا لتوسيع نفوذها، فتمكّنت جماعة أنصار الله من التمدد خارج معاقلها التقليدية بشمال البلاد؛ لتسيطر على العاصمة صنعاء، في سبتمبر 2014م، وبدعم غير مباشر من قوات موالية للرئيس علي عبد الله صالح، في تحالف تكتيكي جمع بين خصمين سابقين؛ على قاعدة المصالح المؤقتة. وهنا بدأت الأزمة تنتقل من مرحلة الانتقال السياسي المتعثر إلى الصراع المفتوح على السلطة، أصبح فيها ميزان القوة يميل لصالح أنصار الله، بوصفها فاعلا مسلحا خارج إطار الدولة.
ثانيا: دور إيران في تعقيد الأزمة:
من المعروف تاريخيا أن علاقة إيران باليمن لم تبدأ مع ظهور جماعة أنصار الله بصيغتها المسلحة الحالية، بل تعود إلى مرحلة التفاعل المذهبي والسياسي غير المباشر بين بعض الزيدية بشمال اليمن، مع الثورة الإسلامية في إيران، عام 1979م، وعلى الرغم من اختلاف «الزيدية» عن «الاثني عشرية» في إيران، إلا أن هذا التفاعل كان مغريًا لإيران كي توسع نفوذها الناعم داخل هذه البيئة الزيدية، عبر قنوات تعليمية وثقافية ودينية، بوصفه خطوة أولى ضمن استراتيجية التوسع الأيديولوجي والسياسي والعسكري الكامل داخل اليمن.
وعندما أُعيد توحيد اليمن، ودخلت البلاد مرحلة من الانفتاح السياسي النسبي، وتشكلت بعض المنتديات الاجتماعية، منها «منتدى الشباب المؤمن» الذي أسسه «حسين بدر الدين الحوثي» في صعدة. بوصفه إطارًا ثقافيًا–دينيًا يسعى لإحياء الهوية الزيدية؛ في مواجهة ما اعتبره تمددًا للتيار السلفي المدعوم من السعودية. غير أن خطابه أخذ يتبني تدريجيًا ذات السرديات الإيرانية، كما غير مسماه إلى «أنصار الله» على نحو يوحي بدلالة المسمى المشابه لـ «حزب الله» الموالي لإيران في لبنان.
وعندما بدأت مواجهاتها العسكرية مع نظام علي عبد الله صالح، عام 2004م، دخلت العلاقة بينها وبين إيران طورًا جديدًا. فبينما صوّرتها صنعاء كحركة متمردة مدعومة خارجيًا، ظل دور إيران الخفي محل جدل؛ نظرًا لعدم وجود أدلة قاطعة على أي دعم عسكري مباشر منها لهذه الجماعة. غير أن اندلاع ست جولات متتالية من المواجهات بينها وبين سلطات الدولة، بين عامي 2004 و2010م، أكد الارتباط العضوي غير المعلن والخطير بينهما وبين إيران؛ خاصة أنها أظهرت قدرتها على إرباك خصوم إيران الإقليميين وتهديد العمق السعودي والإماراتي، دون أن تتحمل طهران كلفة الانخراط المباشر.
ومن ناحية أخرى وجدت أنصار الله في انهيار منظومة الحكم التقليدية بصنعاء، عقب احتجاجات عام 2011م، فرصة مؤاتية لتوسيع نفوذهم خارج صعدة، ملء الفراغ الناجم عن انكشاف الدولة وتفكك تحالفاتها التقليدية. عندها أصبح الدعم الإيراني لها أكثر وضوحًا، سواء على مستوى التدريب ونقل الخبرات أو الدعم المالي وتوفير الغطاء الإعلامي والسياسي. حتى تمكنت من السيطرة على صنعاء، عام 2014م، وهنا تحوّلت علاقتها بإيران إلى شراكة استراتيجية. خاصة أن هذا الدعم حول أنصار الله من جماعة محلية إلى فاعل إقليمي لديه القدرة على الردع وتغيير قواعد الاشتباك. كما أعاد تعريف موقع اليمن داخل الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى إعادة رسم موازين القوة بمنطقتي الخليج والبحر الأحمر، ومن ثم التأثير على حركة التجارة الدولية وأمن الطاقة العالمية. والتمتع بهامش مناورة أكبر في الداخل اليمني.
ولم تغفل إيران عن إدارة هذه العلاقة ضمن ما يُعرف بسياسة «الإنكار المعقول» فكم من مرة نفت تقديم أي دعم عسكري لأنصار الله، مع تأكيدها السياسي على «دعم الشعب اليمني» تجنبًا للدخول في مواجهة قانونية مباشرة مع المجتمع الدولي. غير أن هذا الإنكار لم يمنع زيادة الاتهامات الدولية لها باستخدام اليمن ورقة ضغط ضمن مواجهتها الأوسع مع السعودية والولايات المتحدة، ضمن شبكة أوسع من التدخلات الإقليمية.
الجدير بالذكر أن التحالف التكتيكي الذي اقامه الرئيس علي عبد الله صالح مع أنصار الله، بعد أحداث 2011م أتاح لها الاستفادة من شبكاته العسكرية والقبلية على نحو خدم المصالح الإيرانية من حيث إضعاف سلطة الحكومة الانتقالية، وتسريع انهيار توازناتها الداخلية. ولكن سرعان ما انتهى هذا التحالف، في ديسمبر 2017م، حينما قُتل صالح بعد محاولته الانقلاب على أنصار الله. الأمر الذي كشف مدى تحوّل الجماعة لقوة مضافة إلى منظومة النفوذ الإيراني الأوسع. كما بعثت برسالة داخلية مفادها أن أي شراكة لا تقوم على التبعية الكاملة لهذه المنظومة مآلها الصدام.
وفي هذا الإطار تقلصت فرص أنصار الله لتقديم نفسها كحركة وطنية جامعة، خاصة مع زيادة المخاوف من تحوّل اليمن إلى ساحة نفوذ دائم لإيران. لا سما أن هذه المخاوف عززت الخطاب المعادي لها، وساعدت على تبرير التدخلات الإقليمية في اليمن. نظرًا لأنها تحوّلت من أداة تمكين مرحلية إلى أداة إعاقة لجميع مسارات تسوية الأزمة اليمينة. إذ كلما ازدادت قدراتها العسكرية، تراجعت حوافزها للانخراط الجاد في تسويات تقوم على تقاسم السلطة، أو إعادة بناء مؤسسات الدولة. وتعاملت مع جولات التفاوض كأداة لكسب الوقت وتثبيت المكاسب، وليس مسارًا لإنهاء الحرب. وبدل أن تتجه إلى بناء تحالفات داخلية، اعتمدت على القوة لفرض سيطرتها، مما أدّى إلى تعميق الانقسام وتعزيز منطق «السلطة بالقوة» وأضعف فرص إعادة إنتاج عقد اجتماعي جديد داخل اليمن.
ومع استمرار الصراع في وتحوّل اليمن من ورقة ضغط إيرانية فعالة إلى ساحة استنزاف مفتوحة لجميع الأطراف. أيحت إيران تدير وضعًا قائمًا يضمن بقاء نفوذها، ودخل الصراع في حالة جمود طويلة، تتخللها موجات تصعيد وتهدئة مرتبطة بتطورات إقليمية أوسع. وهو الأمر الذي انعكس على الموقف الدولي أيضًا، إذ بات يُنظر إلى الصراع كأزمة مزمنة يصعب حلّها، وهو ما تراجع الاهتمام بها على نحو منح الفاعلين الإقليميين هامشًا أوسع لإدارة الصراع وفق لمصالحهم، دون ضغط فعلي باتجاه التسوية.
ثالثا: الأصداء الإقليمية:
أثارت سيطرة أنصار الله على العاصمة اليمنية توترًا إقليميًا شديدًا، فقد رأت السعودية أنه تجسيد لتصاعد الدور الإيراني في اليمن، وترسيخًا لسلطة هذه الجماعة، عبر بناء أجهزة أمنية وعسكرية موازية للدولة، وإعادة تشكيل الاقتصاد المحلي بما يعزز قدرتها العسكرية، على نحو جعلها غير قابلة للاندماج في أي تسوية سياسية لا تضمن لها موقعًا مهيمنًا؛ وهو الأمر الذي يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. كما لم تعد ترى فيها مجرد جماعة متمردة داخل دولة مجاورة، بل ذراعًا إقليمية لإيران على حدودها الجنوبية. مما دفع الرياض إلى تبني مقاربة أمنية صارمة، عندما أعلنت، في مارس 2015م، عن بدء تدخلها العسكري، بمشاركة الإمارات ضمن التحالف العربي، بهدف إعادة الحكومة الانتقالية المعترف بها دوليًا ومنع إيران من فرض واقع سياسي عليها، أو فتح جبهة استنزاف طويل على حدودها الجنوبية، أو التأثير في معادلات الأمن الخليجي.
ومما أكد صحة المخاوف السعودية، أن الهجمات العابرة للحدود، التي كانت تشنها جماعة أنصار الله عليها، اكتسبت بعدًا استراتيجيًا يتجاوز التكتيك العسكري. ليستهدف المنشآت النفطية والمطارات والبنى التحتية داخل السعودية؛ لإرسال رسائل ردع إقليمية، تُظهر قدرة إيران على تهديد العمق الاقتصادي لدول الخليج. كما شكّل البحر الأحمر وباب المندب عنصرًا محوريًا في توظيف إيران لأنصار الله على المستوى الاستراتيجي عندما بدأت عملياتها تهدد الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وربطها بتطورات ملف إيران النووي وعلاقاتها مع الولايات المتحدة؛ مما جعل مستقبل اليمن مرهونًا بتوازنات تتجاوز إرادة الفاعلين المحليين.
وفي الوقت الذي كانت فيه إيران تطور قدرات جماعة أنصار الله، على نحو مكّنها من امتلاك قدرات صاروخية مسيرا بتغيير طبيعة المواجهات العسكرية مع خصومها. في إطار استراتيجية الردع المتقدم القائم على تعزيز عمقها الاستراتيجي بمنطقة غرب آسيا ورفع قدرات محور المقاومة الإسلامية بفلسطين ولبنان وسوريا والعراق. بدأت أولويات أطراف التحالف العربي نفسه تتباين، من حيث إن السعودية كانت تركز على تأمين حدودها واحتواء أنصار الله بشمال اليمن. بينما كانت الإمارات تركز على بناء نفوذ مباشر بالجنوب، عبر دعم المجلس الانتقالي، والسيطرة على المناطق الساحلية والجزر والموانئ الاستراتيجية. الأمر الذي نقل العلاقة بين السعودية والإمارات من التحالف العسكري المتماسك إلى الشراكة المتوترة. ومن ثم أصبح جنوب اليمن ساحة غير معلنة للتنافس بين الطرفين، سعت فيه كل دولة إلى ترسيخ نفوذها عبر أدوات محلية، دون الوصول إلى مواجهة مباشرة بينهما. الأمر الذي أسهم في إحياء مسألة انفصال الجنوب مرة أخرى برعاية إماراتية، ولكن بصيغة أكثر تنظيمًا وتسليحًا. كما عزز الانقسام داخل التحالف المناهض لأنصار الله وعمّق من تفكك السلطة داخل المناطق الخاضعة اسميًا للشرعية، وقلّص من فرص بناء سلطة مركزية موحّدة.
رابعا: استفحال الأزمة اليمنية:
لقد ظهر مع تأجج الصراع الإيراني–السعودي في اليمن، والتنافس السعودي الإماراتي عليه، والصراع الفلسطيني الإسرائيلي القريب منه، خاصة مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر، أن تداخل الأزمة اليمنية مع قضايا إقليمية أخرى، جعل اليمن إحدى ساحات اختبار موازين القوة والتحالفات بين القوى الإقليمية المتنافسة، وأن أزمة هذا البلد لم تعد مجرد نتاج لحرب أهلية، أو صراع على السلطة. ولعل هذا ما يفسر لنا لماذا ظلت الأزمة اليمنية بعيدة عن الحل، ولماذا أُديرت الأزمة أحيانًا باعتبارها ورقة ضغط ضمن ملفات أخرى أكبر.
إضافة أن تطور هذه الأزمة ارتبط بإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، التي أعقبت توقيع اتفاقات إبرام، عام 2020م، التي عززت التقارب الإماراتي إسرائيلي، وعمّقت الفجوة في المواقف العربية تجاه القضية الفلسطينية، وعلى مقاربة بعض الدول العربية للصراع اليمني، باعتباره جزءًا من شبكة أوسع من المصالح والتحالفات. ولهذا بدت الأزمة اليمنية في جوهرها أزمة مركبة، تجمع بين فشل بناء الدولة، وتنافس القوى الإقليمية، وحدود النظام الدولي في إدارة النزاعات والتعامل مع صراعات طويلة الأمد.
وبرزت الإمارات كحليف إقليمي للولايات المتحدة يتمتع بعلاقات أمنية معها وبهامش حركة أوسع، واستفادت من كونها شريك «فعّال» في مكافحة الإرهاب وأمن الملاحة، دون أن تكون مضطرة للالتزام الكامل بمقارباتها السياسية في اليمن مما سمح لها بتطوير سياسات بعيدة عن التحالف العربي بجنوب اليمن وجزره الاستراتيجية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، دون اعتراض أمريكي. كما انتقلت الإمارات، بموجب اتفاقات إبراهام، من موقع الداعم التقليدي للقضية الفلسطينية إلى المتبني لمسار التطبيع العلني مع إسرائيل، والذي إعادة تعريفه للتهديد الرئيسي بالمنطقة، من إسرائيل إلى إيران.
وبالتالي، برز تغيرت المواقف الإماراتية إزاء بعض القضايا الإقليمية، مثل بناء تحالفات أمنية واقتصادية مع إسرائيل، حتى لو جاءت على حساب الإجماع العربي حول فلسطين، والتعامل مع الفواعل من غير الدول، وأمن الممرات البحرية. ومن ثم النظر إلى البحر الأحمر وباب المندب بوصفهما مسرحًا استراتيجيًا مشتركًا، لا مجرد فضاء يمني داخلي. ي ظل الاهتمام الإماراتي–الإسرائيلي المتبادل بالموانئ والجزر اليمنية بوصفها نقاط مراقبة وتأثير محتملة على خطوط الملاحة، في إطار رؤية بحرية–أمنية أوسع. جعلت الإمارات تضطلع بدور فاعل بحري إقليمي «مسؤول» قادر على المساهمة في تأمين الممرات الدولية؛ مما يعزّز مكانتها لدى واشنطن وشركائها الغربيين، ويمنحها شرعية إضافية لسياساتها في جنوب اليمن وجزره وموانئه الاستراتيجية.
ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، في أكتوبر 2023م، ثم اتساع نطاقها مع محور المقاومة وإيران، عاد البحر الأحمر ليحتل موقعًا مركزيًا في الحسابات الدولية، ليس بوصفه ممرًا بحريًا فحسب، بل كساحة ضغط سياسي–أمني مرتبطة مباشرة بالصراع الفلسطيني–الإسرائيلي مما أعاد إدخال اليمن إلى واجهة الاهتمام الدولي. خاصة مع توسّع الهجمات التي شنتها أنصار الله ضد إسرائيل واستهداف الملاحة المتجهة إليها؛ ردًا على ما تقترفه في غزة. ومن ثم اكتسب الربط بين اليمن وفلسطين بعدًا غير مسبوق مع تكرار هذه الهجمات التي أثّرت على حركة التجارة العالمية في البحر الأحمر وباب المندب؛ مما منح الأزمة اليمنية وزنًا جديدًا في دوائر صنع القرار الغربية، بعد سنوات من اعتبارها أزمة منخفضة الأولوية. كما بدأت واشنطن في التعامل مع تطوراتها بمنطق احتواء المخاطر عبر تشكيل ترتيبات أمنية متعددة الجنسيات لحماية الملاحة التي ربطت البحر الأحمر وأمنه بتوازنات الصراع في غزة. على نحو جعل اليمن جزءًا من معادلة ردع أوسع، لا مجرد ساحة نزاع داخلي.
وبما أن إسرائيل تنظر للبحر الأحمر باعتباره امتدادًا لأمنها القومي، فقد تعززت المصالح الإسرائيلية–الإماراتية ومقارباتهما المشتركة حيال ضمان حرية الملاحة، واحتواء أي فواعل من غير الدول قادرة على تهديدها.
أما السعودية، فقد ظل موقفها أكثر تعقيدًا. خاصة أنها وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع تداعيات الحرب في غزة على أمنها القومي، لا سيما مع تصاعد التوتر بالبحر الأحمر؛ مما دفعها إلى تعزيز التنسيق مع الولايات المتحدة، دون الانخراط في ترتيبات تُفهم على أنها اصطفاف علني إلى جانب إسرائيل، حفاظًا على توازن حساس في سياستها الإقليمية. وبالتالي كان للتباين بين الإمارات والسعودية في إدارة العلاقة مع إسرائيل انعكاس على مقاربتهما للملف اليمني. فبينما تعاملت الإمارات مع جنوب اليمن والملاحة بالبحر الأحمر ضمن شبكة أمنية إقليمية متصلة بالمصالح الإسرائيلية والأمريكية، تمسكت السعودية بالفصل بين الأزمة اليمنية والصراع الفلسطيني؛ سعيًا لاحتواء الحرب وعدم توسيع ساحاتها. مما أعاد إنتاج التنافس غير المعلن بينهما، ولكن ضمن سقف التنسيق العام.
وفي المحصلة، أعادت حرب غزة وما تبعها من توترات في البحر الأحمر إدماج اليمن في صراع إقليمي–دولي أوسع، تداخل فيه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأمن الملاحة، والتحالفات الجديدة. مما منح اليمن أهمية استراتيجية متجددة، لكنه في الوقت ذاته زاد من تعقيد أزمته، وربط مستقبله بتحولات لا يملك السيطرة عليها
في ضوء كل ما سبق، يتضح أن الصراع في اليمن لم يعد قابلًا للفهم أو المعالجة من خلال مقاربة واحدة، أو زاوية تحليلية منفردة. فالأزمة التي بدأت كاختلال بنيوي في بناء الدولة، تحوّلت مع الوقت إلى صراع داخلي متعدد المستويات، ثم إلى ساحة مواجهة إقليمية، قبل أن تُدمج مؤخرًا داخل حسابات دولية أوسع تتعلق بأمن الملاحة، واستقرار الخليج، وتوازنات القوى الإقليمي. ولعل هذا التحول التدريجي يفسّر لماذا فشلت كل محاولات الاختزال، سواء التي تعاملت مع اليمن كأزمة إنسانية فقط، أو كملف أمني، أو كحرب بالوكالة فحسب
إذ لم تعد الأزمة اليمنية تُُدار فقط ضمن معادلة محلية، أو حتى خليجية، بل ضمن شبكة علاقات دولية وإقليمية متداخلة، تلعب فيها الولايات المتحدة دور المنسّق، خاصة أن التوتر الإقليمي المرتبط بغزة جعل اليمن جزءًا من شبكة صراعات مترابطة، برزت فيها الإمارات وإسرائيل كفاعلين متقاربين في الرؤية. بينما حاولت السعودية الموازنة بين مصالحها الأمنية والتزاماتها السياسية، مما جعل حل الأزمة اليمنية مرتبطًا بتحولات النظام الإقليمي والمصالح الأمريكية. بعد أن أعادت واشنطن صياغة مقاربتها للشرق الأوسط، بحيث باتت إدارة الأزمات، لا حلّها، هي هدفها الأساس وهو ما انعكس بوضوح على تعاملها مع اليمن.
صحيح أن واشنطن دعمت عمليات التحالف العربي سياسيًا ولوجستيًا، منذ بداية التدخل العسكري في 2015م، استنادًا إلى قرارات مجلس الأمن، ومبرّرة ذلك بالحفاظ على «الشرعية» ومنع تمدد النفوذ الإيراني. غير أن هذا الدعم لم يكن مطلقًا أو ثابتًا، بل خضع لتعديلات تكتيكية مع تغيّر الإدارات الأمريكية وتبدّل أولوياتها، خاصة مع تصاعد الانتقادات داخل الكونجرس بشأن الكلفة الإنسانية للحرب مما جعل الدور الأمريكي عامل توازن أكثر منه محركًا لحسم الصراع في هذا البلد المُقبل على التقسيم مرة أخرى.

اترك تعليقا